الإرهاب الروحي والانتفاضة المنتصرة


الإرهاب الروحي والانتفاضة المنتصرة

 

        كثيرا ما يعتريني شعور بالسخط والغضب الداخلي عندما أقرأ أو أسمع دعوات حماسية صاخبة ، أو شعارات مدوية تدعو بشكل تبسيطي غريب إلى تصعيد الانتفاضة ؟! وأغضب أكثر عندما يتلعثم الكاتب أو المحلل السياسي عندما ُيسأل عن كيفية التصعيد ؟ حيث يرد قائلا أن هناك طرقا كثيرة ، أو يقول أن الشعب الفلسطيني يعرف طريقه أو يقول غير ذلك مما هو بسيط وعام وغير محدد ، ولا يأخذ بالاعتبار العمق المطلوب في النظرة للحدث (الانتفاضة ) ، ولا يجهد نفسه في التحليل لعوامل القوة والضعف وتشابك المصالح والطبيعة المعقدة جدا للصراع العربي الفلسطيني – الإسرائيلي ، وبالتالي المعادلة الجديدة التي بلورت الانتفاضة مخرجا إلزاميا من مسار التسوية العبثي الذي دخل منذ عهد نتنياهو في مرحلة الشطط والانحراف المتعمد والمماطلة إلى حد الخروج الإسرائيلي في عهد شارون وبشكل فاضح ومتعمد عن مسار التسوية والسلام

 الشعارات والحقائق

       أن الشعارات الصارخة والدعوات الحماسية والرؤى الميتافيزيقية لا تلغي الحقائق ، كما أن التعبئة المفرطة في حماسيتها ، والتحريض المبالغ فيه قد يضعف المقاومة ولا يصعدها ، لأن الأهداف من مواصفاتها – حتى لو صيغت كشعارات – قابليتها للتحقيق ، و إلا تحولت إلى أمانٍ وأحلام وأحيانا إلى خرافات تجر الأساطير 0

       ان الشعارات التي تعبر عن نبض الشارع ،هي الشعارات التي تجسد حقيقة الأهداف أي قابلية التحقيق ، ولا تتأتى هذه القابلية من حلم رومانسي أو إيمان خارج نطاق الطبيعة غير مسنود بفعل ميداني ولا تأتي من دعوات وصلوات وأصوات عالية إلى حد البح والكح

 الانتفاضة المنتصرة

       الانتفاضة المنتصرة هي الانتفاضة التي تتساوق فيها الفعاليات الشعبية والميدانية والمؤسسية والسياسية ، وكلها في الإطار الفلسطيني الداخلي ذي المرجعية الواضحة ، تتساوق مع الموقف السياسي والمادي العربي ، ولا تتعارض مع الأرضية المشتركة والغطاء السياسي الأوروبي، ان الانتفاضة المنتصرة هي التي تعلي من شأن الإرادة البشرية نعم ، ولكن في حدود الفهم لمستوى القوة المتوفر ، ولمساحة الحركة المتاحة ، ولقدرة المناورة بجسم الانتفاضة ضمن القوة المتوفرة في مساحة الحركة المتاحة 0

       ان قوة الانتفاضة في شعبيتها وتواصلها دون حد الإنهاك الجماهيري الذي قد يجعلها سكينا في النحر ، فترتد إلى صدر الوطن عصابات و أزلام وفوضى وعبث ! وقوة الانتفاضة في لجم التشتت ومحاولة رأب الصدوع وتوحيد المنهج والمرجعية المفتقدة حتى الآن ! وقوة الانتفاضة في اتزان الخطاب السياسي والشعارات دون إسفاف أو مزايدات حزبية فارغة ستدمر المسيرة وتحرف أسس النضال ... وقوة الانتفاضة في عدم الانحراف عن رؤية السلام في نهاية النفق ، والتمسك الواضح بهدف الدولة المستقلة في إطار الجوار الإقليمي أي في ظل وجود العدو الذي نفاوضه وسنتحرر منه . وقوة الانتفاضة في عدم استفزاز مشاعر الناس وتصعيدها إلى الحد الأقصى الذي لن نتمكن فيه حكومة وتنظيمات ومؤسسات وكوادر أن نحقق لها ما نرفع من شعارات براقة هي أحلام لا تتفق مع موازين القوى وطبيعة الصراع ورؤية المتغيرات.

 الإرهاب الروحي وقوة الانتفاضة

       وقوة الانتفاضة في عدم التلاعب بالنفسية الفلسطينية أو ممارسة (الإرهاب الروحي ) بحق الجماهير التي تتغذى من بعض مزاودي اليسار واليمين بشعارات نارية تصبح من مشمولات أفكارهم ، ولا يمكن لهم في نفس الوقت – لا لليسار ولا لليمين – أن يبلغوا تحقيقها ... وعليه فان حدود القوة المتوفرة للإرادة الفلسطينية ليست مطلقة أو غير مقيدة ، بل هي محدودة بفهم الواقع الفلسطيني وقدرة الشعب العالية ولكن ضمن حدود الفعل والمناورة الممكنة وفي إطار المساحة المتاحة 

 القوة ومساحة الحركة

       تتحرك القوة بإرادة الفعل لتحقيق الأهداف في إطار المساحة المتاحة، وهذه المساحة المقصودة هي مجال الحركة الممكن وطنيا ، والمدعوم إقليميا ، أو القابل للتأييد عربيا والمقبول نسبيا عالميا وخاصة أوروبا ، و المسكوت عنه أو المدان نسبيا أمريكيا ... وعليه لا فائدة من دعوات تدمير إسرائيل أو ( أحصهم عددا وفرقهم بددا ولا تبق منهم أحدا )  وإلا تحول النضال إلى دعوة صوفية تتأمل وتسعى لتمرين الروح وتهذيب الجسد بانتظار الكرامات والمدد ؟! أو إلى دعوات سلفية تقارن السحيق بالجديد، وتضرب المثل متجاوزة آلاف السنين والزمن ملغية العقل والمتغير ومتوقعة عند حد الضرورة في انتصار البروليتاريا أو عودة الخليفة ، في أحلام غيبية تهمل السعي بانتظار أن تمطر السماء ذهبا أو فضة !

 الغضب والنصر

       ان هدف الانتفاضة الرئيس هو السلام ، وهدف الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها هو الحرية والكرامة والعدالة في إطار أهدافنا الوطنية التي تقدس السلام كقيمة عادلة ، والمنحرفون عن السلام هم حكومة شارون وسدنة الحلم الصهيوني المتهاوي من أباطرة اليمين وصوتهم الخارجي بيريس 000 وعلى مثل هؤلاء كان يجب أن نسخط ونغضب ولسياساتهم نقاوم ، وما السخط على المتلعثمين من أصحاب الدعوات والشعارات إلا لأنهم أصحاب النظرات الضيقة أو غير المكتملة أو التي لا ترى الألوان في العمل  السياسي والتي تقود الشعب الى الإحباط واليأس ، وحينما يأتي النصر لا يجدونه هكذا ، و إنما قد ينظرون له استسلاما وهزيمة ، ويستمر الغضب

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر