حسن استخدام الاتصالات في الثورة في مصر كنموذج (4/9)

02-11-2011

حسن استخدام الاتصالات في الثورة في مصر كنموذج (4/9)

 

 

عليكم إن تحفظوا هذا الرقم فهو الرقم ( الكود) السري الذي فتح أبوابا كانت مغلقة ، وهو كلمة المرور التي توافقت مع فكر ورأي وحاجات وحناجرالملايين من الجماهير، أولئك الذين لبوا النداء وشدوا الرحال إلى ساحة التحرير في جمهورية مصر العربية.

      العدد 2789 يمثل عدد الشباب المصري الذين تنادوا وتفاعلوا وشكلوا منظومة تعبئة وتحشيد تبنت الفكرة بجموح وايمان راسخ فتواصلت بلا كلل عبر وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة فشكلوا فرقا وأحدثوا ثورة من عمق واقع شبابي عربي مرير، لذا علينا جميعا وخاصة الشباب أن يحفظوا هذا الرقم جيدا ويتابعوا معنا هذا العرض.

         إن الواقع الشبابي العربي يحتاج للتأمل والدراسة والحلول، وان كانت التقارير العديدة التي صدرت عن الجامعة العربية والامم المتحدة كانت تحذر منذ العام 2003 من هذا الواقع لأن الوضع المرتبط بالبطالة وانسداد هواء الحرية كان قاتلا الى الدرجة التي جعلت من منظمة العمل الدولية في تقريرها للعام 2010 تتوقع تواصل البطالة العربية وهي الأعلى في العالم عازية ذلك الى (تشتت واضح لفرص تشغيل الشباب في هذه المنطقة" ، ومضيفة بأن "النتيجة: هي تخلف حاد في الإمكانيات الإنتاجية لاقتصادات المنطقة").

        وجاءت التحذيرات من الواقع الشبابي المنحدر من مؤسسات عدة عالمية وعربية (وفلسطينية مثل مؤسسة شارك في تقريرها الهام عام 2009) و كبار الكتاب أيضا التي أشارت الى (انسداد الأفق ورغبة في تفجير العالم –على حد قول توماس فريدمان).

 سنتعرض للشباب العربي حسب هذه التقارير العالمية والعربية من زوايا ثلالثة : التواصل و البطالة والثقافة.

أولا: التواصل.

       يمثل عدد الناطقين باللغة العربية والمستخدمين لوسائل الاتصالات الحديثة عبر الشبكة العالمية (الانترنت) نسبة كبيرة مقارنة بغيرها حيث بلغوا 3.3%من الاستخدام العالمي للشبكة، بينما لنظرائهم من المتكلمين باللغة الفرنسية كمثال بلغت نسبة مستخدمي (الانترنت)منهم 3.2%،

       وهذا دلالة على قدرة العرب ومنهم بالغالبية الشباب على استخدام أنظمة الاتصال وبناء العلاقات، وعلى رغبة عميقة بالمشاركة يدفعها وعي وان كان أوليا أو بسيطا بضرورات التواصل والمشاركة والتغيير.

ثانيا: البطالة

          يسرد تقرير محتويات التنمية في الدول العربية،وثائق العمل العربي للعام 2005 ثم العام 2008 إشكالات البطالة في العالم العربي ومخاطرها لاسيما وان نسبة البطالة في العالم العربي   وصلت إلى 25.7% حسب هذه التقارير متجاوزة سقف الخطر وهو 14% وهي نسبة تعتبر الأعلى في العالم في ظل وجود أكثر من 12مليون عامل أجنبي يشتغلون في البلدان العربية.

والشباب العربي الذي يشكل نسبته 60% من مجموع سكان العالم العربي (338.622 مليون في تقديرات العام 2007) أي 202.8 مليون شاب نصف القادرين على العمل منهم على الأقل من العاطلين عن العمل.

فيما قدرت منظمة العمل العربية في تقرير لها عدد العاطلين عن العمل في البلدان العربية عام 2003 بحوالى 23.8 مليون عاطل، بمعدل بطالة يتجاوز 21 في المئة، وقالت المنظمة إن أوضاع البطالة فى البلدان العربية هي الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع-وهذا لم يتحسن حتى الآن، بينما  توقع تقرير منظمة العمل الدولية عام 2010 أن تستمر ظاهرة بطالة الشباب في الإرتفاع في العالم العربي حتى في سنة 2011.(!!؟؟).

 

ثالثا: الثقافة

        وسنعرض مكونا واحدا نستفيد به من محاضرة د. سليمان عبد المنعم أمين عام مؤسسة الفكر العربي حيث يقول على سبيل المثال أنه في العام 2009 قام الناطقون بالعربية على  الشبكة البينية العالمية ( الانترنت) بتحميل 43مليون شريط (فلم ) وأغنية ، بينما قاموا بتحميل 41 (ربع) مليون كتاب فقط، وكانت عمليات البحث بنفس العام على الشبكة عن تامر حسني ضعف تلك عن نزار قباني والمتنبي ونجيب محفوظ ومحمود درويش مجتمعين.

       لو اخذنا الربع مليون كتاب وقسمناها على العرب لرأينا مدى سخط الكتاب علينا ، ولو افترضنا أن كل كتاب يتكون من 200 صفحة ، وقسمنا عدد الصفحات على مجموع الأمة العربية-أمة اقرأ سنظل في دائرة الحزن العميق إلى حد الرغبة بالتلاشي خجلا، ولكم إن تحسبوا ذلك.

        ولكننا سنفترض إن من انزل هذه الكتب (بغض النظر عن أن كتب الطبخ جاءت بالمرتبة الأولى يليها كتب التاريخ والدين، وفي ذيل القائمة الكتب العلمية ) هم من شريحة الشباب (14-25 عاما) والذين عددهم 202 مليون ، ستظهر لنا الأرقام أن كل كل شاب قرآ في العام فقط ، ربع صفحة (؟!) إن الدلالات لاتخطئها العين فالبطالة تقتل الإبداع وتجعل من أولويات الانتماء للمجتمع ضعيفة مقابل البحث عبر الشبكة عن انتماءات عالمية قد لاتتفق وأولويات التنمية في أي بلد عربي.

       ونحن في فلسطين عندما يصبح الانتماء التنظيمي الوطني في تراجع نظرا للعصبوية والفئوية والانقلاب والمماحكات الحزبية حيث حصلت فتح في أخر استطلاع على 32%وحماس على 16% يكون للامنتمين للتنظيمات (والذين لايضيرهم انتماءات أخرى بعيدة جغرافيا وفكريا واجتماعيا ) هم 52% وهذا ضوء احمر لكافة التنظيمات.

       العدد هو 2789 شاب مصري استطاعوا معا ان يسخروا الثقافة الجديدة والتقانة (التكنولوجيا) لمصلحة بلدهم ومطالبهم ، وان كانوا قد تلاقوا عبر الرسائل القصيرة التي يبعثها موقع (توتير) وضمن وسائل أخرى فلقد أعطى حسن استخدام النظام الاتصالي هذا مفاعليه.

       إن الثورات تقع على أكتاف الشباب دوما سواء العنفية أو غير العنفية منها ، وتقع الثورات ضد الظلم وضد الاستبداد والقمع، وضد الاحتلال كماتقع ضد الهيمنة وضد الانغلاق الفكري أوفرض الرأي الواحد المقدس أو المعصوم أو الأوحد أو الحتمي، وتقع ضد انعدام العدالة أوالفرص وضد التدخل الأجنبي وأيضا في ظل تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

        ورغم إن الاختلاف بين الشباب كسن أو شريحة وبين من يكبرهم ليس خلافا نوعيا كمثال اختلاف القرود عن الغزلان، فأنه في الحقيقة خلاف في الدرجة أو الكمية أو الحجم، حيث جهد الشباب ومساحات حركتهم وحجم قدراتهم أوسع بلا شك.

       ليس كل الناس وليس كل الشباب يحتسب فاعلا أو ايجابيا أومؤثرا في الأحداث وفي الآخرين لإن سمات الشباب "الفاعل" أوالناشط هي المنطلقة من تلك الشخصيات بينهم التي تمتلك القدرة على التقدم والفعل والقيام بأدوار الفريق من مثل: ادوار المبادر أو المفكر أو المطور أو المبتكر أو المنفذ أو الاداري أو القائد أو الناقد الايجابي، وهي التي لاتتفق مع أدوار أولئك الشباب السلبيين ذوى الشخصيات الخاملة أو البكّاءة ، أو أولئك الشاتمين الناقدين السلبيين، أو الساخرين بسوداوية، أوالنمطيين فليس من هذه الفئة الثانية كان مشعلوا الثورة في فلسطين ابتداء ثم في تونس الياسمين ثم في مصر.

        ولكن بم يتميز الثوار "الشباب" عامة وعدد ال2789 المصريين عن غيرهم ماجعلهم في الصدارة وفي القيادة ومحط الأنظار والتأثير وصنع الحدث ؟ باعتقادي أنها خمسة أمور :

 1 . امتلاكهم للفكرة القوية و الجامحة، والخيال الخصب والإحساس العميق بالظلم وضرورة التغيير، وامتلاكهم للإيمان بالله وعدالة القضية ايمان لايتزعزع راسخ رسوخ الجبال، وامتلاكهم لتصور مستقبلي ورؤيا ارتبطت بصنع الأهداف والتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة والتواصل وان في شكله الجنيني.

 2 . الطاقة الضخمة والفعالة ، والقدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى مركبات تسير على الأرض بدلا من أن تظل ترقص في الظلام فقط ، أنها القدرة على شحذ الهمم وتجميع الارادات في مصب نهر واحد جارف.

3 . حسن استخدام الوسيلة وبناء نظام اتصالات قوي يحشد ويعبئ ويحرض، وبناء علاقات شراكة وندية، وتحقيق مفهوم المشاركة مع الجميع (استخدم الشباب في تونس ثم مصر كل الوسائل الحديثة من مثل مواقع التواصل الاجتماعي كافة وأشهرها: الفيسبوك والمدونات والتوتير)

 4 . القدرة على ضبط المناخ : حيث لعب المناخ السلبي دورا في امتلاك الدافع ثم التوجه بقوة لتغييره، ولم يكن عاملا مثبطا بل دفعهم للابداع ، على عكس أولئك الشباب المتراخين و النمطيين أو البكائين الشتامين الناقدين دوما وابدأ بلا فعل.

5 . كل يوم خطوة للإمام، فلا تراجع للخلف أبدا، بل فعل فردي  وجماعي مستمر، انه عمل وعمل وعمل بلا نصب أو ملل.

       نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد بيت شعر أصبح من الماضي وحل محله نحن الشباب لنا اليوم لنصنع الغد. إن التاريخ ليس إقرارا للماضي التليد وإنما التاريخ هو القدرة على صناعة المستقبل والأقدر على ذلك  من حيث الدرجة والكمية والحجم ، هم شباب اليوم لا الغد.

 

      ان المطلوب من القيادات السياسية اليوم في العالم العربي وفي فلسطين وبالأخذ بالاعتبار ما ذكرناه هي ثلاثة أمور هامة وان بدت بسيطة، أولها: سد أو تلبية حاجات الشباب من: "اتاحة الفرص" في العمل وفي المشاركة الفكرية والسياسية والتنظيمية والعلمية ( والرياضية والترفيهية والحياة المدنية الديمقراطية، وفي توفير الصحة الجسدية والنفسية لهم، ودعم الفقراء منهم، والمساواة بينهم ومن خلال تقديم الخدمات والبرامج الشبابية تلك المطلوبة من الحكومات والأحزاب والمنظمات وتوسيع مساحة الحرية والتفكير والحوار والعمل..... كما جاء في تقرير مؤسسة شارك عام 2009)،وثانيا: تحقيق الثقة بين الشباب وأطر المجتمع الأخرى وبينهم وبين الشيوخ، وبينهم وبين البيئة التي تضمهم، وبينهم في ذاتهم ومع الآخرين، اما ثالثا فلاغنى عن المشاركة الفعالة والمكثفة لهم وخاصة في شؤونهم وشؤون البلاد.

 

        سنختم بالرقم السحري2789  حيث قام الكاتب جمال محمد غيطاس من صحيفة الأهرام بتحليل ودراسة تأثيرات استخدام وسائل الاتصال الحديثة والمواقع الاتصالية الاجتماعية على الثورة المصرية ومما جاء في هذه الدراسة الهامة انه خلال شهر الثورة في مصر (10 يناير – 10 فبراير) وصل عدد الرسائل المتداولة عبر موقع (توتير ) 94 مليون رسالة ، بينما في يوم المظاهرة المليونية على سبيل المثال ثم تداول 13مليون رسالة.

        وكان عدد الشباب الفاعلين النشطاء المؤثرين صناع القرار الذين صنعوا هذه الرسائل (الفكرة والهدف) -وللأسباب  الخمسة التي ذكرناها معا ولغيرها- هم 2789 شابا حسب إحصاءات (توتير)، وهؤلاء هم من انطلقوا بالثورة وحققوا ماكان حلما  أزال كابوسا.

 

 

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر