فتح .. الآن .. غدا ، مرورا بتجربة الوطن


فتح .. الآن .. غدا ، مرورا بتجربة الوطن

 سقوط القلاع وفوز المجانين!

 مقدمة :

       تحت عنوان (فتح .. الآن .. غدا) عناوين لحوار مع الذات كتب الأخ نبيل عمرو عضو المجلس الثوري لحركة (فتح) الكثير في دلالة القليل من الكلام فشخص حركة (فتح) (كتجسيد حرفي للوضع الفلسطيني)، لذا فهي موجودة بقوة في كل الشرائح الاجتماعية،وقال أن (فتح) كانت في ريادتها راعية للمبادرات العسكرية والسياسية، وصانعة العلاقات مع العالم لذلك قادت النضال ليستطرد طارحا السؤال الكبير حول مستقبل (فتح)، وهذا موضوع خطر والحديث فيه مجال اضطراب،وعامل توتر وقضية صراع ذو أبعاد كثيرة.

       تحت نفس العنوان وهو مستقبل (فتح)، كان قد تحدث الأخ هاني الحسن في دورة عقدناها لأقاليم (فتح) الخارجية في مركز الشهيد صلاح خلف بالفارعة وتحدث فأسهب ،ان الرجل رائد وله نظرة، و نظرة حكيمة، فلقد طرح رؤيا عمق المتغيرات واحتياجات الناس فماذا كانت ردود الفعل؟؟ لقد تململ البعض وعبر البعض الآخر عن رفضه الصامت، وعلا صوت آخرين الى حد الاشتباك والذي انتهى بموافقة الغالبية على طرح الأخ أبو طارق.أن الناس والكوادر يألفون ما يعايشوه حتى لو كان خطأ أو يجر إلى بوار، وكل جديد يقابل بالضرورة بالاستهجان والاستغراب وربما الرفض بالبداية،وكما حصل أيضا في محاضرة لاحقة للأخ د. مرعي عبد الرحمن، فكيف نصنع فكرا لأمة أو فكرا لتنظيم أو فكرا للجماهير، والجزئين أي أعضاء التنظيم ورجال الفكر (المتميز) منفصلين، وكلٌّ في فلك يسبحون.

       لا تنظيم بلا فكر، ولا فكر ينفصل عن الجماهير، ولا تواصل دون إيمان بالفكر،ولا انتشار للفكر دون دعاة ومبشرين يقومون بالتعبئة الحثيثة، لذا لا مستقبل يرسم مستفيدا من الماضي إلا بمثل هؤلاء.

       لقد سقط الزمن الذي تصنع فيه الفكرة الجديدة دون الرجوع للناس، للجماهير، للشعب، للأمة لأن الفكر هو نتاج محصلة احتياجات وأفكار هؤلاء، ولم يعد كافيا أن يفكر ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني لينشئوا حزب البعث العربي الاشتراكي الذي آل الى ما آل إليه، ولم يعد كافيا أن يكون (كارل ماركس) مفكرا عظيما لسبعين عاما جمد فيها التطوير والاجتهاد و التغيير وجمد فيها فهم المتغيرات وقوانين الصراع الجديدة فآل الاتحاد السوفييتي العظيم الى ما آل إليه؟! وعليه فإن الفكرة إن لم تخضع لأفكار واحتياجات الناس المتغيرة المتطورة لن تعيش طويلا، وسيجنح حاملوها إلى الجمود والتحجر أو إلى زوايا النسيان.

       إن التاريخ يتقدم ولا يعود الى الوراء مطلقا، في دورة أو دورات ولكل منها خصائصها، وأن الفكر باعتباره صنيعة الناس يبلوره الأكثر وعيا أو الأكثر ثقافة أو أصحاب الرسالات والرؤيا، هو فكر إذا ما كانت له أقدام يمشي عليها، وإذا ما كانت له أجنحة يحلق فيها في سماء الأرواح وفضاء القلوب، وحاجة البطون، ورغبة الانطلاق ولذلك فإن فتح الفكرة ستستمر وستنجح إذا استمرت ممثلة (للتجسيد الحرفي للوضع الفلسطيني) على ما فيه من حق وأباطيل، تقدم وجمود، تفهم وانكماش، نظام وانفلاش ، والقائد أو المفكر أو المبتكر والمطور هنا من كوادر الحركة هو الملقى على عاتقه عبء التفكير المفتوح أو مساعدة الأعضاء والكوادر الآخرين على التفكير الحر، المفتوح، دون رهبة في إطار حركة متواصلة واسعة النطاق من ورشات العمل وبؤر أو حلقات التفكير في كل إطار من أطر الحركة بدء من الخلية وليس انتهاء بلجنة الإقليم، ولنكون أكثر واقعية لنجعل التفكير في (حشد) أو (قبيلة) أو (جماهير) أو (أنصار) أو (التجمع الشعبي) الحالي في الوطن المسمى (فتح) ومتى ما استقرت القناعة بالفكرة فلا جدال أن الدعوة لها أو التبشير بها أو التعبئة بها تصبح مهمة التنظيم.

       في العام 1994 طرح علينا الأخ أبو ماهر غنيم المفوض العام للتعبئة والتنظيم التفكير في مستقبل الحركة وبعد جلسات طوال بين عدد من الأخوة كادر المكتب طرحنا عدد من الاحتمالات (النظرية) ما بين تحول الحركة الى حزب (يعني بشؤون الناس وحاجاتهم واقتصاد البلد والتعليم..) وما بين تفككها الى عدة أحزاب بحسب المضامين الفكرية المتنوعة التي احتضنتها (فتح) أو بقائها ولكن بشكل المنابر أو التكتلات الديمقراطية في إطارها أو حلها أو بقائها حركة ثورية ..الخ، وكانت هذه البدائل النظرية بعيدة عن الالتفات للواقع القائم في الوطن ورغم جدية المحاولة فإنها لقيت الرفض من بعض من وصلتهم من الأخوة في الأطر العليا، واليوم لا بد أن نعترف أن الواقع القائم في الوطن مختلف كليا عما استقر في أذهاننا نحن الذين قدمنا للوطن والعكس بالعكس، ولا بد أن نقر أيضا بأن في الوطن كوادر كبار، وقيادات لها أفكار ولها رؤى تحترم ومهما قلنا عن وجود الخط الإسرائيلي والخط العروبي وهذا صحيح في رأيي، فإن عوامل الحياة اليومية، ومطحنة العمل التفصيلي أذابت العديد من الاختلافات الفكرية القديمة،وخلقت في كادر حركة (فتح) تآلفا شعبيا وحشدا كبيرا يتمايز في تجاربه (الاعتقال، الشبيبه، الغربي، التنظيم ……) ولكنه في خوضه مثل هذا الصراع الناشئ عن اختلاف المفاهيم والتجارب في ظني أنه ما زال متمسكا بفتح باعتبارها الإطار الواسع الصالح لضم كل هذه المفاهيم والأفكار والكوادر بشرائحهم، بوعيهم وجهلهم، بشجاعتهم وانتهازيتهم، بفكرهم الرصين ومبادراتهم الجديدة، لذلك فإن (فتح) (التجمع والجسم الفضفاض) قد تسود على حساب طليعية قد نبتغيها في تنظيم وأمة وشعب من المفترض ـ حسب ظني ـ أن يكون مثال الوطنية ونموذج التعريب وصاحب أهداف وخطة ورؤيا للمستقبل، تنظيم طليعي جماهيري قائد كما قالت فتح وكما يجب أن تستمر بحس الرسالة.

       وللخوض في الحاضر والمستقبل لا بد من عودة جريئة الى الماضي لأن اليوم نتاج الأمس والمستقبل يصنع اليوم، لا سيما وأن الأخ نبيل عمرو يريد فتح حوار داخلي حول مستقبل فتح ومن خلال إطاراتها ومؤسساتها وفي بحث جدي عن (صيغة ومحتوى قيادة الوطن في أدق مراحل وجوده).

       كنا قد تحدثنا في دراسات ومقالات عديدة ننتقد التجربة الفلسطينية التنظيمية الحديثة في الوطن، وحللنا كثيرا طبيعة الواقع وظروف الاحتلال وحال الوعي، ومدى الابتعاد عن النظام أي نظام ..الخ، وفي مجمل ما ذكرنا كان ينتصب أمام أعيننا هدف الدفع بالتجربة الى الأمام نحو المستقبل كما هو حال الأخ نبيل عمرو في مقاله في الحياة الجديدة لأن قناعتنا كانت وما زالت أن حركة (فتح) تظل إطارا صالحا لاحتواء مختلف تيارات الوعي الوطني وهذا نثبته من التجربة كما سيلي، وإطارا صالحا للتعبير عن احتياجات الشعب، وإطارا صالحا لوضع هذه الاحتياجات في إطار الأهداف الممكن برمجتها ضمن خطة أو خطط طويلة الأمد وقصيرة الأمد.

       لقد حكم الوعي والفكر الوطني والتجربة الفتحوية عديد العوامل الإقليمية، وفي الوطن تأثرت التجربة بشكل كبير بالتذبذبات التي كانت تميز مسيرة (فتح) في الخارج وتنعكس على تجربة الوطن إضافة بالطبع للعامل الذاتي الداخلي ووجود الاحتلال، ولكنه في جميع الأحوال وصلت الصورة لكوادر وقيادات وعناصر الداخل كليلة ، مبتورة، مجزوءة وأحيانا مشوهة وكانت مثل هذه الصورة هي ما تعاملوا معها، وربما كان للاحتكاكات الفردية والقليلة التي جاءت متأخرة بين هذه الكوادر والقيادات ذات القدسية ـ سابقا ـ أن أعطتهم ردة فعل سلبية عندما اكتشفوا أنهم يتعاملون مع بشر مثلهم يرسمون فيخطئون، ويقولون فيتراجعون، ويعملون لملء مساحة من الوقت ويستغلون كثير من أوقاتهم في اللهو والمتعة وفي امتهان الآخرين وتدبير الخوازيق ودق الأسافين وكتابة التقارير والتنازع على المغانم والسرقات وصواني الكنافة، فلماذا لا يكون انتهازيي الوطن بنفس طبيعة النسيج الذي اكتشفوه متأخرا وعايشوا جزء منه قبل العودة للوطن وهذا ما كان وفق رؤيا هؤلاء.

       إن التنظيم ائتلاف طوعي، التزام طوعي، خدمة طوعيه، عمل طوعي، إيمان بالفكر وبشكل طوعي والتنظيم كجماعة تلتقي بالضرورة حول فكر وأهداف وخطط وضمن هيكل تنظيمي وقانون يحكمها وتصنع تجربة وتراث يصبح الرجوع لها من مؤشرات شكل المستقبل الذي يطرح الأخ نبيل عمرو مناقشته، ولأننا لا نحتفظ (بإجابات جاهزة) كما يريد أخونا نبيل فليعذرنا في أن نتحاور عبر هذه الورقة تحت عنوان تجربة حركة فتح: سقوط القلاع وفوز المجانين ونأمل أن نتعمق أكثر في نقد تجربة الماضي في الوطن والخارج لنستمد من مفاصل التجربة (التجارب) وتنوعها وصراعها وثرائها وزخمها وفشلها ونجاحاتها نستمد المدد والمعين في الصمود حاضرا في وسط (فتح المشاع) فتح غير مغلقة الأبواب حتى على أبناء التنظيمات الأخرى والمرتبطين بالدول الأخرى لنستطيع أن نرسم شكل المستقبل.

 الفوز للمجانين:

       خاضت حركة (فتح) صراعا شديدا بين تيارين عرفا بتاريخ الحركة بتيار العقلانيين وكان رموزه من مؤسسي الحركة د. عادل عبد الكريم ود. عبد الله الدنان وآخرين، وتيار المجانين (أو العمليين) وكان من رموزه الأخوة ياسر عرفات وأبو يوسف النجار وأبو جهاد، وكان الخلاف الكبير الأول الذي طفا على السطح في الحركة آنذاك هو هل نحن مستعدون للعمل؟ هل أكملنا تجهيزاتنا للبدء بالعمل العسكري؟ وهل التوقيت المحدد للانطلاق بعد سنوات ثمان من نشأة الحركة هو توقيت مناسب أم لا؟ وهل الواقع يفرض علينا التريث أم الانبعاث بقوة؟ وكيف يجب أن نتميز عما سوانا من التنظيمات التي كانت تعج بها الساحة وتقدر بالعشرات ان لم نبدأ بالعمل؟ هل سنجمد ونركن إلى أدبيات فكرية ونشرة (فلسطيننا) بانتظار توفر ميزانية كبيرة ودعم عربي وتحالف مع قوى عظمى؟ كل هذه الأسئلة وربما الكثير غيرها قد تكون جالت في رؤوس التيارين وخاصة تيار الأخ القائد العام ياسر عرفات، وكان لعملية الاستقصاء لآراء الكادر الحركي في أماكن التواجد الفتحوي دورا هاما في بلورة فكرة تجسيد المبادئ على الأرض، إضافة لحيوية ونشاط الشخوص الذين سموا بالمجانين فكل من الأخوين ياسر عرفات وخليل الوزير لهم تجربة عسكرية في القنال وفي غزة أعطتهم قوة الركون للعمل المسلح، والثقة بالبندقية ، والإيمان بإمكانية تحقيق الانتشار والاستقطاب للشارع الفلسطيني والمحيط العربي من خلال التقدم في حقل الألغام، فالقائد من يقرر وقت المعركة، ويتواجد في أرض المعركة، ويخوض المعركة ويستشهد أو ينتصر، وفي كلا الحالين يسطر الأمثولة ويبعث الحياة في شعب مل البكاء واللجوء والتشرد.

       في المقابل كان (العقلانيون) من مؤسسي الحركة رجال صناديد يحسبون الخطوة، ويقيسون المسافات، يضعون الفكرة ويعبئون حولها، يرسمون بدقة، ويتقنون بناء الشخصيات، يحللون بشكل جيد، ويفهمون الواقع ويتعرفون على نقاط القوة ونقاط الضعف، لقد رأوا في الواقع الفلسطيني تشتتا وتشرذما، وفي الواقع العربي تراجعا وانكفاء، رغبة في التقدم وحقيقة التوجه نحو بناء الذات، فخافوا من الفشل، وقلصوا من حجم المبادرة وركنوا للراحة في قلاع التنظير والأفكار فرفضوا الانطلاقة، التي قامت بقوة وجنون وحركية (المجانين) فكان بداية الانفصال بين تيارين سرعان ما تقدم الأول واعتزل الثاني.

       وفي الوطن عاشت كوادر وقيادات الوطن عنفوان الانتفاضة ومجد الأشخاص في ظل نهضة شعبية متواصلة، خلفت وراءها سنوات من الركود، وسنوات من المهانة، وسنوات من إذلال الاحتلال، لقد استطاعت كوادر (فتح) بالانتفاضة أن تتفوق على مشاعر الخوف والرعب والتراجع وسلبية التعامل مع الحالة الفلسطينية في الخارج التي كانت بمثابة الأمل المعقود لواءه، تماما كما كانت قيادات الوطن في العشرينات والثلاثينات والأربعينات تنظر للخارج كقلعة حصينة ممثلة بالقيادات العربية الأمل المنتظر، لقد أسقطت الانتفاضة معادلة الخارج الداخل وكرست قيادات وجدت نفسها تقود شعب دون إذن من أحد، وأن بتنسيق مع الخارج، لقد استطاعت أن تظهر سيطرة وتحقق نفوذ، وتأمر وتنهي وتقرر وتقود وتجد من يشد على أيديها ويدعمها حتى وإن أخطأت، فصحت على معادلة الحركة القائلة أن من يعمل يكسب ولو أخطأ، وظلت متمسكة بهذه المعادلة حتى بعد العودة للوطن، التي كان للانتفاضة المجيدة ـ إضافة لعوامل محلية وإقليمية وعالمية أخرى بالطبع ـ دورا في مثل هذه العودة، والتي حاول الكثيرون جعلها السبب الوحيد لهذه العودة فثأرت قيادات الوطن لسنوات (التبعية) للخارج، وأثبتت للجميع قدرتها على الفعل والعطاء والقيادة، فلماذا لا تقتسم (السلطة)في الحركة؟!

       وهذا ما حققته بإضافات المجلس الثوري، وتقسيم الوطن إلى أقاليم وعبر المرجعيات في الضفة وغزة، وعبر انخراط قيادات الوطن في أعلى المراتب التنظيمية، وفي الوظائف السامية في السلطة الوطنية.

       لقد فهمت ووعت كوادر وقيادات الوطن، قيادات الانتفاضة، قيادات السجون معادلة المبادرة والعمل في فكر حركة (فتح) مستفيدة من تجربة الانطلاقة فحققت الفوز، و أسقطت قلعة وخطت ملمحا واضحا في المستقبل القادم، مستقبلها.

 سقوط الغربي !

       كانت تجربة القطاع الغربي (جهاز الأرض المحتلة) تجربة ثرية تجربة ذات زخم، لها ما لها من الإيجابيات التي قد يتفوق بالحديث عنها قياداتها الذين يتسلم كثير منهم حاليا مواقع المحافظين في السلطة الفلسطينية، وغيرها، وكان لها عدد من السلبيات .وفي خضم العنفوان ونشوة النصر، ومسيرة الفعل، لا يلتفت أحد للسلبيات مهما كبرت فالجو الناشئ عن التقدم والتفوق والانطلاق والشعور بالنصر يجعل من الإيجابيات على صغرها هي الصورة التي تعلق بأذهان الجماهير، وهكذا هو الحال مع عمل جهاز الغربي الذي كانت فيه كل عملية ناجحة، أو منجزة وإن لم تتحقق كامل أهدافها، تقابل بالفرحة والتصفيق رغم كل ما كان يحصل أحيانا خلفها من أخطاء وانتهازية.

        لقد كونت العمليات التي كانت تحصل من الخارج في الوطن جزءا لا يتجزأ من الوعي الوطني الملتهب دوما، المستعد دوما لدعم العمل العسكري، والتعبير عن النشوة والفرح في مقابل الواقع اليائس وغير المتحرك الى الأمام.

       وعاش الفلسطينيون أحلامهم من خلال تواصل عمليات القطاع الغربي وفي مرحلة أخرى عمليات قوات ال 17 بقيادة الأخ محمود الناطور( أبو الطيب )، وعاش الفلسطينيون مستقبلهم من خلال الدفء المنتشر حول هذه العمليات والذي كانت تقابل به قيادات جهاز الغربي، أو الأطر الفلسطينية الأخرى من غير فتح التي كانت تعلن مسئوليتها عن هذه العملية أو تلك، وبشكل صراع غير حصيف أحيانا يعبر عنه بصواني الكنافة التي توزع فرحة بنجاح العملية التي لا يعرف منفذها الحقيقي.

       كلنا تحمسنا وابتهجنا لهذه العملية أو تلك الى أن خفت صوت البندقية، أو كان يخفت في أكثر مرحلة، وحينها كانت تطفو السلبيات على السطح، لقد كانت موجودة أصلا، ولكن ركود الحال، وانتشار الإحباط والتوترات وخيبات الأمل من التحركات السياسية بغية الحصاد كانت تظهر سلبيات العمل في القطاع الغربي من صراع نفوذ مناطقي بين نابلس وغزة وجنين والريف وبيت لحم .. الخ، وصراع ادعاء القيام بالعملية هذه أو تلك، وصراع على العناصر والكوادر في الوطن، وصراع على تهريب السلاح، وصراع على الموازنات وفي هذه المرحلة الراكدة عرف معظم كوادر وقيادات الانتفاضة لاحقا جهاز الغربي، فانعكست كثير من أخلاق مرحلة الإحباط والتوتر والركود على الشخوص، وتم تشرب القيم على أنها تمثل أخلاقيات العمل المباحة، وفي مثل هذه الحال هل يجوز لنا أن نحاكم أو ننتقد المتشبهين أو المقتبسين ونترك الأصلاء والرموز بعيدا عن النقد والتخطيء؟! بالطبع لا فلولا هذا ما كان ذاك، ومن عاشر قوما أربعين يوما كان منهم، ومن شابه (قائده) فما ظلم! لقد برزت ونمت أخطاء القطاع الغربي وتم نبش القديم منها في ظل صراع القوى والمحاور، وفي ظل بروز آثار نعمة مفاجئة على عدد من أركان الفساد في الجهاز  الذي أدمن التعامل السري الفردي والمنفصل فلم يصنع تجربة جماعية، ولم يشكل حالة متآلفة، ولم يخلق تنظيما فاعلا كما فعلت الانتفاضة أو التجربة الاعتقالية العظيمة.

 آثام لبنان

       عاشت الثورة في لبنان أكثر من سنوات عشر ذهبية (1971 ـ 1982) وبالقطع هي استفادت من تجربة العمل في الأردن، فهي خرجت من هناك محملة بالخطايا، ليس أقلها إهمال الدور الوطني الأردني فكان للبنانيين الحركة الوطنية اللبنانية التي قادت التيارات الوطنية والتقدمية ضد تيارات الانعزال والتغريب، لقد كان في هذا الفهم الجديد من التحالف مع هذه القوى نقدا لتجربة الثورة في الأردن التي لم تلتفت كثيرا للقوى الوطنية الأردنية إلا من خلالها وعبر اندماجها فيها وفي ذلك ما فيه من إنكار لمثل هذه الوطنية في ظل علو الصوت القومي، وتمثيل الثورة الفلسطينية آنذاك لحقيقة النشاط التحرري، والفكر التقدمي والنهج النضالي الذي لا يعترف إلا بصب كل الجهود في بوتقة الفعل الثوري.

       لقد قام الفكر الفلسطيني في لبنان على تحقيق استقلالية القرار الوطني الفلسطيني في ظل الجغرافيا السياسية العربية الضاغطة، وتحالفت الثورة مع الوطنية اللبنانية بكافة طوائفها فحققت تلاحما بدا قويا وخاصة إبان الحصار الغاشم لبيروت، وعبرت القوى الوطنية والشعب اللبناني عن ثقته ومحبته وعزيز عواطفه تجاه الفدائيين بنثر الأرز فوق رؤوسهم وهم يخرجون مرفوعي الهامات إلى السفن مغادرين بيروت التي ما زالوا يتغنون بها الى اليوم.

       في لبنان عاشت الثورة أيام عز، ومجد ، وإشراق فكانت القلعة والقوة العربية الفاعلة الأولى في الوطن العربي والعالم، مارست الحوار بالكلمة والقنبلة، فتصد ت للعمليات العسكرية المتواصلة للعدو الصهيوني في الجنوب، وتصدت للقصف شبه اليومي للطيران الإسرائيلي، ووضعت فلسطين على طاولة كل دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة عبر عمليات (أيلول الأسود) الفاقعة، وخدمت الشعب اللبناني، والحركة الوطنية، وقامت بدور تقريبي في كافة الصراعات الحدودية العربية، لقد كانت النظرة لها نظرة محبة واحترام وتقدير شديد، وقامت الثورة بإذكاء روح التمرد والثورة في لبنان والعالم، فلم تخرج المقاومة اللبنانية لاحقا إلا من عباءة الثورة الفلسطينية،ومارست حربا إعلامية فذة وأشياء أخرى كثيرة ولكن للعملة وجهين ولهذه الصورة المشرقة، مواضع عتمة ونقاط سوداء تمثلت بالحريق الكبير الذي شب بين اللبنانيين والسوريين وبين السوريين والفلسطينيين وبين المنشقين وقوات الثورة الفلسطينية، وأن حملت مثل هذه المعارك في الجبل والمخيمات وبيروت مضامين سياسية وفكرية، فما كان لبعض الخطايا والمفاسد أن تحمل مثل هذه المضامين من ما وصل عن بيروت خارج نطاق الجغرافيا وفي مرحلة الركود وانطفاء شعلة النضال المسلح مثل القضايا الأخلاقية والسرقات للبنوك والمحلات والإتاوات واستغلال دماء الشهداء والنزوع للشهوات، حتى طغت مثل هذه السلبيات على مرحلة عظيمة من تاريخ الثورة وجعلت من لبنان الثورة مرادفة للغواية والآثام، وساهم العديد من ركاب هذه المرحلة في تكريس مثل هذه الصورة التي نقلت للوطن عبر (المبعدين) الذين عايشوا الثورة في مرحلة الركود والاحتضار الوطني في الخارج، فكان لهم الحق أن يروا أنفسهم مناضلين مقابل أمثال هؤلاء التوافه الذين احترفوا الرذيلة والسرقة والآثام في لبنان ولاحقا في مرحلة المتعة والسياحة للغالبية في تونس، هكذا كانت الصورة أو هكذا ركبت الصورة فانخرط فيها وأصبح جزء منها عدد من قيادات الوطن المبعدين أو غيرهم ونقلوها لاحقا للوطن، وبقي البعض الآخر مع الثوريين والتطهريين القلة المستمرين منذ عهد الثورة الأول وانتقلوا أيضا للوطن، وفي مرحلة البناء التي تختلط فيها الأسس وتتعدد المقاييس وتتصارع النظم قد تسوء الفوضى فلمن تكون الغلبة في هذه المرحلة؟ إنها للمتشبهه وأزلامهم، للرموز الملوثة وأتباعها، لأمراء الحرب أمراء السلام للذين عاصروا الواقع فاسدا فشخصوه كحقيقة، وعكسوه في أطرهم، إن هذا الشيء من جنس ذاك، وما للتداخلات وضياع المقاييس وتعدد الرؤى وصراع النظم بالشيء الجديد، وإنما هو فكر (متوارث) وواقع متواصل متى ما سادت مرحلة الركود والإحباط ومتى ما ازدادت حدة الصراعات والتوترات ومتى ما انطفأت جذوة الفكر الجامع، الفكر المحرك، الفكر المبدع، ومتى ما نشطت النفوس ساعية لمصالحها الذاتية، وللاستزادة من نصيبها في الثروة والنفوذ والسطوة، هكذا أصبح الأمر في الوطن  ، فما الجديد؟ لا جديد ! لقد تناسخت التجارب وإن بأشكال متعددة إلا أن الفكرة واحدة والفهم متشابه والوعي هنا لا يتجدد بل يثبت ويتكرر، وما هكذا يجب أن تكون (فتح) المستقبل يا أخي نبيل عمرو.

 الانشقاق وحرمة الدم

       حق يراد به باطل، هكذا صور البعض مطالب المنشقين على حركة (فتح) ، فلقد رفع المنشقون لافتات وشعارات حملت مضامين إصلاحية، ومضامين فكرية تقدمية، ومضامين ثورية، ومضامين جماهيرية فأصابت قلوب الجماهير وتسللت لنفوس العديد من الكوادر لكنها كانت عملية انقلابية معد لها مسبقا ومدعومة خارجيا كما بدا لاحقا فكانت حقا في مطالب طرأت بعد بيروت، أو إثر التجربة اللبنانية إلا أنها سقطت في بحر الدم الذي سفحته، دم الأشقاء الذي سال رخيصا لمصلحة الآخرين، دم الأخوة الذي أهدر خارج نطاق التكتيل باتجاه العدو الرئيسي، لقد كان الانشقاق عملية جريئة خبيثة أسقطت حرمة الدم الفلسطيني باسم الفكرة وباسم المنهج وباسم البرنامج وباسم الإصلاح وباسم التقدمية وباسم الثورية ولصالح الغير وليس لصالح أي مما سبق، فأين قيادات الوطن من كل ذلك، أنهم وإن مارسوا القليل من القتل الخاطئ على خلفية العمالة فهم لم يستحلوا دماء إخوانهم ولم ينخرطوا في (لعبة) الانشقاق بل بقوا بغالبهم موحدين وراء القيادة التي اكتشفوا مفاسدها في مرحلة ما قبل الوطن.

       إن صلابة الموقف الوطني الفلسطيني الموحد في الوطن كان أن مثل حقيقة الفعل الموحد اللاحق في إطار الانتفاضة المجيدة، وصلابة الموقف التنظيمي الموحد في الأقاليم أن مثل ديمومة الثورة ،وصلابة الموقف الموحد للأجهزة المركزية لفتح (الغربي، الأمن ، الإعلام، المنظمات الشعبية..) أن مثل تواصل المؤسسات، رغم التراجع الخطير في أسهم الثورة الفلسطينية في المحيط العربي والذي وصل أقصى مدى تراجع له في الخارج مع انطلاقة الانتفاضة المجيدة، حيث بدأ التراخي العربي والتخلي العربي والتراجع الشرقي والبروز الأمريكي الذي أصبح القوة الوحيدة المسيطرة لاحقا أثر حرب الخليج الثانية.

       إن تغير المعادلات الدولية انعكس إقليميا، وتردي الوضع الداخلي انقلب على الذات فكان منذ ذلك الوقت يرتسم شكل جديد لمستقبل حركة (فتح) إذا ما استمرت إطارا صالحا يضم شرائح المجتمع الفلسطيني.

 ماذا رأوا في تونس؟

       باستثناء النشاط الذي ارتبط بالوطن من خلال أمير الشهداء أبو جهاد ولاحقا ذاك النشاط الذي ارتبط بالانتفاضة بعد استشهاده، فإن عمل أطر ومؤسسات (م،ت،ف) وحركة (فتح) في تونس توزع بين العمل السياسي والتعبوي والاقتصادي والإعلامي والأمني، ومع ما يخالط مثل هذه الأعمال من ظواهر تدل على (جدية) أو (عدم جدية)، العمل بحس الرسالة أو العمل استثمارا للوقت بالمال، العمل لتحقيق أهداف وطنية أو العمل لتحقيق المنفعة الخاصة أو المتعة الشخصية، العمل لصرف الموازنات، أم العمل بالموازنات لتحقيق أغراض تخدم مصلحة الثورة، ولأن مجتمع الثورة في تونس كان مجتمعا صغيرا، فلقد كان مجتمعا منفتحا على نفسه، وكما قلنا سابقا تدفن الخطايا في بحيرة العنفوان وفي مجاري القلاع، وتطفو على السطح في البرك الراكدة أو في مراحل التقهقر والاحتضار وهذا ما كان منذ عام دفن القومية وطغيان الانعزالية والإقليمية العربية مع التعملق الأمريكي منذ هزيمة الأمة في العراق، وهزيمة العراق في الكويت، وقتل العروبة بغزو الكويت، ودفن آمال عريضة عاشت خيالا ولكنها عاشت ردحا من الزمن جاءت حرب الخليج الثانية لتدفن حتى هذه الخيالات والأحلام بالوحدة والقومية والحرية والاشتراكية والديمقراطية، إنها مرحلة التقهقر والانحطاط العربي، ومرحلة الركود والتراجع الفلسطيني فظهر ما كان موجودا ولكن مختبئا تحت عباءة الثورة وهالتها وفعلها المتواصل.

       لقد تجرأ الغالبية وتساووا مع الأقلية التي أتقنت تكبير السلبيات منذ عهد الانطلاقة وإبان آثام لبنان وحتى مرحلة السياحة في تونس على المجاهرة بالمفاسق والآثام، وتكبير الأخطاء والمبالغة في الخطايا،ولا جماعة معصومة عن الخطأ، ولا مجتمع مثالي، ولا ثورة مقدسة، فبدت تونس الفلسطينيين بعد العام 1991 كمبغى كبير، وساحة حرب على أجساد النساء من طالبات وموظفات وخدامات، وبرز رجالات الثورة كمرتادي (بار) كبير يعبون من خموره ومسكراته عبا، وصورت الحركة والثورة كبنك كبير لا ينضب، يمتلك المليارات ويبعثرها شمالا ويمينا دون حسيب ولا رقيب، وان كان في كل ذلك قليل من الصحة التي استغلتها الدعاية الصهيونية والعربية والفلسطينية (المعارضة) ضد الثورة فإن عملية التضخيم والمبالغة استطاعت أن تحطم الصورة الناصعة للثورة المدافعة عن الحق العربي، تلك التي آمنت بالفكر القومي الوطني ورفعت السلاح ثلاثين عاما لتكريس الكيانية وبناء الشخصية وتحقيق هدف الدولة في إطار الكرامة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان،وهي الشعارات ذاتها التي يجب أن تصبح واقعا في مستقبل (فتح).

      لقد بدت تونس بعد أن تحطمت الهالة وأزيح القناع وتغيرت المفاهيم،واختلفت الأهداف بدت باهتة غير واضحة خسيسة وضيعة، وبدا كوادر الثورة قطاع طرق، ومجموعة من المحنطين يقودون مؤسسات خاوية يمارسون شم الهواء، ويحشون جيوبهم وحساباتهم بالأموال، و ظهروا كمجموعة من الفسقة والحرامية والأنذال والمتلاعبين بمصائر الشعب وإن كان هذا يصدق على قلة قليلة ما زالت موجودة بين ظهرانينا للآن فإنها للأسف ذات سطوة وذات هيلمان جعل من قيادات الوطن تتحرز من التعامل معها، وتتعامل معها بقدر ما يحقق المصالح، وتتجنبها في كل موقع تستطيع أن تبعدها عنه، وفي هذا المقام وقع الجميع في مشكلة التعميم، فكل مفسدة عمت ولم تخص صاحبها، ووقع الجميع في مشكلة التجريد فما اهتموا بالتفاصيل وإنما أخذت القضايا بإجمالها وأصبح (العائدين) خاصة من تونس يوسمون بما هو سمة القلة القليلة التي شوهت صورة الثورة والحركة ثم السلطة وما زالت، فهل نلوم الكوادر أم نلوم السكوت على هذا الإرث الفاسد بين ظهرانينا؟ فهل يصح أن يبقى كل ذلك في المستقبل ؟؟

 تنظيم الوطن وكلمة حق

       لقد عاش التنظيم في الوطن حياة غير تنظيمية بعيدة كل البعد عن أن تسمى (حياة) أصلا، فالحياة تعني التفاعل بين الأعضاء، ولم يكن في فلسطين فترة الستينات والسبعينات أن تعارف أو تواصل ولو عدد محدود من الكوادر نظرا لطبيعة العمل السري الذي كان يحكمه قيادات الخارج عبر الرسل ولاحقا الفاكس ومن خلال التنظيم الخيطي هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأن الانتماء لحركة (فتح) كان يعني لدى الاحتلال الانتماء لمنظمة عسكرية (تخريبية) تؤدي بالمنتمي لها أن يحاكم في محاكم (التفتيش) الإسرائيلية ويحكم بعدد سنوات عمره وربما أكثر.

       إذن لم تعش فتح حياة تنظيمية أو جماهيرية، تعني وجود الهياكل والأطر والتعبئة والنقاشات على قاعدة الالتزام بينما كان الحزب الشيوعي ذا خط جماهيري ما قبل فتح وتواصل لأنه لم يكن حزب كفاح مسلح فلم يلقى المطاردة من الاحتلال، ورغم كل ذلك فقد تشكل لحركة (فتح) في تلك الفترة ـ وكما يقول النائب جمال الشوبكي من قيادات الوطن ـ قاعدة جماهيرية عريضة استندت إلى:

                                1 ـ رمزية القيادة.

                                2 ـ العمل العسكري.

                                3 ـ صوت فلسطين.

       في الفترة من العام 68 ـ 1980 كانت فتح تدخل على العمل الشعبي والجماهيري بشكل خجول وبدأ العمل من خلال الحركة الطلابية خاصة في جامعة بير زيت وجامعة النجاح، وفي المقابل كانت الحياة التنظيمية الحقيقية هي حياة السجون والمعتقلات التي نظمت بشكل متقدم وضبطت فكريا وسياسيا وهيكليا فخرجت سجون التثقيف والكراسات عددا من القيادات التي قادت الجامعات لاحقا والانتفاضة المباركة ثم أطر (فتح) والسلطة الوطنية.

       لقد كانت الجامعات بؤر استقطاب وقلاع مناضلين كما كانت السجون، وكان كلا الإطارين في تفاعل فالذي يخرج من السجن يتم تلقفه للعمل في إطار الاستقطاب السياسي في الجامعة، والذي يعتقل من الجامعات ينتقل الى جامعة جديدة ويتواصل. بدأ العمل الطلابي النقابي (الجماهيري) تحت عنوان العمل الاجتماعي برعاية ودعم خليل الوزير (أبو جهاد) وجهد عشرات بل مئات الكوادر المتقدمة، فكانوا يقومون بعمليات النظافة وقطف الزيتون وذلك منذ العام 1981 حيث تشكلت اللجنة اللوائية للشبيبة، أنها تجربة جديدة منفصلة عن الأشكال التنظيمية في الخارج، فرضتها طبيعة الاحتلال، وطبيعة الوطن، وإبداع كوادر الوطن وكوادر الغربي أيضا، وارتبط بهذه الأطر تنظيم جماهيري شعبي محسوب على حركة (فتح) وإن لم ينتمي وإن لم يتثقف وإن لم يدرس الكراسات أو الجلسات الحركية ال 12 أو أدبيات الحركة، وجماهير فتح هذه كانت خارج الجامعات ، وفي الجامعات التي بدأت فتح تكتسح مقاعد مجالس الطلبة فيها بسطوه العمل العسكري لا البناء النظري بداية من الأعوام 1981-1982 وانتقلت من داخل أسوار الجامعات إلى أطر النقابات التي بدأت تتحول إلى (فتح) أيضا.

 الجامعة والمعتقل:

       لقد شكلت- كما أسلفنا- كل من الجامعات والمعتقلات مراكز  الاستقطاب الفتحوية، فكان من يخرج من السجن يدرس في الجامعة ليصبح بؤرة استقطاب، فتخوض الحركة (الشبيبة) الانتخابات في الجامعة ويؤدي فوزها الى عرس وطني في كل الوطن، وعلى نفس الأساس كان إضراب المعتقلين يتحول الى اعتصام وطني في الشارع الفلسطيني، وكانت مثل هذه النشاطات والفعاليات النضالية أن مثلت مقدمة أو بداية جذور العمل الوطني المتواصل (الانتفاضة) وخاصة منذ إضراب سجن نفحة عام 1980.

       لقد رسم الاحتلال سياساته على أساس منع بروز قيادات فلسطينية في الداخل لاعتقاده أن قوة مثل هذه القيادات ان نمت وتطورت تؤثر عليهم وفي أذهانهم ما زالت عالقة تجربة انتخابات البلديات عام 1976 التي أقلقتهم وأرعبتهم،فكان قرارهم بألا تتكرر، وثانيا كان الاحتلال يرفض الإبعاد للمناضلين لاعتقاده أنه بذلك يعطي شرعية ل(م،ت،ف) ودار جدل طويل في (إسرائيل) حول الأبعاد أم لا لتكون النتيجة إقرارهم بالإبعاد وألا يبقى الكوادر المناضلين في الوطن.

       وعليه أدت عمليات تبادل الأسرى إلى إطلاق سراح عدد من المناضلين في السجون وإبعادهم إلى الخارج، إلا أنه في العام 1985 تم الإفراج عن 5000 معتقل، وبقوا في الوطن ومنهم من دخل الجامعات فبرزت رمزية هؤلاء، وبدأت هالة القداسة التي أحاطت بقيادة الخارج تنتقل لبعض كوادر وقيادات الوطن من المعتقلين والمفرج عنهم الذين أثروا العمل الوطني وأثروا فيه وقادوه الى أن جاءت الانتفاضة، لقد حطم هؤلاء الأصنام وصنعوا دينا جديدا واختطوا طريقا سيؤثر على مسيرة فتح ومستقبلها.

 انتقال مركز الثقل

       من جباليا لكل قطاع غزة، ومن بلاطة والدهيشة إلى كل الوطن هكذا انتشرت الانتفاضة المباركة التي ابتدأت عام 1987 والتي ظن الكثيرون أنها ستستمر أسبوع أو أسبوعين وتنتهي ولكنها تواصلت سنوات مشتعلة، وأيام نور، ومساحات أمل ولم تنطفئ خلال أيام لماذا؟ يقول النائب جمال الشوبكي أن نضوج تجربة الجامعات وتبلور الفكر والتجربة الفتحوية فيها كان من أسباب التواصل، ولأن اليأس السياسي الذي خيم على المنطقة العربية وخاصة بعد الخروج من بيروت والانشقاق ومحاولات جمع شتات (م،ت،ف) في ظل تيارات الرفض الجديدة، ومؤتمر المجلس الوطني في عمان ومحاولات تجاوز (م،ت،ف) ومحاولات إسرائيل خلق قوى سياسية موالية لها، وتواصل الاستيطان ونهب الأراضي وتدمير المنازل وقتل الفلسطينيين إضافة للوضع الاقتصادي المتراجع في فلسطين منذ العام 1986 كلها كانت عوامل أشعلت أو ساهمت في انتشار جذوة الانتفاضة والتي قويت بكوادر متمرسة ومبنية ونشيطة هي تلك الكوادر التي خرجت من السجون إلى فضاء الوطن عام 1985.

       لقد خلقت السجون علاقات اجتماعية وسياسية وفكرية بين أعضاء الوطن من جنين إلى رفح، في الوقت الذي زرعت فيه أساليب عمل قطاع الغربي عقلية التشكك والخوف والسرية المطبقة والفردية والحذر، لقد كان الأجدر الممازجة بين أشكال العمل الجماعي والسرية وإن كان يظن شيء من التناقض في هذا الأسلوب،إلا أنه مدخل التفاعل والترابط وبناء الحياة التنظيمية والتفكير المستقبلي وخاصة في الأطر النقابية والجماهيرية التي تصبح الأرضية الخصبة تحت أي مسميات للاستقطاب الفكري والعسكري .

        إن كنا لم نستطع فهم المرحلة تلك بشكل جيد فإن روح الفريق وبناء الثقة بالنفس والآخرين عبر الغرس العقائدي والثوري كان من الممكن أن يشكل الدرع الحامي لمثل هذه المجموعات، وعموما هي تجربة لم تجد لها حظا من القبول ولكل عذره، والنتيجة أن تجربة القطاع الغربي على أهمية منجزاتها العسكرية لم تبنِ تنظيم متفاعل في الوطن، وقامت الجامعات والمعتقلات بهذا الدور الكبير.

       كتب البيان الأول للانتفاضة بالتنسيق مع أول الرصاص أول الحجارة الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) وتواصلت بيانات القيادة الموحدة التي كانت تشكل اليوم لتعتقل غدا ولكنها استمرت رغم سجن كل قيادات الانتفاضة، قيادات الشبيبة وازداد احترام وثقة الجماهير لحركة (فتح) بالعمل العسكري المتواصل ثم بفعاليات المد الوطني عبر الانتفاضة حيث كان المواطن العادي يرتب برنامجه اليومي وفق بيان القيادة الموحدة للانتفاضة.

 لكل شيء إذا ما تم نقصان

       يقول النائب جمال الشوبكي أحد قيادات العمل الوطني في فلسطين أنه بعد السنة الثانية من الانتفاضة اقتصر العمل على كادر محدد بعد أن كانت قبل ذلك يشارك فيها كل شرائح المجتمع من نساء ورجال، وفي ذلك نقول أن الشعوب تحتاج لفترات توقف تلتقط فيها الأنفاس وتستعيد نشاطاتها وتنطلق مجددا بعد أن تعيد ترتيب أولوياتها، وإعادة لملمة صفوفها، وشحذ أسلحتها، وتعديل خططها، ورسم أهدافها الجديدة.

       وعلى قدر ما كانت الانتفاضة شحنة عالية من الغضب، وشحنة عالية في المستقبل، وشحنة عالية من المعنويات، وشحنة عالية من الفعل النضالي، وشحنة عالية من إمكانية تحقيق الأهداف والآمال حتى أنها دخلت كلفظة كل لغات العالم، وعبر العالم بأجمعه عن تأييدها ودعمها بأشكال مختلفة، على قدر ما أحدثت تفاعلا عريضا بين كافة قطاعات الشعب، ودمجت كافة كوادر وقيادات الحركة في الوطن في

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر