الاسلامي والاسلاموي وتقبل الآخر!
07-12-2011الاسلامي والاسلاموي وتقبل الآخر!
بكر أبو بكر
يرتفع هذه الأيام علم كبير مكتوب عليه نحن "الإسلاميون" في هذا الحزب أو ذاك دون الآخرين من التنظيمات الاسلاموية أودون الآخرين من عامة المسلمين ، واذ يرتبط العلم بعبارة الله أكبر أو لا اله إلا الله محمد رسول الله أو الاسلام هو الحل أو صوتك أمانة ...الخ، فكأنه علم حصري يخص رافعيه من دون المسلمين أجمعين.
في ظل تنامي الأحزاب والتنظيمات الدينية والتي تطلق على نفسها حصراً (الإسلامية) تتوه المفاهيم وتضطرب المصطلحات وما يؤدي ذلك لبلبلة مقصودة في ذهن المواطن(الناخب) العادي الذي يستسلم لخوفه من تجاوز الدين بتجاوز هذه التنظيمات او الأصوات الحصرية فيخر راكعاً لمن يرفع مثل هذه الشعارات التي قد لا تكون في كثير من الأحيان إلا أداة انتخابية أو تسويقية أو استقطابية أو نفعية أو تجارية لفئة دون أخرى.
إن الإسلام بعظمته لا ينقسم إلى إسلام سياسي وإسلام تقليدي وآخر متطرف ، وإنما الأفهام للصورة الشمولية لهذا الدين العظيم هي التي تختلف، ولأنها كذلك بمعنى أنها (مختلفة) كانت الآية الكريمة التي تؤكد على الحرية والاختيار من أصله أولا ، وتلك التي شرعت التعددية بوضوح حيث الشعوب والقبائل والتعارف بينها والتواصل السلمي، لأن الفصل في صحة ما بينها من اختلافات (عقدية أساسا) مرجعه إلى الله .
وجاء الرسول الكريم الصادق الأمين ليؤكد (ان اختلاف أمتي رحمة ) وذلك في شؤونهم العامة لا في العقائد وثوابت الدين، ما فتح الباب أمام الاجتهاد والذي منه الاجتهاد في أساليب الحكم ومسائله المعقدة التي لم تكن لا ( الإمامة ) ولا ( الخلافة ) بالفهم التاريخي أو الاخلاقي ممثلة حصرياً لشكل الحكم كما قدر عديد الكتاب في الشأن الاسلامي منذ القرن العشرين على الأقل.
تكمن عظمة الإسلام في محكم التنزيل ومدى النور والإشعاع الذي يشكل من خلاله سحابة ماطرة لكل أرض أعدت للزرع والأثمار، ومن هنا كانت الرسالة والمهمة والحقيقة والسراج المنير في دور الرسول تظهر في معظم الآيات الكريمة بجلاء وتظهر في الأدوار المطلوب من محمد عليه السلام أن يلعبها حيث قال فيه الله جل جلاله (وما أرسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيراً – سبأ 28 )، وقال القرآن المجيد الكثير في رسول القدوة الحسنة وصاحب الخلق العظيم (يا أيها النبي انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً) (الاحزاب 45-46) ، وقال ( فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
فاعف عنهم
واستغفر لهم
وشاورهم بالأمر
فإذا عزمت فتوكل على الله
ان الله يحب المتوكلين) (آل عمران 159)
حيث يتموضع دور الرسول العظيم في هذه الآية بفضل الله ورحمته في مقام اللين والاعتدال والتقبل والتفهم للآخرين من أمته ليأمره وبشكل مباشر بما هو من أدواره وأخلاقه ومسلكه الذي يجب ان تقتدي به الأمة
حيث أنه بالعفو لا يحقد ولا يكره ولا يبغض ، وفي مقام الاستغفار يغلّب التقارب والتقبل للآخرين وتفهمهم على استعدائهم أو تخوينهم أو تكفيرهم، لذا فهو مع علمه بأخطائهم وحظاياهم مأمور بأن يستغفر لهم، لا أن ينتقم منهم أو يقتلهم أو يمثّل بهم ، كما حصل في أماكن كثيرة ومنها في انقلاب غزة.
وهو في مقام حاجات الناس وسياستهم وحكمهم مأمور أيضا أن يتشاور معهم دون تحديد للأسلوب أو الشكل أو الطريقة مما يضع صور الحكم في نماذج عدة تفترض حتما تحقيق الحرية والعدالة والمساواة ومقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال والعرض والدين والحرية .....
إن عظمة الإسلام وعظمة الرسول انه تعامل مع الثوابت في العقائد بوضوح وتحديد شديد، وان ترك للمخالفين عقائديا (من الأديان الأخرى) ان يحتفظوا بحق الاختلاف، والحياة في المجتمع المدني كما حصل في مجتمع المدينة المنورة وكما هو شأن مختلف القوميات والملل والنحل في الدول التي قامت على مر العصور. .
كما وان الرسول الأعظم ترك لشؤون الدنيا والناس في مجتمع المسلمين حق الاختلاف الواسع والاجتهاد، لأن من يطلقون عليهم اسم الديمقراطيين أو الليبراليين أو حتى اليسار اليوم ليس لنا أن نشكك في إيمانهم حجما ومساحة ومدى فذلك رباط بينهم وبين الله ، فهم مسلمون كافة لا يجوز تكفير أحد منهم مطلقاً الا من اختار الخروج من العقيدة والملة فهذا خياره ( الديمقراطي )، حيث أن له أن يؤمن وله أن يكفر في اطار المواطنة في الدولة و في المجتمع المدني .
يقول د.حيدر ابراهيم المفكر السوداني المعروف أنه (وأمام تراجع المواطنة القطرية والمواطنة العربية؛ يظل الارتقاء بهذا المفهوم عربيا وإسلاميا أمرا ملحا من خلال مكافحة الأمية، تمكين المرأة، النضال من أجل المساواة بين المواطنين، جعل الولاء الوطني للفرد فوق كل الولاءات الضيقة، الانتقال من المجتمع الأهلي المشوه إلى المجتمع المدني الحقيقي؛ وفتح الأبواب الموصدة أمام الطبقة الوسطى والوعي بحقيقة العلاقة بين المواطن والدولة..)
إن من نطلق عليهم مصطلح الديمقراطيين او الليبراليين أو اليسار أو غير ذلك هم جزء لا يتجزأ من المجتمع والأمة العربية والأمة الاسلامية، لا سيما وان الخلاف على الأرضية السياسية ومن أمور الحكم خلاف على ما ينفع الناس وليس خلاف في العقائد ما هو شأن ديني لا سياسي بحت .
لقد اختلف المسلمون منذ التمرد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ثم على علي بن ابي طالب رضي الله عنهما في شؤون الحكم والرياسة والسياسة وليس في شؤون العقيدة والدين مهما قال عديد الشيعة مكابرين غير ذلك، وتواصل الخلاف حول الشكل الأمثل أو الأسلوب الأصوب للحكم فلم يكن الخلاف في العقيدة أساسا ، وإنما كان مع تراكم الخلافات إلى حد الاقتتال والإصرار والعناد والمكابرة على الخلاف
أن أدى ذلك لتسييس الدين أو تديين السياسية فنشأت الأحزاب السياسية (الفرق أو الطوائف) التي لم تعرف التعددية في المجال الدنيوي السياسي الحيوي بالارتباط ما بين العقيدة والسياسة فأسبغت كل فرقة (فرقة / حزب /طائفة) على نفسها صفة القداسة والمطلق والحق الأوحد دون غيرها فأصبح الجميع ما دون هذه الفرقة أو الطائفة التي هي بمعظمها في الأصل أحزاب سياسية تبتغي المشاركة بالحكم أصبحوا مشركين أو مرتدين أو كفرة وهم (هذه الفرقة / الحزب ) الناجون فقط.
ووقع السيف حلا بين المتحازبين، وان انتهى هذا العهد والفكر مع التطور الحضاري والانفتاح والحوار والديمقراطية والمواطنة والتعددية الا أن ذيوله مازالت في مجموعات تخترق الأحزاب السياسية خاصة تلك المستغلة للدين
يقول د.محسن الأحمادي استاذ الحقوق في مراكش ان ( هذه الحركات – الإسلامية/الاسلاموية - تدير وجهها إلى الخلف لكي ترى الماضي التاريخي لتجربة المسلمين منذ عهد النبوة إلى خلافة عثمان؛ باعتبارها تجربة تاريخية مشعة؛ لكنها في نفس الوقت تغض الطرف عن رؤية مستقبل المسلمين في عالم يتغير بسرعة)
مضيفا (ومن هنا فالنقاش في الفكر الديني يتطلب إعادة رسم الحدود بين الدولة والدين والمجتمع؛ وإعادة النظر في موقف الأحزاب الدينية من الديمقراطية؛ واعتماد إصلاح قانوني شامل وتحديد ما إذا كانت الشريعة الإسلامية هي غاية في حد ذاتها أم وسيلة)
ان الربط بين الدين وشدة الايمان من جهة، وما يترتب على هذه القناعة لدى الانسان العادي من انعكاس سياسي من جهة يعد خداعا واضحا وأمرا مقصودا حزبيا، فليس شرطا لصحة الرأي السياسي قوة أو حسن العقيدة. كما ان العقيدة ليست دلالة من الناحية التطبيقية على حسن الخلق ما تستغله عديد التنظيمات والأحزاب السياسية-الدينية " الاسلاموية" في خداع المقاربة بين الايمان والرأي السياسي والخلق القويم.
نعود اليوم مع انتصار التيارات الإسلاموية في الانتخابات الديمقراطية في الدول العربية لنقع في فخ المزج دون وجه حق بين الدين الثابت والمطلق وبين رعاية مصالح الناس والسياسي وهو الإنساني النسبي والمتغير فحيث يقع المزج والخلط ستجد المشقة والتكفير والعنف كحالة السودان وافغانستان وغزة، وحيث الفصل سترى الرحابة والتقبل و التسامح.
استقر الرأي اليوم لدى العديد من المفكرين العروبيين الإسلاميين على وضعية (التفهم والتقبل والتجاور) مع الأفكار الأخرى ضمن الدولة العلمانية المؤمنة-ان شئت تسميتها- أو المدنية سواء ضمن المسلمين أنفسهم وطوائفهم الدينية أو أحزابهم وآرائهم السياسية أو بوجود المواطنين من الأديان الأخرى وهذا في شكل إسلامي منفتح معتدل يتباعد شيئا فشيئا عن الإسلامي المتشدد ذو الطابع الأصولي الماضوي أو ذاك العنيف
وفي هذا السياق تظهر أسماء مثل د.حسن الترابي وأحمد الكبيسي ود.راشد الغنوشي ود.عبد المنعم أبو الفتوح ود.رضوان السيد وعبد الحميد الأنصاري ومحمد جابر الأنصاري وعبد الاله بنكيران...الخ.
سيلقى الناس المشقة وسيلقى السياسيون الإسلاميون أيضا ذات المشقة إذ أن العقلية التي تفكر في سياق الإطار الفكري الأيديولوجي الضيق والذي يشكل قيدا من نارعلى الانفتاح والاجتهاد والتفكير خارج الصندوق سيعيق التقدم وسيضيق أي مساحة لتقبل الأخر، وسيزيد من إغلاق الأبواب في وجه تجاور المختلفين في إطار الدولة المدنية الديمقراطية.
وفي الخلط ما بين الدعوي والسياسي يقول د.احميدة النيفر من تونس (إن مفهوم السياسة عند هذه الحركات هو مفهوم تقليدي؛ ينبني على 'استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة..'.. وهو ما يثبت أنها لم تستطع بعد تجاوز الخلط والتداخل بين كونها حركة تربوية دعوية وبين صفتها السياسية والحزبية.. وقد وصفها البعض بالإسلاموية لكونها تخضع حياة الأفراد الروحية لهيمنة الدولة.)
إن الاعتراف بالآخر المختلف طائفة أو مذهبا أو اتجاها مذهبيا أو سياسيا هو المرحلة الأولى لطرح الإطار الفكري الضيق جانبا، ويأتي التقبل قبل الاعتراف أو بعده لا بأس لكنه يعني إمكانية الأخذ منه أو التعامل معه في سياق عدم التكفير أو التخوين أو التهويل أو الانتقام أو(الله يهديك).أو أخذته العزة بالاثم.
ويأتي ثالثا التجاور ، وفي حسن الجوار في السياق الاجتماعي السياسي تأكيد للضلع الثالث من (التقبل والاعتراف والتجاور) في إطار التواصل الفكري السياسي الاجتماعي الحضاري المرغوب.
إننا على عتبات مستقبل واعد في إطار الربيع العربي الذي قام به شباب مقدامون واعدون يحلمون بغد أفضل ، وإن كان المنظم هو من يفوز لا الجريء المبادر، فان الساحة الآن باتت تتقبل التعددية والتجاور للأفكار لاسيما أن رحابة حضارتنا العربية الإسلامية تسمح للجميع بالحرية والتفكير وتعطير أجواء العالم برسالة الإسلام العظيم.