فتـــح ضد فتـــح!
فتـــح ضد فتـــح!
مقدمة
اختلف مع زوجته خلافا شديدا ولم يستطع أن يطلقها لطول العشرة والأولاد وخوفا من عشيرتها وحفاظا على مصالحه الاقتصادية التي نشأت من زواجه بها ، وحرصا على سمعته الاجتماعية وعلى خياره الذاتي بالاقتران بها وصونا لمركزه الإداري في العمل وانضباطا لموقعه التنظيمي وتحقيقا لسريان نفوذه ، فهداه تفكيره ( وما كان في ذلك هدى) أن يعاقب زوجته بما يستطيعه ، فماذا يا ترى فعل ؟ قام مشكورا بخصي نفسه؟! وهكذا هي نتيجة العلاقة غير السوية التي قد تحدث بين الشركاء في البيت أو المؤسسة أو الدولة ، ولأن العلاقة بين حركة فتح تحديدا والسلطة الوطنية الفلسطينية علاقة متشابكة ومركبة وصعبة جاءت من أن فتح هي التنظيم ذو الثقل الأكبر في السلطة ، والسلطة مشروع فتح ، وفتح لم يعد بالإمكان تحديدها بأشخاص أو فكر أو زمن أو جغرافيا فهي في كل شيء وفي كل مكان فوق الأرض وتحت الأرض في الصالح والطالح ، عند التقي وبين أحضان الفاسد ، لذلك كان لحدث مروع مثل مقتل فتاة بريئة من البيرة على أثر خلاف عائلي أو خلاف بين عصابات وزعران أن كانت ردة الفعل بإصدار البيانات وتكسير عدد من المحلات وإغلاق البلد بالإضراب تعبر عن مجتمع أو تنظيم لا يقبل الظلم والفساد من جهة مهما اصطبر عليه ، وتعبر عن مسلكية تخريبية متشابهة بين الطرفين المسيء والمحسن الباني والهادم ، المحق والظالم .
واليكم مقاطع من البيان الهادر الصادر حول الحادثة التي ابتدأنا بذكرها ورقتنا هذه إقحاما متأخرا ولكن بما قد يفيد العنوان كالتالي : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ) صدق الله العظيم (؟!) يا جماهير العطاء الفلسطيني : رفعت الأقلام وجفت الصحف …. بلغ السيل الزبى ولم يعد بالإمكان الاصطبار أو التريث على ما يجري في هذه الأرض المباركة التي تدنس بروث قلة قليلة فاجرة قد أفلت عقالها …. واستباحوا كل المحرمات وتجاوزوا وتمادوا وبلغو مبلغهم في الجور والفساد …. فمن حلم الدولة المستقلة دولة حق المواطن ، دولة الديمقراطية التي تعطي كل ذي حق حقه وتبدد الحلم في حلكة ليل الظلم وإهدار حقوق الشرفاء والمواطنون (كذا)
وكان الانتظار طويلا لنكشف جميعا أن هناك جزرا وانحسارا لوجود الشرفاء بين المتنفذين وأصحاب القرار في هذه الدولة وساد منطق الاستزلام والعصابات المافيوية المدعومة من مجموعة من قياديي هذا البلد الشريف الطاهر يبرمجونهم ويلبون لهم غاياتهم الدنيئة …ويضيف البيان أن العصابة التي قتلت الفتاة : نمت وترعرعت في أكناف وجود سلطتنا الفلسطينية حيث اعتاد هؤلاء على النهب والسرقة وقطع الطرق والابتزاز ناهيك عن تجارة المخدرات والسيارات المسروقة وتجارة السلاح …الخ ويختم البيان بطلب إنزال العقاب الرادع بقتلة الفتاة ( حيث لن يوارى جسدها التراب حتى تتمثل العدالة ويأخذ القانون مجراه (؟؟!!))وطلب الضرب بيد من حديد وبلا رحمة أو هوادة وطلب بفتح ملف تحقيق يطال مسئولي الأجهزة الأمنية …والعمل على التطهير السريع للمفسدين ويضيف أنه بناء عليه ( فإننا باسمكم وباسم كافة الغيورين على مصلحة هذا الوطن نعلن عن استمرار الإضراب الشامل بمحافظة رام الله والبيرة …) أي نعلن عن خصي أنفسنا وتدمير اقتصادنا بتوقيع حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وجماهير محافظة رام الله والبيرة؟!في البيان الموزع يوم 2/7/2000.في رام الله والبيرة.
