تغييب العقل ونقض البيعة

11-07-2013
 تغييب العقل ونقض البيعة
 
هل نستطيع أن تتعامل مع جرحنا العربي النازف بعقل مفتوح؟ وقلب مرحاب وبدون تعصب أو تشدد أو اتهامات؟ وهل نستطيع أن نضع أيدينا على سر الانقلاب والانحدار؟ والتغيير، وسبب الفرقة والانقسام ؟ في عالمنا العربي؟ وفي وضعنا الفلسطيني؟ وفي أنفسنا أيضا حيث المنطلق؟

        نستطيع أن تستجلب روايات التاريخ المختلفة أو أن نختزله في اتجاه واحد باتجاهنا فقط ،ونستطيع أن نتحزم بالمنطق أو المقدس، فما أسهل من أن يتمسك فريق دون الآخر برؤيته أو روايته أو ما يعتبره حقه، ويضخ منظوره الشائه في الأدمغة الخشنة للكثيرين ، أو في العقول المرتبطة فقط بمنفذ وحيد يشرب من حنفية مرتبطة بخزان لا ينضب من الوقائع والحوادث والاستدلالات التي تؤكد وتثبت وجهة النظر الأوحدية وتقصي أو ترفض أو تهمش أو تشيطن الأخرى؟ 

       وإن استطعنا استنطاق التاريخ العربي الاسلامي لمصلحتنا أو لمصلحة غيرنا، سنجد فيه الغث والسمين، إن لم يكن هادينا أخذ العبرة والاستفادة والتعلم والبناء على ما سبق ضمن فكر التطور والتغيير وابداع الجديد لما فيه خير الناس كل الناس، لا البكاء على الأطلال وفرض قداسة القديم أو ضرورة استنساخه.

     ان استنطقنا التاريخ البعيد؟  فكيف نستنطق التاريخ القريب وفيه الذين ذهبوا غدرا ، سواء في أتون "الربيع العربي" أو في انقلاب غزة الدموي، وكيف سنبرر لأهاليهم؟! ولعموم الناس ؟! أم ندعي أنهم شهداء (حرب أهلية) أوهم شهداء (الكرسي) وشهداء (السلطة)؟! وكأن دماء الناس أصبحت بلا قيمة أو ثمن؟ وهي عند الله أعظم من حرمة الكعبة كما قال رسول الانسانية والبشرية جمعاء.


 اذ يكفي تكفير شخص إرضاء لكرسي أو سلطة أو فتوى فاسدة، أو في أتون فتنة  ليتم  رميه جورا وزورا وعسفا بتهمة الكفر أو غيرها ليصبح دمه في عنق "المفتي بقتله" وليس لك الا أن ترى منظر البشاعة والارهاب القميء المتمثل بالقاء بريء من على سطح البناية من 6 سنوات في غزة، وما صاحب ذلك من أمثلة أخرى، وذاك الشبيه به الى حد التطابق من أيام قليلة في مصر؟! حيث رمي شابين من السطح أيضا؟ بفظاعة ووحشية لتكتشف معنى التعصب وتشويه العقل والى أين يأخذنا فكر التطرف.


وقد يتجاوز الأمر ذلك فنستجلب المقدسات والآيات والأحاديث المفصلة على قياسنا فقط، ونستخدمها برعونة (كما استخدمت لإدامة الفتن في تاريخ المسلمين وفرقهم الدينية) لنقول أنهم شهداء الفئة المؤمنة ضد الفئة الكافرة أو الضالة ، أو من الموقع المخالف هم قتلى الفئة الضالة أوالكافرة التي رفضت " تمكين" المؤمنين الصائمين القانتين الركع السجود؟! تمكينهم؟! من ماذا ؟ أمن الدعوة الى الله؟! أم من لطف السعي لمرضاته؟ أم من محبة الناس ونصحهم؟ لا وكلا، وانما من "تمكينهم" كأشخاص وجماعات وأحزاب من السلطة والهيلمان والكرسي، وما ذاك من الاسلام بشيء.

       كفى عبثاً، وكفى استغفالاً للجماهير ، وكفى غلوا وادعاء، فالكل مسلم والكل معلقة أعماله برقبته لوحده عند الله عز وجل مساءل لوحده ، ويدخل الجنة أو النار لوحده لا يستطيع أن يصطحب حزبه أو تنظيمه أو جماعته  (أو حتى أمه أو ولده أو زوجه...) معه الى الجنة أو جهنم ، فكفى تفريقاً للأمة وتنزيها للذات والنفس، وركوبا على رقاب العباد لعبادة (الكرسي) أو (السلطة) أو الهيلمان أو النفوذ.

أليست الدار الآخرة دار القرار وهي هدف المؤمنين عامة والمسلمين؟ وبالتالي هي هدف الأفراد جميعا (كل لوحده) سواء أنتموا لأي من التنظيمات السياسية وغير السياسية أولم ينتموا ؟! فكيف يكون المعبر للآخرة بقسمة الشعب وإذلال الناس والتفريق بينهم وادعاء عصمة فريق أو حزب يطأ درج الجنة متكبرا على الحق منذ الآن؟! ... هذا مسلم وهذا نصف مسلم وذاك منافق والآخر كافر، وكأن ختم الاسلام قد لزم جيب هذا الفصيل أو ذاك الشخص ما لا يستقيم.
 
       لقد أعزنا الله بالإسلام الحنيف وأمرنا بنقض بيعة أي مستبد (= ديكتاتور) كاذب أومستغل أو ظالم أو ناكث لوعوده أولا يخدم شعبه فلا ينفع الناس، فلا عبودية إلا الله وحده لا شريك له لا في الأرض ولا في السماء، هذا الايمان والحب الذي يحرّر كل شخص من عبادة الأفراد مهما ظنوا بأنفسهم (وربما تنظيمهم معهم) الصلاح أوالقداسة أو النزاهة أوالزعامة أو العلوّ، وينقلهم الى سمو ولطف وثنائية العلاقة مع الخالق وحده.

        كيف يغيّب العقل في مصر لينزل جبريل عليه السلام انتصارا لشخص أي كان ؟ وكيف يغيّب العقل ليقوم الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بدعوة شخص (الرئيس مرسي ) ليؤم الناس بالصلاة ، حاشا لله وحاشا للرسول ؟! وكيف وكيف وكيف من عمليات غسيل دماغ واستحمار للشعب يقوم بها البعض من المتشددين على فرضية أن أوهامهم وحي مقدس وأحلامهم واجبة التصديق وهراءاتهم قرارات مقدسة ، وأقوالهم تغض النظر عن أفعالهم ، وطول لحاهم مفتاح الجنة؟ّ

       في الاتجاه المقابل نرى من (العلمانويين) مقابل ( الاسلامويين) من يستغل كل فرصة أو ساعة للتعريض أو النقد ليس بالشخص أو الجماعة أو الموقف، وإنما (بالإسلام) ذاته عبر تعمد رفض كل ما ينبثق عنه من أفكار واجتهادات وآراء وأفق حضاري رحب، بادعاءات الرجعية ومخالفة الزمان والماضوية، وباسقاط فكر التعصب والتطرف وفكر الغلو والمشاحنة على كل المسلمين أو على كل تيارات وجماعات وأحزاب المسلمين ، ما لا نقره أو نقبله أبدا، وما هو افتراء وتعمد لضرب الاسلام لذاته كدين وليس نقدا لمسيرة حزب أورأي أو شخص.

       إن طرفي التشدد أي في التيارات (الاسلاموية) بفكرها المتشدد وتلك (العلمانوية)  يمكن أن تمثلا أقصى اليمين وأقصى اليسار في الفكر السياسي في المجتمعات العربية والاسلامية ، وهذه التيارات المتشددة اليوم تظهر "كأنها تطغى وتنتصر" فتكسر عنق منهج الوسطية والاعتدال -ما تميزت به الحضارة العربية الاسلامية- وتقود هذا الفكر الوسطي الى مهاوي الردى، فلا يبقى في فضائنا الاسلامي الرحب الا الظلام والظلاميين فتختفي المحبة والتلطف والسماحة.

        إن الوقوف لبرهة يجعلنا نتفكر كما أمرنا الله تماما، أن نتفكر في كل شئ ، في آلائه وفي الخلق والمخلوقات وفي مآلات الأشياء والمواقف ونوائب الدهر، وفي معنى الاستخلاف والعبادة....الخ، ما يجعلنا نقفز حكماً الى القول (أنتم أعلم بأمور دنياكم ) في استشفاف لإدراكات ملهم العالم ملهم البشرية جمعاء ملهم الأمة النبي الأمين عليه الصلاة والسلام لمقتضيات التغيّر والتبدّل والتطور في الشأن الانساني في كل عصر وأوان، ما اخذ به علماء المسلمين، ولم يجمدوا أو يتصلبوا عند حدود فكرة أو فتوى أو رأى شكلّه عصره أو مناخه، ما تعود الآن بعض التيارات المتشددة لاستدعائه كما هو مخالفين شرع الله وسنة التغير في خلقه.

         مر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة على قوم يؤبرون النخل - أي يلقحونه - فقال: " لو لم يفعلوا لصلح له " فامتنع القوم عن تلقيح النخل في ذلك العام ظناً منهم أن ذلك من أمر الوحي، فلم ينتج النخل إلا شيصاً (أي بلحاً غير ملقح، وهو مر لا يؤكل) فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة سأل عما حدث له فقالوا: " قلت كذا وكذا.. " قال: " أنتم أعلم بأمور دنياكم " عن عائشة وعن ثابت وعن أنس: وفي صحيح مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أظن يغني ذلك شيئاً ".. ثم قال: " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه. فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به".

        هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في شؤون الناس والدنيا المتغيرة كما الحديث أعلاه (إن كان ينفعهم) أي ترك لهم حسن التقدير والاختلاف والاجتهاد والتعدد في الرأي، وتقدير المنفعة في سياقات مقاصد الشريعة ما هو أمر سياسي جماهيري مضيفا (فليصنعوه) حسب تقديرهم هم ، وقال أنه (ظنّ) وتلطفه عليه السلام ومحبته وتواضعه الجم أن أكمل بالقول (فلا تؤاخذوني بالظن).... يا الله ما أجمل هذا القول وأصدقه وألطفه، أفلا نقتدي؟!

       إن الاستدعاءات التأملية من واقع الوضع العربي المرير، وفي مصر اليوم خاصة والذي سبقه واقع مرير حصل في غزة، ومناطق كثيرة في بلاد العرب والمسلمين اليوم في سوريا وليبيا واليمن والسودان ولا نستثني أبدا ....يجعلنا نتفكر ونفهم المقصد الالهي بشدة تحريم الدم (القتل) وبالتالي التكفير والتخوين ، ويجعلنا ندرك أهمية عصمة الدماء ومنطق (الحب) الالهي الذي يجمع المؤتلفين والمختلفين، معا فلا نتوه ولا نتجمد ولا نتحيز ولا نتعصب الا لله ورسوله وفكر الحب والسماحة والتلطف والتقبل، لا لحزب أو جماعة ولا لفئة ولا لمعبود الا الله، في ظل اختلافنا المقبول في شأن الناس وما يصلح أمور دنياهم.

         إن مجري التفكّرهذا يقودنا لضرورة القول بأهمية انطلاق المبادرة عربيا والمبادرة فلسطينيا بلم الشمل، والوحدة الوطنية، واستعادة المكسور في النفس والفكر والروح، وتوقيع ميثاق شرف وتحريم وتجريم أشياء فظيعة منها التخوين والتكفير والقتل والتأثيم، في ظل فكر حضاري عربي اسلامي رحب ومنفتح يضع الانسان المواطن وكرامته وحريته ورأيه الأصل في بناء المجتمع المدني التعددي، والتفرغ عربيا واسلاميا وفلسطينيا لمقارعة الاحتلال الذي له كل البهجة بما يحصل.

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر