إخفاقات حركه ( فتح ) والقدرة على النهوض
إخفاقات حركه ( فتح ) والقدرة على النهوض
في الساعة الثامنة وخمس دقائق بتوقيت القدس الشريف من مساء الثلاثاء 14 مارس 2000، دار الحوار ولمدة ساعتين في برنامج الاتجاه المعاكس بين الأخ هاني الحسن المفكر العروبي و السياسي المعروف وبين السيد عثمان العثمان الكاتب والباحث كما عُرف في البرنامج ، ورغم أنني اتفقت مع إدارة البرنامج وقبل بثه بساعتين على الأقل لأقدم مداخلتي ، ورغم محاولاتي اللاحقة أثناء البث المباشر للبرنامج للحديث إلا أن كل ذلك لم يثمر لأسباب أرجو ألا تكون مقصودة .
لعلي في ظل فحوى ما دار من حديث أجد من الضروري القول أن الأخ هاني الحسن صاحب الشفافية والطلاقة الفكرية كان حليما واسع الصدر الى حد التهاون أحيانا ، مقابل السيد العثمان الذي تكلم باندفاع وطوباوية يحسد عليها ولكنه تهجم على حركة (فتح ) ، تهجم بشكل ثأري وبطابع استرجاعي لحقد قديم _لم أفهم دوافعه الحقيقية _لقد كان الرجل يشن هجوما مستندا لقراءات مجتزأة من تاريخ تنظيم ، كان وما يزال أحد أكبر التنظيمات السياسية التي قادت الشارع العربي في مرحلة من المراحل وأثرت في المحيط التحرري العالمي ، وما زال يقود الشارع الفلسطيني في الوطن .
لقد جانبه الصواب في الطعن بالكليات دون الالتفات للتمايزات فوضع 43 عاما منذ تأسيس (فتح)و35 عاما منذ انطلاقتها بشكل مضلل في توصيف غير علمي وثأري حينما قال بأن (فتح)ورقة (مستهلكة ،غير قادرة ،عاجزة) ؟!ومن كان القادر أذن!في الأعوام 1965و 1968 و1980 و1982 و1987 هذا على الأقل !!وكنا سنقول له أن إطلاق الأحكام في ظل عجز سبر أغوار الوقائع يفضي إلى الأحكام غير الصائبة كما بدا واضحا منه، لأننا في مقابل ما ذكر وضعنا أن (فتح )كانت _وأظن ما تزال _متجددة متواصلة متغيرة.
لم افهم كيف لأكاديمي أن يستخدم لغة المستحيل !وهو يعلم أن الفكر والتخطيط والتنظيم والإدارة …الخ كله مبني على الاحتمالات وعوامل التغيير فليس ( بمستحيل لفتح أن تحقق إنجازات …) كما قال لا فض فوه لان الحوادث والمواقف مرهونة بعوامل التأثير والزمن و إرادة الرجال والوضع الذاتي والموضوعي الذي يشطب المستحيل ويقرر الإمكانية لحدوث الشيء من عدمه في ضوء ما سبق .لقد طغت اللغة الثأرية على لغة الأكاديمي فتاه العثمان حيث عاد مرة ثانية لينفي ما لم يثبت ، عاد لينفي تمثيل (فتح ) للشارع الفلسطيني مغفلا المراحل ومسقطا الفترات ومتناسيا ان (فتح) لم تدعي ذلك فهي ليست تنظيم دكتاتوري يحتكر الساحة والناس والأشياء كما هو شأن تنظيمات نعرفها ويعرفها الباحث والكاتب تحكم وتتحكم وتكمم وتدعي التقدمية . ان حركة (فتح) كانت وما زالت أكبر التنظيمات الفلسطينية المؤثرة في الحدث الصانعة للفعل بحلوه ومره بصوابه ودلائل خطئه.
ان محاكمة الحاضر بمفاهيم الماضي نقص بالتجدد ،ومحاكمة الماضي بمفاهيم الحاضر إخراج للحدث من السياق ونزع للعوامل عن بيئتها الحقيقية ، وهذا ما فعله السيد العثمان فأجمل الهجوم على مواقف (فتح ) السياسية في المرحلة الأخيرة وأسقطها على جميع المراحل ، كما أسقطها على كل ما يمثله التنظيم من فكر وعناصر وكوادر وقيادات وجماهير _وليس فقط سياسة-لقد أخطأ الأكاديمي متعمدا.
ان السلطة الوطنية الفلسطينية مشروع (فتح) وغيرها وليست السلطة (فتح) والطرفان جزء من (م.ت.ف) دار كل الفلسطينيين باتجاه الدولة المستقلة ، وفتح وغالب التنظيمات تشارك في قيادة المرحلة . وفتح ليست (مهترئة وعاجزة) كما يقول السيد العثمان لأن التنظيم الذي يخوض صراعات التواجد في خريطة المصالح الإقليمية والعالمية ، ويسجل الفخر للفعل الفلسطيني ويتسم على الدوام بحيوية العمل اليومي والسعي المتواصل للتغيير في عمق أزمته الذاتية هو تنظيم متجدد وليس غير ذلك.
أن (فتح) تخوض صراعا داخليا _وهذا في ظني ليس بخاف على أي مطلع وقد يكون خاف على السيد العثمان _ وفي الصراع إيجابية التوليد للفكر وإيجابية التجديد للمفاهيم والهياكل وإيجابية التخلص من القديم الفاشل واستبداله بالجديد المتواصل متى ما أحسن إدارة الصراع . ان (فتح ) لا تتهيب الإعلان عن أزمتها الداخلية_ وهي أزمة التنظيم أو الحزب عموما في العالم الثالث حاليا _ لذلك فهي تعاني من خلل العلاقة بين القيادة التاريخية ومنها تلك المنتخبة في المؤتمر الخامس للحركة عام 1989 أي منذ 11 عاما وبين القيادة المتحفزة للتقدم ، وبشكل آخر بين القيادة الحالية المزيج من التاريخية والواثبة في الصدارة وبين قيادة الفكر وقيادة الشارع وليس في ذلك ما يعيب ، وليس في ذكره الا ما يثبت ان (فتح) تختلف في السياسة وتختلف في التنظيم وفي الاجتهاد و حتى في منابع الفكر أو العقيدة ولكنها لا تختلف على أولوية فلسطين وفي احتضان التنوع ولا تختلف بضرورة التواصل ولا بضرورة الاكتساب من خلال التجربة ولا تختلف بالحفاظ على الإطار العام للعبة أو النظام ولا تختلف على التخلص من الدم الفاسد وان طال المرض ، وقد تختلف (فتح) حول فهم شخصية الرئيس ياسر عرفات ولكنها والشعب الفلسطيني لا تختلف على ضرورة وأهمية ودهاء أبو عمار محليا وعربيا ودوليا ، انه الجامع المشترك الأعظم لتناقضات الساحة الفلسطينية والعربية ، والمدرك لعظم المسؤولية وتقاطعات الساحة الدولية .
في معرض الحديث عن أوسلو والسياسة والتنظيم والنتائج ، وهل أثر كل ذلك كما يقول العثمان على قيادة (فتح ) ؟! نقول بلى ، ففي فتح حاليا قيادة قادرة ولكن مستنكفة كما هو شأن الأخوة أبو ماهر وأبو اللطف ومحمد جهاد وموقعها ما زال شاغرا ، وقيادة قادرة ولكن غير منخرطة بشكل كامل في العملية السلمية أو التنظيمية كما هو الحال مع الأخوة هاني الحسن وعثمان أبو غربية وصخر حبش …وهناك قيادة ممارسة للفعل التنظيمي أو السياسي ولكن بعضها منقطع جزئيا عن الإرث التنظيمي والتواصل الفكري والغنى النظامي والتراكم السياسي ، ان هذه فتح القيادة في مواجهة أزمة الكوادر والجماهير التي يطول شرحها والتي تنبع في معظمها من الهلهلة الإدارية والضعف التثقيفي ونقص الإرادة الفاعلة .إنها في صراع كما ذكرنا والصراع لا تتهيب منه(فتح) فهو الرحم المنجاب للفعل والتغيير والتقدم كما يقول الأخ هاني الحسن، وفي ظل كل ذلك يحصل التكتيل باتجاه الحق الذي يزهق الباطل وان طال الزمن أو غابت العلائم!
دعونا نترك السيد العثمان وخيالاته التي صورت له كل مآسي الأمة بسبب حركة (فتح ) بكلام أقل ما يمكن توصيفه أنه تبسيطي ومضحك ، ودعونا نرفض اغراقاته في رؤية الحاضر المتجدد بقوالب تفكير الماضي التي عفى عليها الزمن ، ودعونا نرفض القوالب الجامدة التي أسقطها بشكل مطلق في لغة غير علمية نلتمس له فيها عذر الطوباوية أو الرغبة في جعل الأهداف حقائق كما هو شأن الفكرة والورقة. ما هكذا يفكر الثوار ولا السياسيون وربما نكرر القول للرجل بما ذكرناه ان (فتح ) صنعت ثورة وهي أخطأت كثيرا ، وتمادت كثيرا ربما وعاشت أزمات وكبت ونبت ،ولكنها كانت لا تستكين بل تتواصل وتقود الأحداث من عمقها العروبي الإسلامي ، وفي ظل الممكن والبناء والاستمرار بفكر الإبداع والتطور والذي هو الفكر الذي لا يموت.
لقد تميزت (فتح)_ وهذا وكل ما سبق ليس دفاعا ولكن قراءة في الواقع _ بالقدرة على الاعتراف بالأخطاء والأزمات و الاخفاقات وربما صعب عليها معالجتها جذريا وتعاملت معها بالمرونة أو بأسلوب التغاضي أو بمنطق التصالح والعفو ، ولكنها حققت القدرة على الانطلاق والنهوض بعد كل كبوة . لقد صنعت الجماهير تنظيماتها وقادت التنظيمات الجماهير وصنع الفكر روح التنظيم فأسكنها في أجساد قادة عظام كانوا يسلمون الراية من شهيد إلى شهيد ، وهكذا كان الحال في تنظيمات التحرر والتغيير والتجدد ومنها كانت (فتح) ، ومنها كان أبو اياد و ابو جهاد وخالد الحسن وكمال عدوان …الخ رحمهم الله جميعا ، ومثلهم من الأحياء. ان الإيمان بالهدف المرتبط بالفعل دون كلل ولا ملل ، وبدأب النمل وإصرار المحترفين لا يطفئ جذوة فكر كفكر خالد الحسن ومحمد غنيم وصخر حبش وأبو علي مصطفي وصالح رأفت …وغيرهم.
قد لا أكون مسرورا لعدم قدرتي على محاورة الأخ هاني الحسن أو السيد عثمان العثمان أثناء البرنامج ولكنني قد أجد في مساحة الكتابة هذه ، ما يجعل من إمكانية التعبير دلالة على رحابة الديمقراطية وسلاسة التواصل .
غزة في 15/3/2000 .