أبواب العمل ونافذة المتفرجين

05-04-2013
 أبواب العمل ونافذة المتفرجين
بكر أبو بكر
من غير المناسب أن يكون حكمنا حكما مطلقا غير قابل للنقص، فنحن لسنا قضاة نمتلك كل المعلومات او الحقائق لنبت قاطعين في بعض الآراء او المواقف او المقترحات.
ان آلية التفكير بمنطق افتراض صحة الرأي دون امكانية سبر غور أفكار الآخرين وإمكانية الاستفادة منها ، هي آلية سلبية، فالانفتاح بمعنى أن رأيي صواب والأبواب مفتوحة لخيارات الاثراء هو منطق التفكير المنفتح والمتوافق مع مفهوم العصر بالاتصالات والمشاركة، بل قد يكون رأيي خطأ وأستفيد واتعلم واتبنى رأي مخالفي.

من يظن أن له الحق (بانتقاد) الآخرين (تقريع وتوبيخ ولوم وتشدد، وفضح) ويمارس عليهم (وعظا) حيث يلقي عليهم بآرائه كحجارة سجيل من حيث هي مكينة وتضرب هدفها وتصيب ، وعليهم بالمقابل أن يقبلوا شاءوا أم أبوا هو واهم وخاسر بفعلته هذه ، لان الترابط بين (التقريع) و (الوعظ) اللذين هما إبنا عقلية (السيطرة والتحكم والاستبداد) ما هو من موروث الاستبداد التاريخي – الفكري يتناقض مع تطورات العصر شورويا وديمقراطيا.

إن مفهوم النقد في التنظيمات السياسية وغير السياسية يعني تلمس مواطن الخلل أو الزلل أو السلبيات في المواقف أو الآراء أو الممارسات لدى المنتقد نفسه أولا ثم الآخرين من زملاء الارتباط وذلك بغية اصلاحها ، وليس بقصد فضحها أو التشهير بأصحابها أو الطعن بهم ما يخرج النقد عن سياقه الحقيقي.

إن النقد (على أنواعه في التنظيمات السياسية) يفترض وجود (أو بناء) قدرات ذاتية تمكن الشخص من النظر برويّة وتدقيق في المضامين وتحليلها وتفكيكها وإعادة ربطها (الناقد دور من أدوار الفريق الثمانية او الإثني عشر التي تتكامل ضمن الجماعة مع الادوار الاخرى).

والنقد بهذا المعنى نتيجته أن الناقد يقدم مقترحات أو توصيات، وتعددها هنا هو عقلية منفتحة من جهة ، ورغبة بالمشاركة من جهة أخرى تتجلى بالسير على طريق الخيارات والبدائل ... فلا عقلية ناقدة مقبولة في ظل فكر تشدد أو مطلق أو قداسة انسانية لا تفتح باب التعدد، وهنا يصبح النقد والخيارات والتعددية أبناء شرعيين للديمقراطية.

عقدت حركة فتح ورشة لكادرها كانت حاشدة وهامة عبرت عن واقع الحركة بأزماتها وإبداعاتها ، بتعدديتها وثوابتها ، وبتقدمها وعوامل التراجع فيها حيث من الممكن (وهذا ينطبق على جلّ الورشات) ان نصنف المشاركين في الورشة الى أصناف ثلاثة: الأول فيها هم مجموعة من الكادر المحترم ذوي المخزون التاريخي – التنظيمي – الشخصي حيث تختلط تجاربهم بالمعطيات التي عبروا عنها بقوة وربما بقسوة قد يكون بعضها خرج عن جدول أعمال الورشة ، ولكن افتقاد التواصل والمشاركة داخل الاطر قد يكون العامل الاساسي في مدخلات هؤلاء الاخوة.

تجلت الابداعات الحركية في الصنف الثاني من المتحدثين أولئك الذين مثلوا تجربة التنظيم وهم من الكادر الذي مارس فعليا العمل التنظيمي وما زال (في الاقليم أو النقابة أو المفوضيات)، وبالتالي قدموا اجتهادات وآراء وأفكار هامة ومنها الجديد والإبداعي ومنها غير المقبول لي مثلا أو لغيري لكنها في جميع الاحوال تمثل اجتهادات تحترم.

أما الصنف الثالث من المشاركين بالورشة (وما قد يماثلها من ورشات) وهم ثلثي المشاركين على الأقل يمتلكون الرغبة في التواصل والمشاركة وان بنسب متفاوتة ، ويمتلكون إرادة العمل رغم انهم يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى في ظني فلديهم من مؤشرات الاقدام والأحجام بنسب مختلفة تدلل انهم في طريق وسط أو على الصراط، ما يعني ضرورة الاهتمام بهم بتصعيد الرغبة وإرادة العمل فيهم على حساب ان يبقوا على الشبابيك متفرجين.

لا بد من الاشارة الى ان التنظيم (المنظمة) بالمعنى الحديث قد زادت فيها معطيات التواصل والمشاركة على حساب تكريس الفكرانية (=الايديولوجية) بمنطق الالزام منزوع النقاش ، ورغم ذلك فان الفكرة أو الحاجة أو الرغبة المشتركة للتجمع هي أصل الانتماء المشترك وما ينتج عنه من عمل جماعي، لذا فان الاشارات في الورشة لدور الاقاليم وأنواعها وفعالياتها المتفاوتة لا تتفق مع أصحاب الاحكام المطلقة ابدا ، انما يمكن النظر لها بوضوح من خلال وضعها كفئات ضمن معيار مدى جاهزية الهيكل وفعالية الافراد بالعمل والعطاء.

أما ما أشير لطبيعة الهيكل التنظيمي (الخرائط / الاطر) فيمكن النظر لها من زاوية علمية اجتماعية تجريبية لأن الهياكل التنظيمية في المؤسسات والتنظيمات والحكومات عامة لا تخرج عن الدراسات التي تشير الى أن معظم هذه المنظمات ترتبط (بالهيكل الهرمي) رغم وجود هياكل أخرى تتنوع من الأفقي الى الشعاعي والعنقودي ، و هيكل النجمة وكل منها لها اعتبارها ومكان أو طبيعة استخدامها ما لا يلغي ذاك الهرمي الأساسي أبدا.
ليس من المستغرب أن تعكس التجربة نفسها على شكل التنظيم من حيث الأهداف والأفراد وعلى الهياكل ، وفي سياق التجارب قد تسقط حلقات تنظيمية وقد تتشكل حلقات جديدة، لذلك برزت الافكار المتعلقة بمدى جدوى الجناح والخلية في الهيكل التنظيمي لحركة فتح أو ضرورة تفعيلها ، وبإمكانية تشكيل هيئة تنسيقية تحت مسمى (الموقع) يعنى به القرية جغرافيا ، كما ظهرت فكرة امكانية التنسيق بين لجان الاقاليم المتقاربة جغرافيا ما لا يصح وجودها برأيي إلا ضمن مفوضية التعبئة والتنظيم ، وقدرتها على التقسيم الإداري لتسهيل التعرف على مدى التزام الاطر ، و قيامها بالعمل المطلوب منها حسب صلاحيتها بالنظام وانضباطها لمقررات المؤتمر العام واللجنة المركزية.

في جميع الاحوال فان المقترحات التنظيمية هامة لدرجة ان يكون هناك اكثر من ورشة تتعرض لإعادة بناء او تغيير او تثبيت ما استجد من افكار لا تتعارض مع النظام، واستخلاص أفكار جديدة قد تكون مقدمة لتغييرات في البرامج والنظام في المؤتمر الحركي السابع.

ان أهمية ورشات العمل والاجتماعات والندوات أنها تعي ضرورة ربما أهملتها سابقا وهي ضرورة اللقاء مع الكادر والتواصل معه والاعتراف بتجربته بل وبموقعه ودوره وإمكانياته لأن التنظيم عامة أوحركة فتح خاصة ليست ملكا للقائد أو القيادة ولا حتى الفتحويين ، وإنما هي ملك للشعب الفلسطيني ، وهي إطار ينضم اليه من يقتنع ويلتزم ويعمل ويخضع للأطر العليا بمنطق الالتزام الواعي فيكون عضوا عاملا، ويحيط بهم بسياج من المحبة جمهور أو أصدقاء الحركة.

في جميع الأحوال فان الورشات وكافة آليات التواصل الواقعي، والافتراضي عبر الشابكة يجب أن تحمل بعدا جديدا في التجربة التنظيمية-السياسية يتم التركيز عليها ما يوجب على قيادة الحركة وضع دليل عمل أو خارطة طريق أو لائحة عمل لكل لجان الاستنهاض الحركي القائمة حاليا ، كي نستطيع أن نعبر الجسر، ونحقق سلامة الفكر وخطط وأطر الحركة وأهدافها النضالية الاصيلة.

ان العمل المنظم في أي مؤسسة يستدعي عدم الجلوس على الشرفات أو في مقاعد المتفرجين والناقدين السلبيين، أو حديثا في حديقة الشابكة (أي الانترنت بالانجليزية) فمن لا يضع رجليه على أرض الواقع – مع أهمية كل وسائل الاتصال واستثمارها بالطبع – ينصب نفسه قاضيا أو حكيما متفردا فينقطع عن الناس وأفكارهم ورغباتهم وحاجاتهم المتغيرة ونهرهم الذي لا يجف.

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر