حماس من صفاء العقيدة إلى فساد السلطة
08-01-2011 ما بين الهزيمة الكبرى التي منيت بها السلطنة العثمانية وبروز عصر دول القوميات في أوربا وبقية دول العالم لاحقا، وشعور الملايين في الأمة العربية بمشاعر الفقد والذلة والمهانة ظهرت التيارات التي تنادي بإعادة (الخلافة) رغم ما عانته هذه الخلافة طوال مئات السنين من عجز وظلم وفساد واستبداد في مراحل عديدة، ما دعي لتواصل الثورات والتمردات والأفكار الاصلاحية، وما دعى مؤلف كبير مثل عبد الرحمن الكواكبي لأن يكتب (طبائع الاستبداد).
نقول انه رغم ذلك فان شعور الفقد والعجز والذل قد بث في نفوس عديد المسلمين الرغبة بالتحدي وإعادة سالف الأمجاد فظهرت جماعة الإخوان المسلمين من بين جماعات أخرى تنادي بالخلافة ولم تنجح طوال 70 عاما في إضاءة شمعة على هذا الطريق... لماذا؟
لان الزمن تغير وما كان يطلق عليه خلافة بمعنى التسيد المطلق لشخص أو فئة تدعى الحق الإلهي أو امتلاك الحقيقة ورقاب الناس وتنشد نشيد الحرب والسلم متى ما شاءت أصبحت من صيغ الماضي (التليد)؟!
وظهرت أفكار الحرية والتعددية والديمقراطية التي وقف عندها (الإخوان المسلمين) مشدوهين ورافضين فحاربوها سنوات طوال، ولما تعاملوا معها حدث الانشقاق الكبير ما بين المؤمنين بالمطلق الأوحد والمؤمنين بتعدد الصواب.... فظهر (الإرهابيون) من بينهم كما ظهرت تيارات عدة في غالبها كانت تلبس عباءة الإخوان المسلمين ومنهم (المعتدلون) أو حسب ما سموا بذلك.
من رحم الإخوان المسلمين خرجت (حماس) كذراع عسكري لهم كما تعرّف نفسها، وخاضت حربا ضد القومية وضد الوطنية وضد الديمقراطية منذ تشكلها كفرع للإخوان المسلمين تحت اسم المجمع الإسلامي في غزة إبان الاحتلال، وعجزت وهزمت فالمفاهيم الجديدة فرضت نفسها فتقبلت هذه المفاهيم راضية او مكرهة كما هو حال جماعات الإخوان المسلمين الأخرى في أنحاء العالم باستثناء من لحقوا منهم بتنظيمات التكفير و(الجهاد) و (القاعدة) ، وان ما يزال من أثار لفكر التكفير والتخوين والقتل لدى العديد من رجال الإخوان المسلين (المعتدلين) ولدى حماس.
دخل الإخوان المسلمين على ملعب السياسة عن طريق الدعوة، وهي الاستقطاب للتنظيم أو التبشير بالفكرة وجذب أعضاء جدد، وحاولوا مرارا وتكرارا وحتى الآن المزج بينهما، وهما كالخل والزيت فالداعية الرحماني لا يمكن أن يكون السياسي المتقلب ما لم يفهمه الإخوان الذين عندما ركبوا مركب السياسة جعلوه مقدسا مسقطين الديني أو الدعوى على أرائهم وأمزجتهم وتقلبات السياسة من خلال سلال مليئة بالآيات القرآنية والأحاديث التي تؤول دوما لصالحهم وضد أعدائهم حتى من التيارات (الإسلاموية) الأخرى.
نفس الشأن ينطبق على حماس فمن رفضها لاتفاقيات (اوسلو) (الخيانية) ورفضها للانتخابات الناتجة عنها ، وقبل ذلك رفضها للوطنية والقومية والتعددية والديمقراطية....انتقلت بقدرة قادر إلى تقبلها.... من النقيض إلى النقيض تماما ، وكلها-أي في الحالتين حين العداء والرفض وحين القبول- مدعمة بالأحاديث والآيات القرآنية في خلط عجيب بين الدعوى والسياسي، بين الحزبي والقرآني، بين المطلق والمتغير ، بين المقدس والسياسة.
الآن تعيش جماعة (حزب) الإخوان المسلمين كما تعيش حماس أزمتها الفكرية العقدية، وكما تعيش أزمتها السياسية.... فمن قناعة ثابتة بصحة نهجهم (الذي كله من الإسلام) كما يقول حسن البنا .......على تغيره حسب الظروف، إلى دخول في دهاليز السياسة ومتغيراتها التي تشرّع المبالغات والكذب وتجمّل الفشل، وتمارس الإبهار بالكلمات الرنانة، كما تمارس عدم الاعتراف بالهزائم وركوب أمواج الدجل..... إلى إسقاط لمشاريع لم تدم طويلا مثل: الجهاد والمقاومة والعدالة مستبدلينها بالسلطة والنفوذ والمال والجبروت.
إن الأزمة الفكرية التي ستسفر عن تيارات أكثر وعيا وأكثر فهما وأكثر إدراكا للمتغيرات لن تعجب القيادات العجوزة التي لا تتعلم من أخطائها أبدا، ولكنها ستمهد الطريق في وعي الأجيال القادمة لصياغة فكر إسلامي عروبي منفتح ورحب بدأت ملامحه جلية في العديد من قيادات الإخوان المسلمين او الذين خرجوا منها بالأحرى، وستواصل عمليات النقد والبناء حتى تستقر على حقائق جديدة لا تنكر الآخر ولا تقصيه.
ان الصراع العقدي والفكري والسياسي في حركة حماس يسير جنبا إلى جنب مع أدران الحكم التي لوثتهم فحولتهم من قديسين (منهج رباني) إلى بشر يصيبون ويخطئون، ولما كثرت أخطاءهم وخطاياهم بعد ان ولغوا في الدم افترضوا أن مصلحة الدويلة أو الامارة أكبر وأهم من قتل نفس مؤمنة (؟!) فكانت الافتاءات بالزندقة والكفر من الثلاثي الشهير نزار ريان ومروان ابو راس ويونس الاسطل والتي ستظل معلقة في أعناقهم بحبال من نار حتى يوم الدين.
ان النظر للإخوان المسلمين او لحركة حماس ككتلة واحدة قصر نظر وعمى ألوان واضح، لان أهواء السياسة لا يمكن أن توحد، حتى المؤدلجين، فتقوم ببعثرة الداعية وإخراج أسوأ ما فيه من غرور وتبجح وتسلط وعقد نفسية أخرى.... تسلط في البداية ضد الأعداء، أعداءهم،وهؤلاء الأعداء (وان كانوا بالحقيقة مخالفين) من التربية الحزبية المغلقة أعداء الله وأعداء الدين وأعداء الحزب وأعداء الأمير حيث يتماهى كل من الله والدين والحزب والأمير معا؟! فلا يريد الزعيم ولا يستطيع الإنسان العادي أن يرى فروقا بينها فيقتل غيرهياب كل مسلم أو مؤمن مخالف له... لأنه عدو الأقانيم الأربعة.
فعداوة (أو الاختلاف مع) الحزب أو القائد هي عداوة لله وعداء للدين، لذا وجب قطع الرقاب كما حصل بكل بساطة من أشقياء حماس ضد مخالفيهم كبداية في فتح ثم ضد كل مخالف من السلفيين والجهاد الإسلامي فجيش الإسلام فالسلفية الجهادية فجند أنصار الله و (الحبل على الجرار) كما يقول المثل الشعبي، وهذه ضريبة السلطة الغاشمة التي تكره التنوع وتدعي القداسة المطلقة لها وحدها .
تنكر قيادات حماس أن بها خطوطا وتيارات، ولكن واقع الحال ينكر إنكارهم.... فالسياسة عندما ترتبط بالسلطة وخاصة إذا كانت سلطة دموية وإذا كانت مأمورة من لاعب إقليمي مثل إيران الرسمية له طموحات إقليمية وعالمية-قد يكون له الحق بها من وجهة نظره- وإذا كان المال يفعل فيها أفاعليها فإنها بالضرورة لن توحد بل تفرق، وتبرز التيارات والخطوط جلية.
ما بين غزة والضفة اتفاق على الحد الأدنى في حماس رغم اختلاف التبعيات السابقة لدول الجوار وامتداداتها، وما بين الخارج وغزة صدور مليئة بالحقد والتنازع والضغينة وحسابات للقوى والنفوذ والسطوة فلا يدخل قرشا جيب إسماعيل هنية إلا بعد السماح له بذلك من احمد الجعبري، ولا يتكلم خالد مشعل إلا وفق ما تراه عيون اسماعيل الأشقر وإشارات يديه على حد قول من أسر في أذننا.
ولا يقوم ذوو التاريخ الفاشل أو الفاسد أو المظنون به لارتباط هنا أو هناك باطلاق كلمات نارية او اتخاذ مواقف ثأرية وصرخات صليبية أو دعوات للفتنة إلا لغرض إعادة تركيب صورتهم وتجميل تاريخ متهاوي أو سيرة فاسدة وكأن بهم يتجهون للتطرف لمحاولة (التعويض) بغسل عارهم والاتهامات التي لحقت بهم وما زالت تطاردهم في منامهم وتحت شمس غزة الحارقة صيفا.
لا يجد أتباع حماس غضاضة في صب جام غضبهم وشعورهم بالنقص(النضالي) بعد حالة موات وسبات استمرت أكثر من أربعين عاما (من العام 1948-1988)،إلا بإضفاء الزخم على أفعالهم (النضالية) القليلة...... وفي إشارات لكل فشل أو هزيمة على انه انتصار ونجاح وتقدم ما لم يقبله منهم عضو مكتب الإرشاد الحالي في جماعة الإخوان المسلمين د.عصام العريان بل دعاهم لترك الحكم على أي مصيبة أومذبحة أومعركة للتاريخ والكتاب ولم يقبل منهم العجب والكبرياء الفارغ.
بضع شهور في سنين الانتفاضة من إطلاق الصواريخ وعدد من العمليات الاستشهادية داخل الكيان الصهيوني ورشقات قليلة من الرصاص ضد حملة (الرصاص المصبوب) على غزة لم تستطع إن تجمّل وجه حماس التي ماتت أربعين عاما وعادت معتقدة إمكانية استرداد الشرف في بضع سنين فسقطت في امتحان (الجهاد) ثم امتحان (السلطة).
لم تحتمل حماس ضغط الإيرانيين الذين دفعوها لافتكاك غزة من إخوانهم.... بجرار مليئة بالدم وبضع صلوات غير مباركة في أفنية مقار الأجهزة الأمنية التي أدانوا أفعالها، وارتكبوا فظائع اغرب واشمل واعم منها جعلت من هذه الجماعة رمزا للشر المستطير في عيون الغزيين على الأقل.... الى ان يفتح الله قلوب وعيون المنومين مغناطيسيا في بعض الدول العربية.
بضع سنين من (النضال) العسكري أرهقتهم حتى الحد الأقصى، فتمسكوا بحبال السياسة ففتحوا الباب على مصراعيه لإقامة العلاقات مع الغرب والأمريكان، فأوقفوا الجهاد أو المقاومة كليا، وانشغلوا بالسلطة..... كل منهم (يغل) منها ويغنم.... واستمرؤوا الألقاب الفخمة مثل الوزير والمدير والأمير مع السيارات الفخمة التي سرقوها من السلطة أو المؤسسات أو الناس كما يشير الغزيون..... فأصبحت غزة (القاعدة الآمنة) لا يجوز زعزعة أمنها فهي ليست (هانوي) ولن تكون بل يجب الحفاظ على الهدوء فيها بعدم المس بالعدو إطلاقا كما قال محمود الزهار.
وتم استبدال شعارات أن الصواريخ لن تتوقف الا بعد تحرير حيفا ويافا منذ أيام الخالد ياسر عرفات ثم أبومازن.... بشعارات فك الحصار الغذائي واعادة الكهرباء والسماح بإدخال السيارات الفخمة عبر معبر (كارني) متناسين الاحتلال الجاثم على ربع غزة من خلال المنطقة العازلة والجو والبحر.
آن الأوان لمن أسموها خنساء غزة أن تلطم على أولادها الشهداء... فهم لا بواكي لهم لان الفساد الذي جلبته السياسة قد أزاح البندقية جانبا وأبقاها للاستعراض فقط وفي السراديب والخنادق، ولانتزاع صرخات الجماهير المنوّمة والمضحوك عليها ولملء جيوب تجار الحرب والسلطة في حماس تماما كما كان من كثير من سابقيهم من الفاسدين سواء في فتح أوغيرها.
ان الشرفاء في حركة حماس -ولا يخلو أي جسد أو إطار أو تنظيم من كوكبة أو جماعات مضيئة أو متنورين أو شرفاء - مدعوين اليوم لإعادة النظر مليا في ما وصلت إليه القضية الفكرية والعقدية ونحن بحالة غزو فكري عقدي لا نأمل أبدا أن يصل بنا كما هو حال العراق اليوم ، وندعوهم للتبصر فيما وصلت إليه القضية الفلسطينية بعيدا عن التعصب الحزبي المقيت، وآن الأوان لأن يريحوا شعبهم بعيدا عن التنازعات فينتصرون لله و للحق وللقضية وللجماهير لا لقادتهم وزعمائهم وعقلهم (الدوغمائي)، أو الانسحاق تحت هيمنة الفاسدين والمستفيدين من دوام الحال المروع.
لقد سقط (الخليفة الراشد السادس) في الامتحان ؟! وسقطت معه العقيدة الصافية للداعية في نهر السلطة الملوث....وغدت تيارات حماس كلها تتصارع اليوم ليس على التقرب إلى الله، وعلى مزيد من التقوى والإخلاص.... وإنما على النفوذ والسيطرة والجبروت ضد بعضهما البعض أولا وضد أبناء الشعب الفلسطيني ثانيا، في خدمة مجانية للإمبراطورية الفارسية وللاحتلال الإسرائيلي، فليهنأ الشعب الفلسطيني والأردني وليهنأ الإخوان المسلمين ممن هم على شاكلة أغلب تيارات حماس بما ملكت إيمانهم، وبانتصاراتهم الكرتونية، ففساد العقيدة تابع لفساد السلطان . ولا رحمة من الله لمن لا يرحم، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.