النقد ليس سكينا للذبح!

08-11-2012

 النقد ليس سكينا للذبح!
بكر ابو بكر
 لست من محبي النقد الدائم ، ولا اعتقد أن كاتب أو مفكر أو أي شخص يمتهن النقد لذاته يستطيع ان يحفر بئرا او يمهد طريقا للآخرين ، كما أن النقد في التنظيم السياسي أو الفكر أو المجتمع عامة لا يعني تعدادا آليا للسلبيات دون ذكر أي مقومات ايجابية أو الإشارة لمكمن ضوء من بيان ركام المهدّم.

 افترض أن النقد بتعريف البعض ذاك الذي لا يرى إلا جبل السلبيات ويحفر به، وهو إن اتفقنا على تعريفه كذلك أم اختلفنا يجب أن يعني أيضا الأخذ باليد أو الإشارة لبقعة الضوء أو تصويب ما انكسر وليس ردحا أو شتما أو تكفيرا أو تخوينا أو اتهاما بالذمة أو الشرف مما يسهل تحميله على ظهور الناس كأوزار من الصعب العودة لإنزالها.

 وعليه فان النقد أرى أن يعني الكشف أو المكاشفة للجوانب السوداء في اللوحة متعددة الألوان (وليست البيضاء) في المهمة أو العمل أو المقال أو الخطاب ومقارنته وتصويبه، والاعتذار عنه من صاحبه كي لا يتكرر ، فلا يكون الكسر مع الشخص نقدا أبدا ، ولا يجوز للسياسي أو الكادر التنظيمي أن يتعامل مع النقد كأداة هدم أو أداة توبيخ أو أداة تشفي، وكما هو حال بعض كادرات حماس في غزة اليوم.

 إن النقد مقدرة على رؤية الصورة الكاملة بحلوها ومرها ، ومقدرة على تلمّس بواطن القوة والتسليط على أماكن الضعف والخطأ والخلل ومحاولة إزالتها بأشعة الليزر أو المراهم أو بالأدوية وربما بالدعاء الصالح والحقيقي لله تعالى وليس التهكمي أو المعتقد انقطاع الأمل في المدعو له، كما أن ليس من النقد أن نقوم بقتل المريض أو بتر عضو من أعضائه، أو ذبح العفيّ.

 ان النقد للكادر التنظيمي ضرورة، وواجب، فهو يجعله يرى نفسه (أولا) على حقيقتها ثم الآخرين،لأن من يتمرس في نقد الآخرين وينسى نفسه هو في طريقه لتسييد (الأنا) ما يجهله ينزّه الذات على حساب الآخرين.

 

        لذا يرتبط النقد حكما بالنقد الذاتي ، وعليه تمارس التنظيمات الثورية والسياسية والنهضوية والنضالية التي تبغي التغيير تمارس (النقد والنقد الذاتي) وتجعله بندا خاصا في جلساتها او اجتماعاتها الدورية.

 ان الخطأ والصواب في الامور الحياتية والسياسية وفي معاش الناس نسبي ، فلا يوجد (باستثناء ما يقرره الدين والقوانين والتشريعات بوضوح) خطأ مطلق أو صواب مطلق ، فما قد أراه صوابا تراه انت خطأ او تعطيه نسبة من الخطأ او الصواب.

 قام احمد بإلقاء خطبة في مجموعة من الطلاب بالجامعة حول أهمية مقاطعة بضائع المستوطنات فصفقت له مجموعة ، وتبرمت مجموعات فمنهم من رأى الدعوة غير كافية اذ يجب مقاطعة كافة البضائع الاسرائيلية ومنهم زاد عليها الدنمركية والأمريكية ، والبعض رأي أن مقاطعة بضائع المستوطنات كلام كبير يحتاج لتحديد هذه البضائع بالاسم والعلامة والصورة وبجملة ابدأ بنفسك، وفئة رأت عدم وجود الارادة او الامكانية لمقاطعة منتج واحد مثل عصير (تبوزينا) الصهيوني فكيف نتمكن من المقاطعة لما هو أبعد؟!
 
       إن هذه (وغيرها) آراء تأخذ أبعادا اجتماعية أو سياسية أو تنظيمية وشخصية، وهي نسبية ويجب ألا ينظر كل صاحب فكرة أو رأي لما يقوله على أنه مطلق أو الصواب الأوحد فتعدد الصواب أو البدائل أو الخيارات أصبح شيئا مفهوما ومتقبلا إلا عند ذوي القوالب الفكرية المصبوبة والفكرانيات (الايديولوجيات) التسلطية أو عند جهّال الناس.


          إن التشبث بالصواب دون إمكانية زحزحة (رأيي على صواب يحتمل الخطأ ورأيك على خطأ يحتمل الصواب) يدخلنا في مربع التعصب الذي يؤدي لثلاثية التدمير: (التكفير أو/و التخوين أو/و التشهير) وعليه فان الآليات التنظيمية أو الشوروية أو الديمقراطية هي الحاكم في معظم مسائل تعددية الرأي وليس الصوت العالي او الشتائم وليس لمن وضع على رأسه عمامة الأولياء أو (برنيطة) الأجانب.

 في مثالنا عن المقاطعة للبضائع الاسرائيلية والآلاف مثله يتبين أن (التعددية) في الآراء أصل كما هو (خلقناكم شعوبا وقبائل) وكما هو (لنهدينهم سبلنا) وكما هو (ومازالوا مختلفين) والكثير من الآيات الحكيمة التي جعلت من التعدد أصل الوجود في الشكل والفكر والرأى.


 وبما أن (التعددية) أصل فلا إجبار الناس على رأي واحد أو فكرة واحدة لذا كان (الاجتهاد) رأي أو أكثر مقابل رأي أو أكثر فتشكلت الآراء، وظهرت (الديمقراطية) وكانت الفروع والأصول ، والأولويات والثانويات، ونشأت المفاهيم والعلوم. ولما استاء المتسلطون والحكام والأقوياء والجبابرة والمستبدون من (المعارضة) أسقطوا على أنفسهم قدسيات متعددة مثل القدسية النابعة من الله (الثيوقراطية) أو قدسية الرأي الحكيم والسديد (لانتماء قبلي أو عشائري أو حزبي...) أو قدسية الأغلبية (الديمقراطية المستبدة) أو قدسية الدستور أو الصلاحيات ، وكأن أي من هذه ليست صنعا بشريا له آليات محددة - أو هذه يجب أن تكون – تصوغ العلاقة بين الحاكم والمحكومين أي بين الناس.

 إن (الخروج) على رأي الآخرين او أي الدولة الغالبة أو رأي السلطان كان يعد تمردا مذموما وثورة مرفوضة تقابل بالسيف والذبح ، وبرغم أن الصواب قد يكون في أحد المعسكرين (أو في أجزاء من هنا وهناك) فان تطور البشرية لتتقبل الخروج او التمرد او المعارضة باعتبارها حقا للمختلفين جاء بعد مئات السنين ومئات الحروب وما زلنا مختلفين كما يقول الله لتعالى.

 ما نريد قوله أن الاختلاف والخروج والمعارضة أصبح حقا وله درجاته وأنواعه فالخروج ضد الاحتلال والظلم والاستبداد (على نسبية الفهم) أصبح في العصر الحديث مما يلقى قبولا ودعما فما بالك بالاختلافات والخلافات في نطاق البلد الواحد او الحزب الواحد أو البيت الواحد.

        إن الحوار أداة تنظير من جميع المختلفين يعلون من شأنها وقد لا يطبقونها، حيث أنه حين تصطدم أفكارهم العالية أو السامية أو المقدسة بمعارضة شديدة خاصة وهم بالحكم لا يجدون بدا من استخدام السيف ضد مخالفيهم وبتعليلات عدة، وعندما يكونوا في وضع الضعف تظهر المظلومية وتضخيم التضحيات وكأن لا أحد غيرهم عانى اضطهادا أو ذاق مرارة، وان كان ذلك رد فعل طبيعي للمظلوم فان ما يثير العجب أن يمارس المظلوم حين التمكين نفس أساليب من ظلمه دون وازع من دين أو ضمير لأن السلطان طغيان.

لذا فان الإيمان الصارم بالحوار بشقيه الأول حرية القول والتعبير وثانيه الالتزام بين المتحاورين يستدعي هنا النقد وضرورته ما نقول أنه يوجب دوما أن يتمتع الشخص أو الكادر بعقلين معا هما العقل الناقد من جهة والعقل المبدع من جهة أخرى، فلا قيمة لدى كادر السياسة أو التنظيم أو الكادر المجتمعي عامة لأن يمتلك زلزالا مدمرا من النقد قد يقلب الطاولة ان لم يكن بيده اليمنى سرية متكاملة من الحلول والإبداعات.

 إن النقد في المجتمع والسياسة والتنظيم عامة، وفي ظل الخلافات والرؤى المتعددة خاصة ظاهرة صحية وليست سلبية فهي اذ تظهر ما لم يلمسه المختلفون تستطيع أن تقرر البدائل وتستطيع أن تضع الأصبع على الجرح ، وهي آلية علاج مطلوبة ضمن آليات محددة ما دامت تبغي التصويب لا الهدم ، وتبغي التغيير لا السحق للآخر.

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر