حركة ( فتح ) من تيارات السلطة
حركة ( فتح ) من تيارات السلطة
إلى عصابات الزعران
التنظيم في المستقبل :
اتصل كل من الماضي والمستقبل والحاضر ببعضهما البعض واتفقوا على اللقاء وذلك في الحاضر، كان الحاضر متواجداً ولكن كل من الماضي والمستقبل تأخرا، ثم وصلا تباعاً لدى الحاضر فسأل الحاضر المستقبل: لماذا تأخرت عن الموعد؟ فقال: تذكرت أن جواز سفري قد انتهى منذ فترة طويلة فذهبت إلى المكتبة واستخرجت جواز سفر فصعق الماضي وقال: وهل أصبحتم تستخرجون جوازات السفر من الدكاكين .. فقال: له نعم. وإن كان استخدامه أصبح للتعريف وليس لطبع الفيّز التي انتهى عهدها، ثم وجه الحاضر سؤاله إلى الماضي ولماذا تأخرت أنت. فقال له: كنت عند عدد من الشباب نتداول في شأن مشكلة كادر من التنظيم عاكس فتاة في الشارع، وكان الشباب في مكتب التنظيم يتجمهرون للدفاع عن عضو التنظيم ضد (السلطة) التي طلبته للمخفر .. وكان المستقبل ساهماً فيما يقول الماضي حتى ظن الماضي انه يستعجب من مناصرتهم لابن التنظيم وهو على خطأ كما همس الحاضر في أذن الماضي .. ولكن المستقبل قطع سكون الانتظار وسأل الماضي قائلاً: ما هو هذا (التنظيم) ؟؟ الذي تتحدث عنه؟ ولكي لا يصبح التنظيم مجهولاً أو نكرة وكي لا يغدو المستقبل متجاوزاً (للتنظيم) ولافظاً له وراغباً عن التعاطي مع عدم قدرته على التعبئة والتربية والتوجيه والتثقيف والبناء كان لزاماً علينا أن نسطر هذا البحث/ الدراسة
مفهوم التنظيم
للتنظيم (المنظمة) تعريفات عدة من زاوية النظر له (لها) فلو نظرنا من الزاوية الاجتماعية فإن التنظيم (مجموعة من البشر متضامنة لتحقيق أهداف معينة، وفق مسؤوليات وأدوار محددة) ومن زاوية الاتجاه السلوكي فهو (عبارة عن هيكل مركب من الاتصالات والعلاقات المرتبطة بسلوكيات معرّفة) ومن منظور الاتجاه العملي فهو (مؤسسة أو هيكل متعمد من الأدوار في إطار التنظيم الرسمي) وللأسف بعد أن أطلت التدقيق في تعريف التنظيم اكتشفت مدى جهلي الفاضح أنا الذي ما زال منذ أكثر من 12 عاماً يمارس التدريب والدورات التنظيمية ومكمن هذا الجهل هو اعتقادي السابق أن التنظيم يفترض به أن يضرب المثل الأعلى والقدوة للمجتمع من ِقيَم الخير والمحبة والألفة والتسامح والتعاون .. الخ. ولكن هذه التعريفات وواقع الحال التنظيمي (المتعلق بدور التنظيمات السياسية في فلسطين) يناقض فهمي القاصر .
أن التنظيم بالتعريفات أعلاه قد ينطبق على أي مجموعة لها (هيكل) أو مجموعة (متضامنة) أو مجموعة بينها (علاقات محددة طويلة) وبالتالي فان ِشَلل الزعران التي لها استقرار نسبي زمناً وتواصلاً هي (تنظيم)، وكذلك الأمر مع عصابات الحرامية، سراق السيارات، وعصابات المخدرات، وعصابات المافيا المختلفة للبضائع ..
إن الواقع أيضاً في فلسطين يجعل من الأدوار التي بدأ (التنظيم) يقفز لشغلها _ هنا لا نتعامل مع التنظيم بالمطلق بل بالظاهر من انحرافات بعض قياداته _ تتفق مع أنه مجموعة متضامنة ذات علاقات واتصالات وتسعى لتحقيق أهداف خارجة عن إطار أهداف التنظيم المنصوص عليها في الأنظمة الداخلية أو قرارات الأطر. إنها أهداف غير مدونة أو مكتوبة ولكنها واضحة ومقروءة عبر الفعل اليومي .
لقد عملت حركة (فتح) على رسم تحديد أكبر لمفهوم التنظيم فوضعت شروطاً خمسة اعتبرت توفرها الأساس في إطلاق اسم (التنظيم) أو (المنظمة) على جماعة البشر وهذه الشروط الخمسة هي:
1. جماعة موحدة من البشر بشروط محددة .
2. أهداف ومفاهيم مشتركة .
3. تحكمهم قواعد متفق عليها . (نظام وقرارات) .
4. عمل مشترك .
5. هيكل تنظيمي .
وبهذا التعريف استطاعت (فتح) أن تبني مفهوماً متكاملاً للتنظيم فهو ليس فقط مجموعة متضامنة أو هيكل مركب من الاتصالات فقط أو مؤسسة من الأدوار فقط .. انه مجموع كل ذلك، بل وأكثر لأنه جماعة محددة بشروط، لاحظوا انه التعريف الوحيد مما سبق الذي يضع شروطاً لأعضاء جماعة التنظيم وكذلك الأمر مع التنظيمات السياسية الفلسطينية الأخرى فعلى سبيل المثال يقول النظام الأساسي لحركة (فتح) في المادة (35) أن (من) شروط العضوية الأمور التالية :
- أن يتمتع (العضو) بسمعة طيبة ووطنية صادقة .
- أن يحترم الشعب وتقاليده الأصيلة، ويعمل على خدمة الجماهير، ويحافظ على مصالحها ويصونها .
- أن يكون لديه لاستعداد الكافي للبذل والتضحية ونكران الذات .
لاحظوا أهمية السمعة الطيبة المسبقة لمن ُيقبل في التنظيم، أن حركة (فتح) تشترط القدوة، وتقبل النماذج المحتذاة، وتقبل ذوي الأخلاق العظيمة لأنهم هم فقط من يحترمون الشعب وتقاليده، وبالطبع قيمه وعاداته ويعملون خدماً لهذا الشعب لا متجبرين ولا متكبرين، لا يستقوون على الشعب أو حكومته باسم (التنظيم) بالمفهوم الناقص أو المنحرف للتنظيم .. أن ابن التنظيم بالأساس ومنذ البدء ذو سمعة طيبة وقدوة ومثالاً في السلوك والأخلاق وهكذا جعلت فتح من الشروط (السلوكية) أساساً وسابقة على الشروط الفكرية والعقلية المتمثلة باعتناق العضو لفكر التنظيم المتمثل بالأهداف والمبادئ والأساليب والمفاهيم المشتركة (البند الثاني من الشروط الخمسة لمفهوم التنظيم) أن ابن التنظيم عضو ذو سمعة طيبة تخضع للاختبار (يجب أن تخضع حسب النظام الأساسي )
ويجب أن يتحلى بالقدرة على التواضع، لأنه خادم .. نعم وهل ترون في كلمة خادم مذلة، وانتم تخدمون أبناء وطنكم، أنه لو ساورتكم الوساوس حول حقارة كلمة خادم فأنتم لستم من حركة (فتح) ولا من الشعب الفلسطيني !! أن ابن التنظيم (نؤكد ثانية وثالثة .. .. .. ) خادم بل وخادم أمين للشعب يحترمه ويحترم تقاليده ويحافظ على مصالحه ويصون أمن الجماهير (أي طمأنينتها وهدوءها واستقرار عيشها وليس القيام بدور الدولة في الحفاظ على الأمن، بل بالتعاون معها) وأن تكون خادما فانك كما يقول المفكر (تانر) (تدفع بدل الإيجار نظير امتياز العيش) الذي منحك إياه الله عز وجل .
إذن فالتنظيم جماعة موحدة بالشروط المذكورة السابقة وهي _ كما اتضح لنا _ شروط سلوكية ِقيَمية اجتماعية، ولاحقاً عليها فان توفر الشروط الفكرية ممثلة بالإيمان والالتزام بأهداف ومفاهيم التنظيم هي التي تفترض _ معاً _ الامتثال للقواعد المتفق عليها والمنصوص عليها في النظام الأساسي .. إذن فالتنظيم مدرسة تربوية، ومجال تعبوي، وفضاء تحريضي على خدمة الجماهير وهي ذاتها أهداف (المنظمة) .. أن التنظيم يقوم أفراده بعمل، بل يجب أن يقوموا بعمل، ليحقق الأهداف، انه لا تنظيم قائم أو يتواصل مع الخمول أو الكسل، والمظاهر أو الاستعراضات الكلامية الفارغة . أن التنظيم ككتلة هو عمل، أن التنظيم ذو الأخلاق وذو الفكر وذو القواعد هو تنظيم عمل لذلك فهو يقوم على عمل التالي كما يقول المفكر هاني الحسن (أن المهمة الأساسية للتنظيم الفتحوي هي نقل السياسة الموضوعة من قبل المؤسسات الفتحوية المختلفة إلى الجماهير أو إقناعها بأنها ستقود إلى إزالة الاحتلال، والى بناء مجتمع مدني تنعم في ظله بالحرية والديمقراطية والأمن والرخاء الاقتصادي واستنباط الدروس المستفادة من وضع تلك البرامج والسياسات موضع التنفيذ) لذلك فان من أهم واجبات التنظيم الجماهيرية واجب (إعلام) و(تحريض) و(تعبئة) الناس بالأهداف والسياسات الموضوعة عبر أطر ومؤسسات الحركة وبحسب التسلسل التنظيمي (أي أن كل ذلك يتم عبر الهيكل التنظيمي ) .
إن التنظيم حاجة اجتماعية لا غنى عنها، لأن الناس تجتمع في الأصل سعياً لإشباع حاجاتها الاجتماعية المتمثلة بالصداقة والحب والانتماء والولاء والتواصل والثقافة والحوار والتعبير بعد أن تتخطى مرحلة توفير لقمة العيش والشعور بالأمان والاطمئنان وهما من أبرز أهداف الدولة تجاه الشعب لأن الله سبحانه وتعالى قد استخلف الإنسان في الأرض ليعمرها ويبنيها ويطورها وينميها ولأنه (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) استحق العبادة والطاعة، ولأنه استخلف الإنسان فلقد كرمه ومنحه بعض صلاحيات الذات الإلهية في الأرض والإنسان، والتي تطورت لتقوم بها الدولة ممثلة العقد الاجتماعي عبر توفيرها سبل العيش والأمان مقابل الولاء والوطنية من أفراد المجتمع .
إذن فالتنظيم (جماعة من الأفراد، من البشر، موحدة بشروط محددة، لديها أهداف ومفاهيم ومبادئ وقيم مشتركة، وتحكمهم قواعد متفق عليها (نظام أساسي) ويقوم أعضاء التنظيم بعمل مشترك من خلال نظام اتصالات فعال معبر عنه في الهيكل التنظيمي) هكذا قالت (فتح)، وهكذا قالت التنظيمات السياسية الفلسطينية، إذن فالتنظيم حدث هام وليس عرضي في حياة الفرد،إن التنظيم مدرسة وتربية وبناء ومصنع للرجال الأفذاذ، أن التنظيم ليست بطاقة عضوية مؤتمر رام الله والبيرة أو رفح أو خانيونس أو وسط الخليل والتي يبرزها البعض بمباهاة واستعراضية لا شأن لها بما نعتقده عن التنظيم .. أن مثل هذه البطاقة التي تفقد صلاحيتها في اليوم التالي للمؤتمر لا تعد أساسا صالحاً لتحديد الهوية كما لا تمثل الممارسات الانحرافية لبعض الكتل الفاسدة في الجسد الغض لتنظيم (فتح) أي صورة حقيقية لما يجب أن يكون عليه الدور الحقيقي له .
التنظيم مصنع الرجال
إن التنظيم حدث هام في حياة الفرد أو هكذا يجب أن يكون لان الانتماء للتنظيم السياسي هو انتماء لفكر وقيم تنبع من ذات شخصية الفرد، وتتطور هذه الأفكار والقيم في العضو المنتمي كلما تكرس انخراطه في أعمال ونشاطات التنظيم الذي تنبع أهميته كما نقتبس بتصرف من (د.عمر عقيلي ود. قيس المؤمن) في كتابهما (المنظمة ونظرية التنظيم) من أنه:
- يمثل أحد عناصر التطوير والتحديث في المجتمع (ليس التخلف والتشبث بالموروث الاجتماعي المتهالك) .
- انه مركز صنع اتجاهات الرأي وصنع القرار (ولكن ذلك مرهون بالأطر والالتزام والتسلسل وليس بالعشوائية واعتقاد الجميع أن لكل منهم حق صنع القرار ضاربا عرض الحائط بالأسس التي تحكم آلية صنع القرار) .
- انه الوعاء الرئيسي للنشاطات الاجتماعية، وفيه وعبره يمكن تطوير العادات والاتجاهات والأفكار، والتأثير في السلطة والمجتمع (وهذه نقطة هامة قد نفرد لها بنداً)
- كما أن المنظمة بشمولية التعريف تشكل واسطة ممارسة الأفراد لاعمالهم والتأثير في سلوكياتهم .
- أن التنظيم مصنع القيم والأفكار الرجال والرأي العام، وليس مصنع العربدة والزعرنة والعصابات المتخصصة بإرهاب الناس أو التصادم المقصود مع الدولة أو مؤسسات المجتمع المدني .
التنظيم والسلطة
إن إشكالية العلاقة بين التنظيم والسلطة، إشكالية نابعة من نقص الوعي والإدراك، أو من الإغفال المتعمد لطبيعة العلاقة التكاملية ، أوهي اشكالية مفتعلة مقصودة في صراع مراكز القوى التي تستفيد من جهل أو طيبة أو ولاء أو تخلف أو خوف أو طمع أعضاء التنظيم .
إن السلطة هي قدرة على اكتساب القبول، وعليه فإن امتلاك التأثير في الآخرين هو قدرة أن لم ترتبط بقيم ودين وفكر تتحول إلى قدرة التحكم في عقول وأفعال الآخرين عبر استغلال حاجاتهم، وبما يضرهم ويفيد ذوي السلطان والجبروت، أن السلطة الشرعية تلزم الآخرين عبر مؤسساتها بالطاعة أو بالانضباط للقانون، وعليه فان لكل شخص في موقع ما في الدولة أو المجتمع أو التنظيم أو الأسرة (سلطة) يستخدمها ويؤثر بها على الآخرين، والتنظيم باعتباره سلطة ذات أهمية ومصنع الرجال وموقع صنع القرارات وتوجيه الرأي العام أصبح في المجتمعات شريك السلطة التنفيذية لأنه المدخل في المجتمعات الديمقراطية لفرز القيادات السياسية، ومن هنا ينبع اهتمامنا بضرورة كون التنظيم صاحب سلطة تملك القلوب بالمحبة وتقديم الخدمة للمجتمع وليس بالاستئثار والاستكبار ومناهضة مصالح المجتمع، أن التنظيم إما أن يكون عصابة مافيا وإما أن يكون تيار إصلاحي للمجتمع ومعبر الخدمات التي لا تنتهي للشعب، والسند والظهير للحكومة والدولة .
يقول (لينين) عن التنظيم الحزبي (أنه بدون برنامج لا يمكن للحزب أن يقوم باعتباره تنظيما سياسياً بالمحافظة على خطه العام في كل مرة يجد فيها ظروف غير متوقعة) ويقول المفكر (أيدموند بورك) نقلا عن كتاب الأحزاب السياسية لموريس دوفرجيه ص28 يقول أن التنظيم (كحزب سياسي) يمثل مجموعة منظمة من الناس اجتمعت من أجل العمل المشترك لتحقيق مصلحة الوطن عن طريق تحقيق المبادئ التي يعتنقونها. وهذا تعريف قريب من تعريف فتح للتنظيم فتعانق المبادئ مع مصلحة الوطن والعمل المشترك هو بذاته ما عبرت عنه فتح بشروط العضوية والأهداف والعمل المشترك الذي صوّره (لينين) تحت عنوان البرنامج . وفي هذا أيضا تكمن أهمية التنظيم ولكن علاقته بالسلطة السياسية يقررها (ريمون آرون) حين يقول أن الحزب هو تنظيم دائم يضم مجموعة من الأفراد الذين يعملون معاً من اجل ممارسة السلطة سواء في ذلك العمل على تولي السلطة أو الاحتفاظ بها. ولم يرى كادر حزب أو تنظيم يتعمد أو يعمل دون أن يدري على إضعاف سلطة حزبه كما تفعل عدد من كوادر حركة (فتح) تجاه سلطتها السياسية وفي فهم مقلوب لطبيعة العلاقة بين الحزب المتولي للسلطة أو الذي يرغب بالاحتفاظ بها كما يقول (آرون) أن هدف الحزب للوصول للسلطة هو ضم اكبر عدد مكن من المواطنين إلى صفوفه في أحد الدوائر الثلاث المعروفة دائرة الأصدقاء وهي الدائرة الأبعد أو دائرة الأنصار أو دائرة الأعضاء وهي الدائرة الأولى ولغرض تولي الحكم وتنفيذ مشروع الحزب أو التنظيم أو على الأقل التأثير على قرارات السلطة الحاكمة .. نقول مجدداً أن السلطة والتنظيم في علاقة تبادلية لان الحزب (التنظيم) يسعى للوصول في المجتمعات المستقرة للسلطة والحكم أو التأثير على من في السلطة ومن هنا تلعب التنظيمات السياسية دوراً أساسيا إما في خدمة (النظام السياسي/ السلطة الحاكمة) من خلال دعمها والتعاون معها، ودعم مطالبه عبر تقنين وإعادة بلورة المطالب الجماهيرية لجعلها مقبولة من قبل النظام/ السلطة . لذا فانه من غير المفهوم أن بتعارض أي حزب مع ذاته بمعنى أن يحكم ويتعارض في ممارساته مع سلطته أو حكومته خاصة في الجوهر .
أن المعارضة التنظيمية للسلطة الحاكمة تُكتِل الأحزاب والرأي العام ضد أهداف أو برامج أو مشاريع السلطة أو تعمل على إجهاض الانتصارات الحكومية عبر تأجيج نار المطالبات الشعبية، وإيصالها للحدود القصوى .. أن طبيعة فهم دور التنظيم في دعم مشروع أو برامج أو سياسات الحكم حين توليه لقيادة البلد شيء هام جدا ويساعد في تحديد أدوار المعارضة السياسية وبما يجعل في الوضع الفلسطيني من دعم السلطة الوطنية كمشروع دولة هدفاً لجميع التنظيمات . إن النقد الذي نمارسه أو تمارسه (فتح) هو في صالح المشروع الوطني، وفي صالح الدولة الفلسطينية، ولغرض أن تكون (فتح) ثوباً ناصعاً غير ملطخ، ووعاء تربية وفكر وقيم وتثقيف لرجال يجب أن يصنعوا المستقبل.
فلسطين هي الأصل في (فتح)
إن كلمة حركة فتح تبتدئ بحرف الفاء الذي يمثل اختصاراً من كلمة فلسطين، وليس كذلك في فتح تجَمُع الأحرار من أجل فلسطين، لذلك فلسطين أولاً بمعنى إنها الهدف وان فتح الوسيلة ولم ولن تكون فتح أو أي تنظيم آخر هو الغاية .. أن للتنظيم عامة سمات من الممكن أن نُجملها بالتالي:
- أن التنظيم تشكيل اجتماعي لأنه يضم أفراداً بينهم تفاعل اجتماعي يؤدي لتحقيق الأهداف الحياتية والاجتماعية والأدوار والحصول على التقدير ..
- أن التنظيم تكوين بشري فقط يختص بالبشر وهو مقصود التكوين وليس عشوائي لان له (قيم) وأهداف محددة كبرى وصغرى .
- أن التنظيم السياسي في المجتمعات الديمقراطية ضروري لأنه يحقق متطلبات الجماهير ويشكل أحد أعمدة الحكم (السلطة السياسية) .
- أن التنظيم تشكيل تطويري بمعنى انه يساهم في بناء وتكامل الشخصية، ويساهم في الإبداع وتنمية القدرات والمواهب ومواكبة تطورات العصر قبل القبيلة أو العشيرة أو الطائفة .
- انه أداة ووسيلة ومدخل لتحقيق الغايات (الأهداف الكبرى) السياسية والمجتمعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية وما ينبثق عنها من أهداف قصيرة الأمد .. ومن هنا نعود لمفهوم الخدمة الذي سبق وأشرنا له لنقول أن فلسطين هي الأصل في فتح وفلسطين هي الأصل في الجبهة الشعبية، والجبهة العربية والجبهة الديمقراطية وفي حركة حماس .. الخ ، لأن التنظيم باعتباره أداة ووسيلة فانه خادم بكوادره جميعا لأهدافه أهداف الشعب وما كان في يوم من الأيام أن يكون المطلوب هو خدمة التنظيم عبر الأهداف أو على حسابها وعلى حساب متطلبات المجتمع، وإنما أن يكون التنظيم مجمل التنظيمات بكافة أنواعها في المجتمع أداة (وسيلة) وليست غاية لذا فان العمل لتحقيق الأهداف عبر هذه الأداة هو المطلوب
مسؤول تنظيم أم زعيم عصابة
أن يكون الإنسان زعيماً لعصابة في ظل مجتمع شبه مضطرب أو في ظل احتلال يدعم الاضطراب أو في ظل سلطة ناشئة أو في ظل صراع مراكز القوى فهذا شيء هين، لان التفاف أصدقاء السوء أو جماعات الزعران منطلقه مصلحي ضيق بحت ويغذيه الانعزال في بؤرة الذات وتفخيمها مقابل تحقير الآخرين واستتفاههم فتشكل كل شلة زعران من نفسها قوة لا تبالي بقيم وأهداف المجتمع وتقوم بفرض سلطتها قسراً وجبراً على أفراد المجتمع بالأسلوبين الشهيرين وهما الترغيب أو الترهيب ..
إذن من السهل على قائد أي من فروع التنظيم أن يتحول إلى زعيم عصابة أو شيخ منصر لان ذلك لا يحتاج منه لمواصفات قيادية صعبة بقدر ما يحتاج منه للقضاء على ما قد يكون لديه من ضمير وفكر وقيم فقط لا غير .أن النظريات التي تتعامل مع مفهوم القائد عديدة لن نتطرق لها هنا ولكننا سنحدد ملامحاً للحد الأدنى من المواصفات لمن يشغل موقعاً متقدماً قيادياً وخاصة في التنظيم وبالأخص في تنظيم فتح .. لماذا في أخص الخاص فتح؟؟ لأنها شئنا أم أبينا تقود السلطة حالياً ولا ندري إلى متى ؟؟ أن القائد يجب أن يكون:
1. شخصاً مسؤولاً في موقعه .
2. قادر على تحمل عبء المسؤولية .
3. مؤهل نفسياً وعقلياً وعلمياً ومسلكياً .
4. يمتلك قدرات وإمكانيات .
5. عمله ذو غايات وأهداف .
6. لديه استعداد وحافز، وقدرة على التأثير في الآخرين
7. يحقق أقصى كفاءة في العمل .
ودون أن نعلق أو نرجعكم للاطلاع على النظريات العديدة في القيادة أو لأدبيات حركة فتح المسماة قواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة، نطلب التفكر في المواصفات البسيطة المذكورة ومحاولة مطابقتها على العديد من الكوادر الذين يضعون أنفسهم تحت أو فوق مسمى (قائد) .
تجاوزات التنظيم لماذا ؟؟؟
كيف تتحول مشكلة بين طفلين إلى معركة، ينشب فيها نساء العائلتين أو العشيرتين أظفارهم في أجساد بعضهم البعض؟ وكيف تتحول ملاسنة في عرس بين شخصين إلى هجوم بالأسلحة من قبل التنظيم التابع له الشخص الأول على عائلة الشخص الثاني ؟ وكيف يقوم عدد من أفراد التنظيم باختطاف فتاة والتحقيق معها ؟ وكيف تتحول قضية التعدي بمتر أو أقل بين شقيقين على أرض لهم إلى حرب بين عائلتين وتنظيمين وبين السلطة بأحد أجهزتها وبين أحد الأطراف .. ولا ينقطع سيل التساؤلات .. فكيف يتحول انحراف سيارة باتجاه عدد من المشاة إلى فرصة لإطلاق الإشاعات والاتهامات وتتطور لاشتباكات بالأيدي والسكاكين إلى استخدام سطوة التنظيم ضد الآخرين؟ وكيف تتطور مشكلة اقتحام لأحد مقار التنظيم إلى المطالبة بإسقاط مسؤول جهاز أمني ومن قبل أطراف مناوئة في الأجهزة ؟ وكيف يدخل التنظيم في حرب بيانات ضد طرف ما ؟!
ونستطيع ويستطيع غيرنا أن يعدد الكثير من المشاكل أو الحوادث أو القضايا الصغيرة أو حتى التافهة والتي تحولت إلى استقواء أو استعراضات للقوة أو قطيعة أو حقد وتحريض متبادل وربما إلى معركة أو معارك بالسلاح وفي عدد منها كانت صورة التنظيم تبدو باهتة وغير ناصعة لماذا ؟؟
يتغاضى الكثيرون عن إثارة موضوع تجاوزات أو انحرافات أو إشكالات التنظيم والمقصود هنا حركة فتح وذلك إما احتراماً وتقديراً لحركة فتح التاريخ والتجربة والثورة والرصاصة الأولى والحجر الأول والقيادات والكوادر الأفذاذ، واحتراما لأرواح آلاف الشهداء وآلاف الجرحى وآلاف المناضلين الأشاوس من الأسرى والمعتقلين أكبر علامة مضيئة في سماء الوطن، ويتغاضى آخرون رهبة من فتح باعتبارها تنظيم السلطة، وربما رغبة في استمرار الخطأ، وسعياً لتعاظم السلبيات لإثبات نظرياتهم الممجوجة في برجوازية ودكتاتورية وتسلط فتح أو تنفذها بحسب مصطلحات أحزاب اليسار، وأيضاً لتقرير أن الفساد فيها متأصل وليس طارئ أو متعلق بمجموعات أو عصابات محدودة ولكنها بارزة، ويتغاضى البعض الآخر عن الخوض العلني في المفاسد رغبة في تراكمها انتظاراً لفرصة الانقضاض على السلطة بمشروعهم الاستبدادي والمنغلق والتراجعي ولا نريد التعرض لأولئك المشبوهين المتعاملين مع جهات غير فلسطينية والذين هم كُثر وبين ظهرانينا للأسف الذين تكاد أفواههم لا تقفل من الضحك كلما طغى على السطح مشكلة هنا أو أخرى هناك منسوبة للسلطة الوطنية الفلسطينية أو للكوادر (بعض الكوادر) من حركة فتح .. إننا لا نريد التغاضي عن إساءات أو مفاسد أو المشاكل المرتبطة بحركة فتح، ونتكلم من عمق فتح وعمق الانتماء لفلسطين لنصور الأسباب والظواهر وربما المعالجات في التالي :
أ. فجوة الانتقال من الثورة إلى الدولة .
لا ينكر ذو نظر أن القفز من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة والبناء هي قفزة كبيرة، قد لا يستطيع البعض أن يقوم بها فمنهم من يظل واقفاً على الضفة الأولى (الثورة) ولا يستطيع التقدم للقفز فيقيس الأشياء بمنطق الثورة والعنف والأوامر الصارمة ضارباً بعرض الحائط حقيقة أن الدولة الحديثة أو المجتمع المدني يبني على مؤسسات وأجهزة، فيعيش تناقضه ويمارس فكرة بقيم الماضي ولا يستطيع إلا أن يعكس أسلوبه على عمله وإدارته والموظفين تحت أمرته، ومنهم من يحاول القفز فيقع في وادٍ سحيق منه (أو فيه) يتخلى عن كل القيم والمثل والأفكار المقتبسة من عهد الثورة ويستبدلها بأخرى بعيدة كل البعد عن قيم الحاضر المُعاش ... إنها قيم المغالاة في الانفتاح مقابل قيم المغالاة في الانغلاق ، ولا نجد إلا القلة القليلة ممن استطاعوا القفز متغلبين على فجوة النقلة السريعة .
ومن جهة أخرى فلقد انتهى عصر الشعارات عامة ومنها الجوفاء أو الشعارات الكبيرة التي لا تعني شيئاً الآن إلا جزالة اللفظ وقوة الوقع في الأذن من مثل الوحدة العربية طريق الوحدة أو الثأر والنار والحديد أو أن (فلسطين مشكلة الأمة العربية الأساسية والرئيسية ولا حل لمشاكل الأمة العربية إلا إذا حلت مشكلة فلسطين) كما ذكر أحد القادة الشهداء صادقاً (الوثائق الفلسطينية عام 1969 ص495) والذي ما زال يعيش من يردده خالياً في العقلية الماضوية والفكر الماضوي لا يستطيع أن يطور ويبدع ويتعامل مع المستجدات المنبثقة من واقع ضرورة بناء الدولة .. أن لكل واقع قوانينه ، ولكل موقف تجلياته ، ولكل مرحلة طرق فهمها والتعامل معها .
2. تبادل السيوف بين التنظيم والعشيرة
لقد قررت فتح أن الانتماء لها يعني خلع رداء الحزبية وتجرد من قيم العهود البائدة، والابتعاد عن كل ما يثير العصبية والانغلاق فاستطاعت أن تستوعب في أطرها الوطنية الفضفاضة الشيوعيين السابقين والبعثيين السابقين والإخوان المسلمين السابقين والتحريريين السابقين، وبهم استوعبت أعداد مختلفة من عائلات وعشائر فلسطين، ومهما قيل عن صراعات عانت منها الحركة ذات طبيعة (فكرية) والتي كان أبرزها انشقاق 1983، وأخرى ذات طبيعة عشائرية وجهوية من مثل انتشار (نعرة) نابلسي وخليلي أو لاجئ (مهاجر) وابن مدينة، أو غزاوي وضفاوي إلا أن هذه النعرات رغم إقرارنا بوجود من كان يثيرها كانت مستوعبة في حركة فتح ولا تشكل تهديداً للتنظيم أو للانتماء لفلسطين ولكن الحال الآن غير الحال بالأمس لقد برزت مجدداً رؤوس التعصب، وخرج الجنّي من القمقم فأصبحت العشائر والعائلات مستوعِبة (هي التي تستوعب) لحركة فتح، لقد تنامى وتعاظم الانتماء للأسرة والعشيرة والقبيلة على حساب الانتماء الأصل للتنظيم وللفكر ولفلسطين، وساهم ضعف المعالجة، وسوء الإدارة وتراخي القيادة، وأسلوب المسايرة وضعف القيم في تقوية هذا الجنّي وتمدده ..
إننا لسنا ضد العائلات والعشائر والقبائل بل إننا نحترم ونرى ضرورة احترام جميع الأنساب، خاصة والعرب لهم علم محترم في هذا المجال، وإنما ما يريده جنّي القمقم هو استخدام العشائرية والعائلية والقبلية في تفتيت المجتمع وتقسيمه إلى وحدات متناثرة، كلنا يعلم من المستفيد الأول في هذا الوضع ! أن القبائل والعشائر (البدوية) هي حامية قيم الأصالة والرصانة والعروبة والكرم والمحبة والتسامح والنجدة والشهامة والتآلف والتقارب والوحدة .. ومن يستخدمها في عكس ذلك كما هو حاصل حالياً فإنما يدعو لجاهلية نهى عنها الدين الإسلامي الحنيف، ولم تسعى لها المسيحية وما إرادتها تنظيمات اليسار أو حركة فتح .
إن تبادل السيوف بين رجال العشائر (بالعقلية السلبية) وبين رجال الفتح (بعقلية العشيرة) عملية غير مربحة لا لكوادر التنظيم ولا لعشائر فلسطين، لان التنظيم تهذيب للخلق، وتطوير للفكر، وتمدين لبداوة الطبع، وجلافة السوية، وانطلاق بالفكر والقيم والمجتمع إلى رحابة الاتصالات السلسلة المرنة الديمقراطية، فهل ندخل في حضارة القرن الواحد والعشرين أم يصدق فينا كعرب قول ابن خلدون في مقدمته من أن العربان (لخلق التوحش الذي فيهم اصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض) ؟! .
3. التأثر السلبي بالمجتمع الإسرائيلي :
إن التأثر والتأثير في المجتمعات حقيقة اجتماعية لا يمكن إغفالها،بل يجب رصدها وتحليلها والاستفادة منها، فالتواصل بين المجتمعات والتقارب بين الحضارات هو مما يُحض عليه، وما وجود لجان للعلاقات الخارجية في كافة التنظيمات وفي حركة فتح إلا "ضمن أهداف أخرى" لخلق تفاعل إيجابي مع الثقافات والأفكار والحضارات الأخرى .
ونحن في فلسطين شئنا أم أبينا نجاور أشقاء ونجاور أعداء نحن معهم على طريق التسوية والسلام، ويتعامل شعبنا معهم عبر التجارة والسياحة والاقتصاد، عبر آلاف العمال وعبر التجار، وعبر السياسيين .. الخ، وكانوا (وما زالوا في أجزاء من بلادنا ) محتلين غاصبين فرضوا علينا قيم واتجاهات لا تتفق مع قيمنا واتجاهاتنا العربية الأصيلة. إنها تؤثر وما زالت في المجتمع وفي التنظيم .. كيف تتصورون الحال بشاب غرّ تسرب من المدرسة وذهب للعمل في إسرائيل وهو في حياته لم يخرج من قريته ويرى أمامه أدوات التكنولوجيا المتقدمة والمستخدمة في مصانع ومؤسسات الآخر وبين أيدي نساء كاسيات عاريات غانيات؟! وكيف تتصورون شاباً يافعاً يعيل أسرة كبيرة العدد يضطر للتعامل مع الضابط الإسرائيلي لاستخراج البطاقة الممغنطة ؟! .. الخ من الأسئلة التي تعني من كل هذه الاحتكاكات اكتساب عادات وقيم غريبة سلبية على المجتمع يجب أن ترصد وتحارب، وتطور تلك الإيجابية منها أن وجدت .
4. الجهاز أولاً أم التنظيم أولاً ؟؟
إن الأمن ليس اعتقال وتحقيق واقتحام، انظروا حدة هذه الكلمات باللغة العربية! أن الأمن إكساب الجمهور شعوراً