مرجعية وقدوة ورؤية
لم يكن مقررا أن أُدخِل هذه المقاطع من البيان المذكور في هذه الورقة إلا أن الـتأمل في الحدث فرض نفسه لان ما حصل في حادثة القتل ذات الطابع المدني الجنائي وخروج تفاعلاتها عن حدها الطبيعي جعلني أعيد قراءة ما كتبت وأسأل وأستفسر عدد من كوادر التنظيم وقيادات الأجهزة الأمنية بما يفيد نقض أو تدعيم –استخلاصا من هذه الحادثة ومثيلاتها ما كتبت مسبقا-فكانت الآراء على الوجه التالي : شبه إجماع من حركة فتح – من التقيت – وقيادات السلطة على أن القاتل وعصابة حوله رجل فاسد وكان قد أعتقل وسجن على أثر حركات زعرنة ورفض إطلاق سراحه لسوء سلوكه وعقليته التخريبية إلا أن تدخل عدد من الناس وكوادر فتح ؟! ومسؤول متنفذ أدى لاطلاق سراحه فكان أن حذره الأخ توفيق الطيراوي مدير المخابرات العامة في الضفة الفلسطينية من أن زعرنته ستجلب عليه الويلات فإما سيقتل أحدا فيقتل به أو يُقتل هو ، وكان الاحتمال الأول ما حصل فلقد قام المذكور بالقتل . وكان هناك استهجان للهجة البيان التهديدية-رغم جسامة الحدث ودقة الموقف – التي ابتدأت بآية قرآنية تدعو للحرب ، وبإلقاء كل اللوم على السلطة الفلسطينية دون أدني حق أو لوم على من يتسمون باسم حركة فتح ويؤازرون القاتل الذي هو وعصابته يعتبرون أنفسهم من كوادر فتح (؟!)وثالثا كان هناك رفض لتعطيل مصالح الناس وخسارتهم مئات الآلاف من الدنانير نتيجة الإضراب الذي فرضته مجموعات غير حكومية تتغطى بحركة فتح وجماهير المحافظة ، كما استهجن المعظم طلب البيان عدم دفن القتيلة إلا بعد أن يأخذ العدل مجراه وكأن الشارع بدأ ينصب نفسه في ظل الفوضى والأزمة قاضيا وحكما وسيافا وكما حصل في حوادث سابقة في قطاع غزة ، وينقض في نفس الوقت مبدأ إسلامي يعتبر أن إكرام الميت بسرعة دفنه ، وكانت الملاحظة الرابعة تنصل عدد من كوادر فتح من البيان القاسي رغم إقرارهم بكثير مما فيه.
وخامسا استغرب أحد مسئولي الأجهزة الأمنية المطالبة بمحاسبتهم وهم أول من قام بردع المذكور وعصابته ولم يطلق سراحه إلا بوساطات الناس واستنادا لتاريخه ولقيام متنفذ بكفالته كفالة تامة ( لم تثمر على ما بدا ) وسادسا وضع الكثيرون اللوم على أخ القتيلة لأنه من نفس فصيلة القاتل زعرنة وسوء وفسادا ، وفي جميع الأحوال فإن القتل مهما كانت أسبابه غير مبرر ومدان ، وعلى القانون أن يأخذ مجراه دون تشنيع أو اتهام أو تهديد أو وعيد من أي شخص لا في السلطة التنفيذية ولا في فتح ولا في الشارع الملتهب والقابل للتعبئة والانفجار دوما بالكراهية والحقد والتعميم والتضخيم والإشاعات لافتقاد المرجعية والقدوة والرؤية الواضحة وأهل الحكمة ؟؟!
تنزيم ومحسوم!
أصبح مصطلح (تنظيم) باللغة العربية متداولا باللغة العبرية، حيث لاحظنا ذلك حديثاً بعد مواجهات الأسرى وذكرى النكبة في شهر مايو 2000، على وزن ما وقع من اعتماد مصطلح (انتفاضة) بالعبرية واللغات العالمية وان بشكل أضعف، بمعنى أن المصطلح فرض نفسه كما الحدث أو مسبب الحدث، وقد يكون هذا مما يفرح، لان فرض المصطلح قد يكون مقدمة لانتزاع الاعتراف لا سيما وأن أحد أشكال صراعنا مع الإسرائيليين هو صراع (مصطلح) ذو العمق الأيديولوجي التاريخي، فهم يستخدمون يهودا والسامرة ونحن نستخدم الضفة الغربية، وهم يستخدمون جسر اللنبي ونحن نستخدم جسر الملك حسين أو جسر الكرامة، هم يسرقون الأسماء الكنعانية القديمة، ويطلقونها على المستعمرات (المستوطنات) بادعاء يهوديتها مثل (بيت ايل) و(كريات أربع) … الخ، حيث يمثل إيل أحد آلهة الكنعانيين وأربع (مذكر رابعة) أحد وجهاء الخليل الكنعانيين الذي سميت المنطقة باسمه (قرية أربع) وهكذا في مختلف الأمور، ولكنه في الاتجاه الآخر هناك تأثر وتأثير فعدد كبير من الكلمات العبرية الحديثة (وان كانت أصول بعضها عربية) أصبحت متداولة في مناطق السلطة الفلسطينية دون حرج للأسف مثل (محسوم = حاجز) و (رمزون = إشارة مرور) و(بلفون = خلوي) و (مخشير = لاسلكي)، وهذا من دلالات الجوار والتأثر والتأثير كما قلنا. وعود على مصطلح (التنظيم) الذي استخدمه الإسرائيليون حديثاً مقرونا بالمواجهات نقول انه من المفرح في الصراع الحضاري أن ننتزع اعترافاً ولو من الكلمة كبداية، ولكن غير المفرح في الموضوع أن يكون هذا التنظيم (أو التنزيم) المطلوب تجريده من سلاحه، والذي قد يرى البعض انه أبلى بلاءً حسناً في المواجهات الأخيرة، ويرى البعض الآخر انه كان مدفوعاً من أطراف خارجية، ويرى آخرون أنه (زودها حبتين) وآخرون يرونه رمزا للشجاعة والإقدام ، أقول أن غير المفرح فيه هو اقتصار برامجه وخططه أن وجدت على شكلين أساسين فقط الأول هو عقد المؤتمرات والاجتماعات العامة والثاني هو المهرجانات (وأحياناً المواجهات) ، وفي الشكلين يتخذ الحشد الجماهيري (التنظيمي) صفاته المرتبطة بطبيعة المؤتمر سواء كان مؤتمر الإقليم أو المنطقة أو الشبيبة أو النادي أو .. الخ، بمعنى أن الوجوه على كثرتها كقاعدة تتكرر في كل مكان وكأنها تنتقل من مؤتمر / اجتماع / مهرجان إلى آخر، بحيث أن مفهوم العمل التنظيمي والخطة التنظيمية والفكر التنظيمي أخذ يتبلور حول الوسيلة أو الأسلوب باعتبارها خطة أو فكرا أو هدفاً وتقصد بوضوح تحويل هذه المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات إلى هدف بحد ذاته فما أن ينعقد مؤتمر لنادي أو إقليم .. الخ تسيطر عليه فتح ( باعتبار أن كلمة تنزيم التي يستخدمها اليهود يقصد بها تنظيم حركة فتح) ويتم الفرز وظهور النتائج حتى تبدأ (القيادات) التنظيمية بأعداد العدة لأمرين لا ثالث لهما وهما المهرجانات مع الاجتماعات والإعداد للمؤتمر القادم.
لقد تحولت الانتخابات إلى سلسله لا تنتهي حتى تبدأ، تشعر الأعضاء والكوادر و(القيادات) بالتحفز الدائم، والتنبه الشديد، والضغط باتجاه الحفاظ على الموقع وما قد يجلبه من امتيازات ومصالح تبدأ من القدرة على مخاطبة القيادة السياسية ولا تنتهي عند تسلم الموازنات. بل وأزداد الضغط النفسي على العناصر والكوادر بحيث تحولت الرغبة بالاحتفاظ بالمكانة المستمدة من الموقع التنظيمي إلى عمل إصطفافات ودكاكين واستزلامات ثانوية وثالثيه في ظل أن الإستزلام من الحلقة الأولى (اللجنة المركزية) قد فقد وهجه أو انتهى تقريباَ مع الدخول إلى الوطن.
كسر العظم ونظام اللا بأس !
لقد أزداد شعور الحقد وعدم التسامح-كما ألاحظ وأرجو أن أكون مخطئا- فالخطأ من أحد كوادر التنظيم ضد الآخرين يقابل بالتعنيف وربما بالقطيعة مصطلح (كسر العظم) الذي كان سائدا" بين التنظيمات المختلفة فكريا" وأيديولوجيا "أصبح سائدا" داخل تنظيم حركة (فتح) نفسه، فلا تهاون ولا حلول وسطى فالانتخابات (المسماة ديمقراطية) هي الحكم، ومن يتحكم بالصندوق يفرض النتيجة، ولا معقب عليه. لقد أزداد الشعور بالحق والضغينة فسن الجميع أسلحتهم وهي حشد الناس سواء كان من (التنظيم) أم من خارجه في حرب (كسر العظم) التي تلوح على أبواب كل مؤتمر.
التقيت مع العديد من كوادر حركة (فتح) من الشمال إلى الجنوب ومن جنين إلى الخليل إلى غزة، في جميع المستويات وما كان أكثرهم إلا مصادقاً على بعض أو كثير مما كتبت متفهماً الحرص على رفعة الحركة من نقد المظاهر السلبية فيها ، وقلة مَن هاجمت ما كتبت بأنه غير صحيح أو غير دقيق أو لأنني عائد، أو لأنني سلطة، أو لأنني مهندس، أو لأنني كاتب ويجب أن أقول شيئا". وفي كل هذه اللقاءات كان الاتفاق شبه كامل على أن المؤتمرات المعقودة هي تأسيسه وبالتالي لا بأس من الوقوع في عديد الأخطاء ولا بأس بتجاوز الأنظمة في كل موقع ومنطقة ونادي وإقليم ولا بأس من التراخي في العضوية، ولا بأس من إغماض العيون عن النتائج، ولا بأس من زيادة عدد لجنة المنطقة، ولجنة الإقليم في تنظيم حركة فتح……..الخ من اللا بأسات (جمع لا بأس) وأقول معهم أيضاً لا بأس،لأن ما حصل قد حصل بحيث خرجنا حتى الآن أكثر من مائة نظام انتخابي، طوع كل منها بحسب المنطقة والمحافظة والعشيرة ولكن المفروض أن يعاد توحيد مثل هذه الأنظمة في نظام واحد وهذه حقيقة مسلمة قد لا تجد من قيادي كبير ليتبناها بل ليقول ليكن لدينا مائة نظام(؟!) فهم عجيب لحركة (فتح). ولمفهوم النظام! وبذلك تكون فعلاً فتح ضد فتح.
أن العقلية التجريبية حكمت حركة (فتح) سياسياً وتنظيمياً ولكنها كانت تُقاد بنظام أو قوانين (حتى وأن كانت غير مكتوبة) يتم الالتزام بها، وفي ظل وضع مختلف كلياً في فلسطين، ليس من العيب أن نجرب مرات ومرات ولكن العيب أن لا نستفيد من ركام التجارب الفاشلة أو حتى الناجحة هذه، والعيب أن لا نلتفت إلى توحيد الأنظمة في نظام، والالتفات لوضع خطة عمل وبرامج وأهداف تحقق البناء العقلي والجسدي والثقافي والإنساني والاجتماعي…..الخ، على غرار ما يفعل الأخوة تنظيم حركة (فتح) في رام الله التحتا من دروس لمحو الأمية، ودورات للنساء، ومساعدات للمحتاجين، ودعم لروضة أطفال، وتجميع لجهود كوادر التنظيم في العمل الكشفي، وفي نادي إسلامي رام الله الرياضي.أنني اضرب بذلك مثلاً وهاجاً نرى مثله على امتداد الوطن، ولكن السمة العامة في تنظيم (فتح) هي ما ذكرت سابقاً وما انتشرت في أذهان الكوادر و{القيادات}.
كلنا قيادات وإلا فلا
يكاد الوطن لا يخلو يومياً من دورة أو دورات في شؤون مختلفة، ويقوم بعقد الدورات مؤسسات حكومية أو شعبية أو منظمات غير حكومية أو التوجيه السياسي أو التنظيم وهذا أمر جيد ويُحض عليه، ولكن أن تكتشف أن عدد الدورات التي توجه لكوادر التنظيم من مختلف الشرائح وفي العديد من المواقع والمحافظات هي دورات أعداد قادة، يا لطيف؟! انه عنوان كبير لمضامين إدارية واتصالية واجتماعية وثقافية هي حقيقة هذه الدورات التي أطلعت بحكم عملي على برامج العديد منها. أن الخطر فيها لا يأتي من المضمون الذي بكثير منه جيد ومهم وان كان لا يخاطب بيئة فلسطين وبيئة تنظيم فتح، وإنما من العنوان (المصطلح) ذاته وهو بالخط الأسود العريض دورة أعداد قادة !! لاحظوا مدى الشحنة النفسية القوية التي تعطي لطالب مستجد في الجامعة أو الحركة ويأخذ دورة أعداد قادة (ده كلام كبير أوي) ولاحظوا مدى الاستخدام غير السليم لهكذا دورات في العمل التنظيمي أو العمل الوظيفي أو حتى في العلاقات بين البشر في مجتمع يحبو نحو التقدم ، أن دورة أعداد القادة التي تستمر أسبوع أو شهر أو سنة تخرج قادة لا تستطيع أن تكلمهم، هكذا يتهيأ لمن يأخذ مثل هذه الدورات، ولنقل بعضهم، بحيث أن شعبنا الذي كله رؤوس وكله كان قائداً في الانتفاضة وكله كان قائدا في السجون وكله كان قائداً في لبنان وكله كان قائداً في الأردن قد ألغى كل أدوار العمل التي تنمط طبيعة العمل الجماعي مثل المفكر والمبتكر والمجدد والرئيس والفنان والمخطط والمنظم والناقد والمبادر والمنجز .. الخ من أنماط الشخصيات وقصرها على مفهوم القائد الذي يجب أن يأمر فيطاع أو الذي يجب أن تفصل له المواقع والأدوار سواء في التنظيم أو الجهاز أو الوزارة، وما هكذا أصلاً معنى القائد. أن التنظيم باعتباره المدرسة الرئيسة حالياً – برأيي على الأقل – في رسم اتجاهات الشخصية مطالب أن يتعامل مع التعبئة والتثقيف والدورات بحذر يأخذ بالاعتبار العقلية الفلسطينية السائدة، ويدقق في طرح المفاهيم والمصطلحات كي نستطيع معاً أن نبني حجراً في صرح الوطن.
التنظيم الساحر
أن تنظيم حركة (فتح) وتنظيمات الثورة الفلسطينية عموماً ، هي جزءً لا يتجزأ من مجتمعها، بيئتها، قوميتها تتغير وفق معادلة التأثر والتأثير المنبثقة من مدى قوة العوامل الذاتية( للشخص أو التنظيم هنا) أو العوامل البيئية وهي قيم وسلوكيات وعادات وأفكار المجتمع والنظام السياسي، ومهمة التنظيم أو أحد مهامه الرئيسة أن يعبر عن فكر المجتمع ليس كما هو بغثه وسمينه وإنما يبرز ما تراكم فيه من إيجابيات ويصعد النضال المجتمعي لتغيير الذات (الشخوص) في التنظيم كمنطلق لتغيير محيطهم فيقع تأثيرهم عبر دوائرهم المختلفة، دائرة الأسرة، دائرة الأصدقاء، دائرة زملاء العمل ... الخ، ولكن أن ينسب لبعض (قيادات) التنظيم القدرات الخارقة على التوظيف ( مدير فما فوق بالطبع) وجلب الأموال، وحنكة إدارة صراع الفوضى وقدسية الطلعة البهية فأنه من التأثير السلبي في المجتمع وبعض معتقداته والتي منها السحر (والسحر بحسب المعجم البسيط كل أمر يخفى ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع وهو حسب ابن خلدون: اقتدار النفوس على التأثير في عالم العناصر) وربما من هذه الكلمة جاء القول بان المرأة الفلانية ساحرة، تأخذ الألباب، والرجل الفلاني مؤثر كساحر، وادعى ما نحتاجه في هكذا ظروف هو طرد السحرة، وتحكيم العقل وبناء الفكر والاصطفاف وراء النظام الموحد.
عندما يتحول الأسلوب إلى أيدلوجية
ذكرنا أن التنظيم في حركة (فتح) اعتمد التجريبية، ومنها استفاد – ولو جزئياً – بإصلاح أخطائه، ولكنه في المرحلة الحالية استقر فكراً وهدفاً نحو الاهتمام بالوسيلة باعتبارها هدف، وقد لا يكون هذا ببعيد عن طريقة تفكير كوادر الحركة عموماً الذين كان الكفاح المسلح بالنسبة لهم استراتيجية وأيدلوجية ومجال فكر الحركة، بمعنى أن (الكفاح المسلح) كوسيلة أو شكل من أشكال النضال تحول لهدف وفكر، كما هو الحال عند الأخوان المسلمين أيضا الذين يحولون التنظيم بهياكله وشخوصه أحيانا إلى هدف وفكرة يجب الدفاع عنها على اعتبار أن قدسية الفكر لديهم – أو لدى العديد منهم – مرتبطة بالأشخاص والهياكل (يراجع المفكر الإسلامي عبد الله النفيسي). أحببت أن أضع مثل هذه المقارنة لأقول أن فتح وغيرها من التنظيمات تعمد الخلط لتضع في برامجها ما يحرك الجمهور ولو كان مخالفاً للمفاهيم الصحيحة والتي أصبحت في (فتح) حالياً مؤتمرات ومهرجانات وإضرابات ولا نرغب أن نحتسب المواجهات كأحد الأشكال السهل التعاطي معها (باعتبارها موروثة من عهد الانتفاضة) ومن قيادة التنظيم والتي تضيف إلى رصيدهم الشخصي، ما يخرج عن إطار فهم المواجهات في إطار الوطني العام، المخطط له والقابل للاستثمار بقدر وميزان.
الاجتماعات والقنوات السرية
لماذا لا تسير الأطر بالشكل المقرر، دعوة، فاجتماع، فتداول، ونقاش، وتوزيع التكليفات والمهمات ضمن خطة عمل ثم محاسبة ومراقبة ومتابعة للتكليفات السابقة، لماذا؟ لماذا لا يٌحترم الاجتماع ويأخذ طابعه القدسي بحيث أن أصحاب المرتبة المحددة هم فقط من يحضره، من يهتم بحضوره، يهتم بتنفيذ خططه وتكليفاته؟ بكل بساطة لأن الاجتماع أما أن يتحول إلى (ديوان) أو لا يأخذ قرار في نطاقه ومجاله، أو يصبح مجال سِجالات ومبارزات، وبالتالي يتم النظر إليه كعبء يجب التخلص منه، لذلك لا يمكن صوغ طريقة تفكير واحدة، وجهة نظر واحدة أو وجهات نظر متقاربة. أن الاجتماع يفقد دوره كبؤره للتثقيف والتربية التنظيمية، ويفقد دوره كمؤثر ومحرض ومقرب ومخطط ومقرر فترى أفراد التنظيم – وأكاد أعمم هنا لأقول معظم التنظيمات الفلسطينية – تراهم دون رؤية موحدة، وإطار عمل موحد، ونسق فكري موحد، فكل (يعمل على رأسه) ومن سيرده وكيف ولا مرجعية واضحة أو قناعة بالمرجعية، في ظل أن الخطوط باتجاه الرئيس والقيادة السياسية متاحة لمن استطال أو قزم. أن تشابك خطوط الاتصال التنظيمي وامتلاء الجسد بثغرات الاتصال السرية الخارجة عن الإطار (الهيكل) – غير الموجود أصلا – تجعل كلٌ يختار مسئوله ويبدله كما يبدل جواربه في الصباح، وكذلك الأمر مع المسؤول الذي يعتبر أن فلان أو علان هو ابن التنظيم أم لا دون غيره. لقد شكلت قنوات الاتصال السرية (الجانبية) كتلا غير مؤتلفة، بقعاً سوداء متناثرة، خيوط اتصال منفصلة، موارد تمويل خاصة، قوانين خاصة، أحقاد تتراكم، لا تصب إلا في مصلحة قرار شطب التنظيم (التنزيم) كجسد وفكر وهياكل وتعبئة وتأثير وقرار.
تصور صعوبة أن تلزم عضو في تنظيم (فتح) أو غير (فتح) من عائلة (س) أو منطقة (ص)، أو ابن الثري (ع)، أو قريب العقيد (ل) أو المنتمي للجهاز الأمني (ك)، أو المرتبط بالقائد السياسي الفلاني؟ هل تستطيع في ظل عدم قدرة التنظيم على فكفكه العلاقات غير الشرعية (السرية)، وفي ظل انصياعه لمفاهيم وعلاقات المجتمع السيئة الموروثة هل يستطيع أن يؤثر في عناصره أو يلزمهم بالاجتماع، أو بنتائجه أن حصل؟ بالطبع لا.
التنظيمات وعقلية المبالغة
على اثر وفاة ثلاثة من طلبة بير زيت في بحر عكا، قامت الدنيا ولم تقعد، وتم ترتيب جنازة لائقة بالثلاثة، وقطبت الوجوه، أغلقت الجامعة، وخيم الحزن على أوساط الطلاب وحزب الشعب الذي استثمر الحدث واعتصره ورسم شعلة جديدة في سماء الوطن (باستشهاد) الثلاثة، انتصر لقدرته على الاستقطاب وحاول كسر طوق التعبئة والاستقطاب المقتصر على حركة (فتح) و(حماس) و(الجبهة الشعبية) في الجامعة.
وعلى اثر استشهاد أحد الشباب المقدامين في مواجهات مايو2000، مواجهات دعم الأسرى وذكرى النكبة، استثمرت الجبهة الشعبية لأقصى حد استشهاد الشاب وحاولت تحويل جنازته الطويلة إلى تظاهره جديدة، وبكل غرابة بهتافات (ضد السلطة؟)، ولوثت حوائط بنايات رام الله الجميلة بعبارات تشوه منظر المدينة وغريبة ليس اقلها اعتبار الشهيد (قائد معلم)؟
ونتيجة إغلاق محطة (وطن) المحلية عبر مباحث الشرطة بسبب الإساءة للوطن والبلد والسلطة وفي ظل ظرف المواجهات الدقيق الذي يحتاج لتضافر كل الجهود، استثمر التنظيم الذي يدير القناة الحدث ليصبح أن الرئيس ياسر عرفات هو من أمر بإغلاق هذه القناة المحلية كما أذاعت بعض المحطات العربية والعالمية.
وما أن يتشاكل عنصر من حركة (فتح) أي من (التنزيم) مع أحد كوادر الأجهزة الأمنية، حتى تبدأ الاصطفافات( تنزيم )مقابل سلطة، أو تنظيم مقابل الجهاز الفلاني وتبدأ الإشاعات تنتشر كالنار في الهشيم، وتبدأ الأمور من نقطة صغيرة تكبر فتكبر بمبالغات تذكرنا بمرحلة البيانات التي كانت تصدرها بعض التنظيمات الفلسطينية مدعيةً قتل وجرح عشرات جنود الاحتلال في عملية عسكرية تكون في الغالب ليست من عملها وربما لا تكون قد حصلت أصلا؟!.
أن عقلية المبالغة، وخاصةً تلك المخطط لها والمقصودة، عقلية تدميرية لأنها ترغب في تحقيق مكاسب آنية على حساب رصيد الشعب والأمة من مخزون الذاكرة التي يجب أن تكون حية وثرية وحقيقية لتستطيع نقلها في إطارها الصحيح للأجيال القادمة، تلك التي ستجلس عند أقدام أجدادها لتسأل لماذا ومع اندحار الاحتلال من وسط رام الله مازال البعض يهتف ضد نفسه (ضد السلطة)؟ ولماذا مازلنا نلوث مدينتنا الجملية بشعارات لا تغني ولا تسمن من جوع؟ ولماذا نصنع من (الحبة قبة) فيتحول الشهداء الذين رووا الأرض بدمائهم الزكية إلى مجال تندر بإطلاق صفات عليهم لم تطلق على قادة عظام ومفكرين كبار مثل القائد المعلم أو الإشادة بمناقب الشهداء وهم لم يبلغوا الحلم (ليتمنقبوا)، وهو استقبل الرصاصة ليقابل ربه ويفدي وطنه، لا ليكون الشعار اكبر من الحقيقة والأحياء يستغلون الأموات.
ابن الأفطس في التنظيم أيضا.
إن التمسك بالكرسي أو العرش أو الموقع دون أحقية أو أفضلية أو جدارة أو بعد انتهاء المدة فن شائع ويحض عليه في عالمنا الثالث ، حيث ترى وزيرا قصير النظر لا يفقه شيئا ، أو مديرا عاما أو وكيلا أو مسؤولا تنظيميا لا يكاد يفهم متطلبات مؤسسته أو كوادره…الخ ، إلا أن كل منهم لا يفرط بمقعده الوثير مما ذكرني بقصة ابن الأفطس !
استقل عبد الله بن مسلمة الملقب بابن الأفطس بناحية بطليوس من بلاد الأندلس بعد ضياع الوحدة السياسية الأندلسية بسقوط الخلافة الأموية سنة 1031 ، وكانت ولاية كبيرة تقع شمال غربي قرطبة على ضفاف نهر جميل ، وبعد أن جعل ابن الأفطس نفسه أميرا على تلك الناحية وصار يدفع الجزية لملوك قشتالة الأسبان ، خاطبه أحد الشيوخ في إعادة وحدة الأندلس وإنشاء جبهة تقاوم الضغط الإسباني فكان جوابه :لو أن أبا بكر وعمر جاءاني يطلبان مني التنازل عن ملكي لحاربتهما بالسيف ؟!
فكم لدينا من أمثال ابن الأفطس هذا في كل مكان ، في السياسة والاقتصاد والمجتمع ، وفي كل مكتب وزاوية وزقاق ، عموما فطس ابن الأفطس التعس وخلفه ابنه الملك المظفر (لاحظوا المظفر!) ثم حفيده المتوكل على الله ؟!الذي ما أن سمع بقدوم البطل المغربي يوسف بن تاشفين داعيا لتوحيد الصفوف حتى توكل وكيف لا يتوكل وهو المتوكل (؟!) ولكنه توكل على الملك الفونسو السادس فكان أن قتله أصحاب أبي بكر وعمر ، ورغم ذلك فان الشاعر الأندلسي ابن عبدون كان قد قال في رثاء ابن الأفطس قصيدة حمل فيها على الدهر لغدره بعظماء الملوك أمثال ابن الأفطس ؟حيث يقول :
نعم هو الدهر ، ما أبقت غوائله على جديس ولا طسم ولا عاد
وأسلمت للمنايا أل مسلمة وعبدت للرزايا آل عباد
في مثل هؤلاء من الحكام والوزراء والمدراء و( الكوادر التنظيميين) والشعراء في زماننا تضيع الكرامة والمهابة والوحدة وأخلاق الأمة.
تنزيم لو!
سُئل أحد المسؤولين الكبار هل تريد التنظيم كوادر قوية أم مطية؟ فنظر مبتسماً وقال :أنا لا أخشى إلا من التنظيم القوي! ولكل أن يفهم ما يشاء! لا للتنظيم وبالعبري (تنزيم لو)، هذا شعار ذكره الجانب الإسرائيلي في الدعوة لنزع السلاح، ولكنه شعار يتبناه خط قيادي في قمة الهرم ويتقاطع مع خطوط مصلحيه أخرى في أواسط واسفل الهرم تسعى جاهدة لبناء التنظيم نظرياً، ولكنها تعمل دون وعي منها على تحقيق إرادة خط الهرم العلوي، لا للتنظيم! لان قوة التنظيم إرادة قرار وقوة التنظيم (الفكر والتثقيف والتربية والأعضاء والاجتماعات الدورية، والهياكل، والنشاطات المبرمجة، والأخلاق، والرقابة، والتعبئة والتوجيه، والمبادرة، والمحاسبة) قوة بناء للوطن، وقوة التنظيم تؤدي إلى تساقط للوجوه الكالحة، والصور الكرتونية، والبالونات الإعلامية المنفوخة، والقيم التحريضية البغيضة ، و(القيادات) التي لا تصحو من سكرها، والمنغمسة في سرقة ثروات الوطن، واستجحاش الناس والدوس على كرامتهم.
أن التنظيم ليس رداء ينزع، وإنما انتماء حقيقي يهدف للخدمة، خدمة الناس، خدمة الإنسان خدمة مجردة عن أي عرض دنيوي، خدمة تبدأ من التقاط القمامة من ساحة مدرسة وعدم رمي الأنقاض أو أعقاب السجائر في المكتب أو البناية أو الشارع و لا تنتهي عند تسهيل أمور ومعاملات الجمهور، ومساعدتهم في كل شؤون دنياهم.
أن التنظيم التزام إنساني، أخلاقي، قيمي، طوعي غير قسري ، وقانوني في المجتمع المدني، يبدأ في النفس صغيراً، وينمو مع نمو عوامل الثقة وحسن التواصل، وبناء الذات، وبالعمل الجماعي، والانخراط في حلقات التثقيف وإنجاز المهمات والنشاطات، أن التنظيم التزام بقيم المجالدة واستنشاق الصبر، وتجرع الصعب، وكما هو التزام أخلاقي، عمل جماهيري، عمل يومي يبدأ في الذهن، منذ نشأة الفكرة إلى تحولها لمفردات وجمل يتم التلفظ بها أو كتابتها إلى أن تسير بأرجلها عملاً مثمراً. نعم للتنظيم لان فتح ضد فتح في ظل سقوط الفكرة، وفتح ضد فتح في ظل التأزيم للصراع إلى حد التناحر والتدمير بما يحقق شعار (أبناء العمومة المفترضين) تنزيم لو!
التنظيم والتصوف:
إن من تعاريف التصوف الإسلامي أنه (إشراق النفس بنور الله،أو العشق الإلهي) والذي قالت فيه رابعة العدوية البصرية:
أحبك حبين حب الهوى وحبك لأنك أهل لذاكا
فأما الذي حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك
ومن كبار المتصوفة الإسلاميين ذو النون المصري الذي قال أن المعرفة الصوفية تأتي إلى الإنسان من الله قذفا من القلب دون دراسة أو عناء! ولحقه أبو يزيد البسطامي، وعلى طريق المجاهدة الصوفية سار أبو القاسم الجنيد لكنه خلع رداء كشف الحجب وأن المعرفة فضل يؤتيه الله لمن يشاء و رأى أنه لا ينبغي للصوفي أن ينقطع عن الدرس والعلم انتظارا للعلم الديني (الذي يأتي من عند الله قذفا في القلب) لذلك كان الجنيد فقيها واسع العلم.
ما يهمنا من هذا السرد هو المنهج بين( ذو النون) والجنيد كمثال وبالتالي طريقة التفكير في التنظيم، الأولى التي تتعامل مع سائر الأحداث وتتركها تجرجرها شمالا وجنوبا، فلا تهتم بأولويات أو خطط، وتترك الأمور لتقذف في قلوبها فيحركها الهوى ولكن دون صوفية بالطبع ! وبعيدا عن ذي النون، فإن طريقة التفكير التي لا تقبل إلا بالمنهج والعلم والتثقيف والبحث والتفكير والتخطيط الدائم فيأتي إشراق النفس بنور التنظيم من وعي وتربية وعلم وكما هو حال مولانا الإمام الجنيد هي طريقة التفكير الفضلى في آلية البناء والتواصل والتقدم.
وما دمنا في مجال استفادة من الصوفية، فمن المفيد ذكره أن للصوفية كي يصل فيها المريد إلى المقام العالي درجات، وهي في التنظيم (مراتب) يجب أن تسير بشكل تصاعدي، وليس بشكل أفقي تسطيحي كما هو حاصل حاليا، فالعبد المتصوف يبدأ من المقام الأول ليصل إلى الثامن منطلقا من مقام الورع فالزهد فالفقر فالصبر فالمراقبة فالرضى فالمحبة، ودعوني أطالب نفسي وأعضاء التنظيمات عامة وعلى رأسها فتح أن تبدأ بالخدمة للناس، للإنسان لتصل محبة الناس وتحقق خفقان القلوب عند سماع كلمة (تنظيم).
كنت قد تحدثت مع الأخ العزيز المناضل أمين سر حركة فتح في رام الله والبيرة أبو علاء منصور والشهادة لله أن الرجل واسع المعرفة، لديه سلاسة في إطلاق الأفكار، ومرونة فائقة في العمل، وحركية مكتسبة من (عملانية) حركة (فتح)، وكان قد شخص بيسر سر مشاكل التنظيم في عدم القدرة على ترتيب الأولويات، وانجراف الكادر في الشان اليومي على حساب الخطة والمنهج، إضافة لضعف الإدارة والتوجيه وخلص أن للصبر والمراقبة، والتواصل والتثقيف، ومحبة الناس…الخ وكمال يقول (أوغست كونت) الذي ينصب تمثاله في ساحة السوربون بباريس (لنحيا من أجل الغير)، مما ذكرني ببعض مفاهيم تقاطعت مع قراءاتي في التاريخ الإسلامي والصوفية تدل دلالة قاطعة على وعي يحتاج لرعاية ودعم وإرادة وقرار حازم من رأس الهرم في (فتح)، قد لا نراه قريبا.
(العائدين) الموضوع المنسي
دخلت قوات الثورة الفلسطينية إلى فلسطين منذ أكثر من خمس سنوات، وابتدأت ورشة العمل على الصعيد السياسي وعلى صعيد بناء الدولة، وعلى صعيد بناء (فتح)، وكما هي عادة (فتح) لا تضع قوانين ولا ترسم حدودا أو تخلق نظاما، وإنما تدع التفاعلات تنشئ هذه القوانين أو الأنظمة، والآن وبعد هذه السنوات ما زال العائدون حائرون بين استيعابهم في أطر الحركة (غير الموجودة فعليا) وبين الاعتراف بعضويتهم ولا سيما أن جزء هام منهم أنضم للأجهزة الأمنية أو المؤسسات المدنية، ولم تفلح حتى الآن – على حد علمي- محاولات لملمتهم أو دمجهم أو عزلهم عن جسد الحركة أو الهم الوطني، فالانتماء حياة، والانتماء تواصل، والانتماء استقرار لا يمكن أن ينتزع من القلب بسهولة، وهذا ما حدث ويحدث مع هؤلاء الكوادر الذين أكاد اجزم أن خبرتهم في الأقاليم التي قدموا منها على تنوعها تمتاز بالقوة والثراء الذي إن تمت الاستفادة منه من الممكن أن نقصر المسافة الفاصلة بين (طفولة) التنظيم و(شبوبيته) ، وتضاهي تجاربهم تجربة الحركة الأسيرة التنظيمية وتجربة لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي، وتجربة العمل (التنظيمي) أثناء الانتفاضة المجيدة، ولكن الأماني والأحلام لا تستقيم في ظل تقاطع المصالح والنعرات (النزعات) العشائرية والجهوية والاقتصادية القابضة على تفكير عدد من رؤوس التنظيم في أطره الواسعة الفضفاضة – التي تبدأ من 17 شخصا وهم أعضاء لجان الأقاليم (تم توسيعهم إلى 21 في نابلس حاليا) إلى أكثر من ذلك في أطر اللجنة الحركية أو المرجعية أو لجنة الساحة أو لجنة الطوارئ _ ولا تستقيم في ظل قرار مستتر برفض وجود (تنظيم) أصلا يتقاطع مثل هذا القرار بين رغبة إسرائيلية وخط إسرائيلي وبين انتعاش الانتهازية والتسلطية والوظائفية (كفكر) في إطار التنظيم عامة.
إن محاولات الفصل في الوطن بين مواطن وعائد،وبين حركي من الوطن، وحركي عائد يتم تجنبه وبأشكال ذات إسفاف، تحرم الحركة عموما من تلاقي الخبرات، وتلاقح التجارب، وتعمق من علاقات النبذ والحقد، وتزيد من شعور الاغتراب ورغبة التدمير التي تجعل من الاصطفافات الحركية تتواجه وإن بشكل سري ومن وراء ستار، ولكنها تنسج شباكها في الأجهزة والمؤسسات ودوائر القيادة في صراع مرير ذو رؤوس ومصالح ودواوين وأعراف وتقاليد وأنظمة خاصة خارجة عن فكر ووحدة ونظام الحركة الموحد.
إن في التنظيم أشخاص يشكل كل منهم أمة ، ومنهم الأخ أبوماهر غنيم ، وشخص واحد، نعم من الممكن أن يحيي أمة (أمة التنظيم) في ظل قرار وإرادة العمل للتنظيم لا تفتيته أو إلهائه أو استغلاله أو الضحك عليه في متوالية (اجتماع، مهرجان، مؤتمر، لجنة وهكذا) كمن يدور حول نفسه ولا يتقدم خطوة واحدة للأمام، وبذلك مازلنا نؤكد.
مشكلة المشاكل:
ذكرنا في مقالات سابقة أن مشاكل حركة (فتح) كثيرة، وهي عامة وشاملة في حقيقة الأمر في كافة أطر أحزاب الحركة الوطنية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية والعالم الثالث ويمكن أن نعود لتلخيصها بالتالي:
1- مشكلة عدم الانضباط للفكرة والمسيرة.
2- مشكلة تعدد اللوائح والأنظمة وتناقضها أحيانا.
3- مشكلة تعدد المرجعيات والاجتهادات.
4- مشكلة عدم الالتزام بالنظام