ملوك الصحراء ملوك الشبكة والاتصال المؤثر (9/9)
02-11-2011ملوك الصحراء ملوك الشبكة والاتصال المؤثر (9/9)
يقول الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته الشهيرة في أهل العراق ( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوني ، يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، واني لصاحبها... وكأني لا نظر للدماء ترقرق بين العمائم واللحى...)
ويقول أكثم بن صيفى ملك الحكمة العربية ( إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، الصدق منجاة والكذب مهواة، والشر لجاجة والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطئ، آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر، حسن الظن ورطة وسؤ الظن عصمة...)
إنها أقوال وخطب وأمثالها الكثير حفظتها العرب عن ظهر قلب لانها مشبعة بالحكم والصور والتراكيب الفريدة ومشحونة بالعواطف ومتصلة ، سلسة وقصيرة العبارات مباشرة الكلمات واضحة المعاني ... انها أسس الاتصال لملوك الصحراء الذين يعودون اليوم ملوكا على الشبكة البينية العالمية أو الشبكة العنكبوتية (هي الوب وتجاوزا الانترنت) التي تحكم عباراتها المؤثرة نفس الأسس ونفس المبادئ فيبقى لنا ككوادر حسن الاستخدام وضرورة الإقدام وتخير المقام.
السدود وقواعد الاتصال المؤثر:
هل لنا من قدرة على وضع (السدود) أمام طوفان أو فيوض الاتصالات؟ الانسانية الطاغية، وهل نمتلك الإمكانية لإغلاق الرائي (التلفزيون) والشابكة (الانترنت) أو الشبكة العالمية؟! أم نمتلك قرار تدمير مولدات الكهرباء؟ أم هل لنا قدرة أن نمسك بالأفراد فردا فردا ونعيد تركيب أدمغتهم فنضع بها (شريحة=تشيب) منظمة لما نريده منهم أو وفق ما نراه نحن فقط ... أم أم ؟؟؟ أسئلة كثيرة وصعبة قد تواجهنا في ظل هذه الفيوض الاتصالية؟!
وفي كل ذلك فان الجواب بالنفي، حيث أن الفيوض الاتصالية في حقيقتها نعمة يجب إن نستثمرها ، حتى وان كان للمتحكم بها أهدافا لمصلحته، وان كان لشريحة من المستخدمين قدرة على الإساءة لأنفسهم والآخرين بسوء استخدامها، ولنا في الاتصال الإنساني قواعد عامة من الممكن استخدامها مباشرة أو من وراء حجاب :-
1- حدد ما تريد: فتحديد الهدف/الأهداف (ما تريد) هو خطوة البداية للسير في الطريق الطويل، وتفهّمك لرغبات أو أهداف الآخرين يجعلك تعيد صياغة ما تريد في ضوء إمكان تحقيق ذلك، لذا لا مفر أبدا من أن تضئ الشارع أولا لتسير فيه.
2- اكتشف ما يؤثر: الناس خلقوا مختلفين، وفيوض الاتصال والتأثير فيهم تتعاظم يوميا وأنت كقيادي لمجموعة أو مدير لها أو ناشط او مفكر او مثقف أو مبتكر أو كاتب أوناقد أو منجز، أو كادر... يملك عبء البناء والاستقطاب والتأثير، لذا اخترق السدود ان وجدت في الآخرين واكتشف ما يؤثر فيهم.. آمالهم وأحلامهم واهتماماتهم وحاجاتهم وميولهم وتفضيلاتهم، فلا تزدري من يشجعون (ريال مدريد) والرياضة، ولا تسقط من حساباتك مشجعي موسيقي (فيفالدى أو هايدن أو موزارت، أو فريد أو عبد الوهاب...) ولا تستقبح مستمعي نانسي عجرم أو مشاهدي الممثل (ريتشارد غير)، فلا بد لك من التعامل مع كافة الفئات..... واختيار المدخل المناسب للتعامل معها، لتغرس فيها الأفكار والمبادئ والقيم والأخلاق الثورية والوطنية والدينية.
3- أحسن الاستماع وتجاوز: لا تقاطع ولا تسخر ولا تشح بوجهك ولا ترفض ما لا يعجبك ولا تركز على أخطاء الآخرين فقط ولا تحقر ولا تشتم ولا ( تكفّر أو تخوّن) وتجاوز عن المسيء لك ، ولنا في رسول الله في كل ذلك قدوة حسنة، فان أردت التأثير في الآخرين مباشرة أو عبر (بيئاتهم المختلفة) أو عبر استغلال أي من وسائل ومساحات الاتصال فاستمع لقليل من الشعر العربي وتعلم، واستمع كثيرا للقرآن وتعلم واقتدي برسول البشرية وتأدب تنل التقدير وتحقيق التأثير.
4- تقبل الآخرين: فكما أحسنت الإنصات بفعالية للآخرين، وتجاوزت عن الإساءة بصبر قاعدة (تعرّف وتفهّم وتقبّل)، تعرف على رأي الأخرى وتفهمه وان خالفته، وتقبله في إطار التعددية المدنية وان عارضته.
5- تفرغ للمشارك: إن شريك الاتصال مباشرة أو عبر الشبكة البينية إنسان يتأثر ويؤثر، فالطريق بينكما (بينكم) لتكون سالكة دون مطبات أو سدود أو انقطاعات يجب ان تتسم بالقدرة على إشغال (المساحة) الاتصالية المتولدة بينكم بما يمكن الطرفين (أو الأطراف) من صب الماء في نهرها.. لذا لا تتشاغل ولا تعطي مواعيد أخرى ولا تقاطع كما ذكرنا أنفا، ولا تقم بأعمال أخرى، وتابع شريك الاتصال محاولا تفهم وتقبل ما يقول، محللا، مستوضحا تجري وراء المعاني الصريحة وتلك الخفية ما بين السطور.
6- لا تتسرع في التقييم: لا تعلّق بتسرع فتخسر ، ولا تنفعل فتكسر، ولا تتسرع بإطلاق الأحكام أو تتحيز مسبقا ضد شخص أو فكرة أو تقيّم دون تبصر.
7- اترك له مساحة أوسع: كثير من الناس يتكلمون كثيرا، فيبدأون ببناء السدود حيث يهملون الأخر ويظنون أنهم يشغلون مساحة الصمت، ويصلون ما انقطع من حبل الحديث، فيعتدون على منطقة أو مساحة الأخر أو يغلقونها.... حيث المطلوب من الآخر ردة الفعل أو الاستجابة والتفاعل لا الاستماع فقط.
فكثير الكلام قليل الفعل كما يقال (في الحوارات أو الأحاديث والاجتماعات واللقاءات)، ومن يستأثر أو يستحوذ على الحديث ليس بالضرورة انه أثر أو أقنع الآخرين، فقد يكون أمللهم ونفروا منه، أو ببساطة تجاوزوه إلى قناة أخرى... فكلما اتسعت رقعة المشاركة كلما كان الانشداد والتقبل و التأثير أكبر.
إن الاتصالات من حيث هي عملية إنسانية تشترط المشاركة فلا رسالة ذات معنى إن لم تترك أثر على متلقيها، ولا ثقافة تسود إن لم تسر في الأسواق تنبض بالحياة، ولا تاريخ أوفكر أو حضارة تدوم إلا بانتقالها عبر الاتصالات المختلفة من خلال الأجيال.
وما جاءت وسائل الاتصال الحديثة إلا كناقل أو أداة أو بيئة تفاعلية موجهة ، من الممكن استثمارها بجدية وعمق واستهداف كي لا نقع في شرك الآخرين ومصالحهم المختلفة أوالمناوئة في زمن يفلت من بين أصابعنا كأمة عربية ذات رسالة إسلامية إنسانية معتدلة في إطارنا الحضاري المنفتح.
وبالتالي فان صراع فيوض الاتصالات الحديثة وطغيان الوسيلة (أو المتحكم بها) على الفكرة المرغوبة قد تشكل مستقبلا مجهولا نفقد فيه التأثير، والقدرة على صناعة الأجيال ان لم نفهم ونهتم ونجتهد في التغيير.