الانتفاضة تُدخِل (فتح ) عامها الثاني


الانتفاضة تُدخِل (فتح ) عامها الثاني

        الانخراط الميداني وإشعال المبادرة والفكرة الملهمة والحشد الشعبي تمثل  القواعد الأربعة الذهبية - برأيي- للانتفاضة المباركة انتفاضة الأقصى، انتفاضة القدس، انتفاضة الاستقلال... فلقد شكلت الفكرة الملهمة  وقود الفعل وبطارية الشحن لكوادر الانطلاق، حيث صيغت (الفكرة) المرتبطة بالعمق الإيماني المتجدد أيديولوجيا وحضارياً ووطنياً الدافع وعود الثقاب للكوادر الميدانيين لإشعال  نيران مبادراتهم المتواصلة.

المبادرات والانخراط الميداني

       وشكلت المبادرات الفردية والجماعية في مناخ من الحرية، ومساحة مفتوحة للعمل تجدداً وتغيراً ظهر في كل مرحلة ومع كل تطور  للحدث السياسي والميداني... لقد ارتبطت المبادرات بالحدث وبالفكرة الغنية والأهداف الواضحة: التحرير والدولة والمستقبل الأفضل، كما ارتبطت بإرادة النهوض وقدرة الفعل التي تجلت بأصغر طفل وفي شيوخ عقل الفلسطينيين وحكمائهم.

       وكان لقدرة الكوادر المبادرين - القادة الحقيقيين- أن ادمجوا قطاعات شعبية واسعة في نشاطات وفعاليات الانتفاضة، بحيث إن الانخراط الميداني الكادري الجماهيري كان يتحدد أفقيا دون العودة للهياكل والأطر التي همشت أو سقطت  رأسياً وكذلك الحال بالنسبة لظهور الأجيال القيادية  الجديدة... فتراجعت أطر كثيرة وصعدت أطر بديلة وظهرت تنظيمات كان منها (فتح) لأنها أفسحت المجال  ووفرت المناخ وتمتعت بالمرونة أحيانا الفوضى التي أثمرت نمواً للقيادات الأفقية التي رسمت قواعد تواصل فعل الانتفاضة ممثلاِ بالانخراط الميداني والمبادرة والفكرة الملهمة والحشد الشعبي.

 بين انتفاضتين

       لربما كانت الانتفاضة الحالية اختلفت الشيء الكثير من حيث الصعوبة والمخاطر والشدة وعدد الشهداء والجرحى كما اختلفت بوسائل الإرهاب الصهيونية المستخدمة، واختلفت بطبيعة التقاطعات الداخلية بين القوى الوطنية والإسلامية والأجهزة الأمنية، واختلفت عن الانتفاضات السابقة وخاصة عن الانتفاضة الأولى (1987 - 1993) بكل ما سبق وبدخول عامل الإعلام - إلى جانب العمل الميداني- كسلاح  حاد وبتار ومتاح استخدمه الطرفان، كما اختلفت بتصاعد  وتيرة الدعم الشعبي العربي، وتناقص وتناقض وتذبذب المواقف  العربية الرسمية، وبالجهد الكبير الذي وقع على عاتق الدبلوماسية الفلسطينية في المجالات: العربية والأوروبية والإسرائيلية والأميركية.

 فتح في إطار الانتفاضة

       ورغم مجمل الاختلافات تلك فان تجدد وتطور وإبداع  حركة (فتح) بقي متأصلاً، واستمرت قدرتها على فهم الواقع  والتعامل مع الحدث مربوطاً بالإقليمي والعالمي ثرية وقوية وان كنا لا نغفل دور تنظيمات أخرى، ودور المؤسسات  غير الحكومية، ودور الجماهير غير المنظمة فإننا سنقصر حديثنا هنا عن بعض النقاط التي ميزت حركة (فتح) في إطار الانتفاضة الحالية (2000-2001) حتى الآن :

1.        الإمساك بالحدث: استطاعت حركة (فتح) أن تمسك بالحدث الذي بدأت فيه الانتفاضة، أعادت ترتيب  صفوفها بسرعة دامغة حافظت على الزخم الجماهيري والتواصل النضالي الذي اذهل القريب قبل البعيد، وعكس نفسه عاملاً محرضاً للتنظيمات الأخرى التي دخلت المعترك بعد فترة ليست قصيرة.

2.        مرونة الأطر: ظهرت فتح مرنة، متفتحة، معطاءة،  راعية للفعل، حاضنة للحركة وان كانت المرونة من مميزات فتح منذ الانطلاقة ارتباطاً بالمبادرة وحس التاريخ والثقة بالفوز  والتضحية، إلا أن مفهوم المرونة قد تداخل في مراحل عدة ومنها في الانتفاضة مع الفوضى في الأطر والمراتب والمسؤوليات والأوامر وتعددها وتقاطعها مما حدا بالبعض لان يعتبر  مثل هذه الفوضى أو العشوائية ميزة وما هي بالقطع كذلك!

3.        تعدد المرجعيات: في الفهم التنظيمي والإداري السليم لا يجوز وجود اكثر من مرجعية لشخص واحد، أو إطار واحد، ولكن حركة (فتح) -وللأسف التنظيمات النظيرة الأخرى التي طالتها العدوى - عانت من تعددية المرجعيات منذ زمن، ولكن هذه  المثلبة في ظل انقطاع التواصل الجغرافي، وضعف التواصل الإنساني، وطبيعة الإرهاب الإسرائيلي، وأهمية السرية في كثير من الأمور أعطت دفعاً للمرونة، وعمقت من أحاسيس الكوادر بضرورة الإنجاز بعيداً عن الارتباطات الرأسية بالقيادة أو المرجعيات التقليدية.

4.        فتح الحوار الثري: لم يتوقف - مع تواصل الانتفاضة- الحوار الفتحوي الداخلي حول مفهوم الانتفاضة وآلياتها وتطويرها سواء عبر الجلسات التنظيمية المغلقة أو المحدودة أو العلنية أو الجماهيرية أو المتلفزة مما شكل زخماً ومناخاً متآلفاً وداعماً للفكرة والأهداف، وادمج قطاعات واسعة من المجتمع المدني في النشاطات... ورغم ظهور تيارين أحدهما يدعم تواصل الانتفاضة والآخر يترقب أي فرصة ولو ضئيلة لإنهائها واستثمارها سريعاً.

5.        تعدد وسائل المواجهة: حيث أفرزت الحركة كوادر وقيادات وجماعات متعددة ومتنوعة مارست أشكالا عدة من المواجهات مع الإرهاب الإسرائيلي من مثل الكفاح الميداني، والمظاهرات، والإضرابات ومقاطعة المنتجات أو التطبيع، والندوات...الخ، وظهرت كتائب  شهداء الأقصى وكتائب العودة، وكتائب الشهيد ثابت ثابت وجماعات المقاومة الشعبية كتعددية مثلت انعكاسات للطبيعة المرنة (والفوضوية أحيانا) وانعكاساً لرغبات القيادات الطامحة من الكوادر الصغيرة في مقارعة العدو من جهة واثبات  الذات من جهة أخرى.

6.        التنسيق الميداني: لم تغلق حركة (فتح) سواء بأطرها الرسمية السياسية أو الإعلامية المرتبطة بالسلطة الوطنية وأي من أجهزتها أو غير المرتبطة.. لم تغلق خطاً، ولم تغلق  صلة فتحتها أو كانت مفتوحة من الأصل، وفي مقابل استمرار هذه الصلات قائمة أي بين فتح الإطار السياسي وفتح القيادة الميدانية - القيادة الحقيقية- وفتح الإطار الإعلامي وفتح الأجهزة ومؤسسات السلطة، فان العلاقات مع التنظيمات السياسية الأخرى أصبحت اكثر قوة و طالها شيء من التنسيق رغم ما شاب التظاهرات من مساوئ رفع  الإعلام المتعددة وإطلاق النار بالهواء وظاهرة المقنعين وتناقض الشعارات...الخ .

7.        إدامة الحياة: استطاعت الحركة الوطنية عامة أن تتغلب على مفاهيم ارتبطت بالانتفاضة الأولى من مثل الاغلاقات والإضرابات والتي كانت موجهة للاقتصاد الإسرائيلي، بان أدامت الحياة وابتعدت بفعلها ونشاطها عن الإساءة بأي شكل لمظاهر الحياة الزراعية والصناعية والتجارية... وتولت مؤسسات وأجهزة السلطة مهمة الحفاظ على معيشة الناس واستتباب الأمن والنظام دون منازعة من أحد، إلا ما بدر في بعض الحالات الشاذة والاستثنائية.

8.        الحرب الإعلامية: خاضت الحركة الوطنية الفلسطينية (والوطنية تشمل بالضرورة التنظيمات السياسية الإسلامية) معركة الإعلام بشكل ابرز الحدث (الفلسطيني) وأسبابه وانتشاره وتداعياته عبر عدد من المقاتلين من المراسلين والكتاب والمصورين والصحفيين الذين فرضوا الصورة الفلسطينية والحدث الفلسطيني والمقال الفلسطيني في كل بيت في فلسطين والعالم.... وعلى الصعيد المحلي كان للصحف اليومية الثلاث (الحياة الجديدة والأيام والقدس) وأسبوعية فلسطين اليوم والانتفاضة والكرامة والمنار دورا تعبوياً هاماً إلى جانب الإذاعة الفلسطينية ذات الزخم والامتداد الواسع، وبعض الدوريات الأخرى.

9.        الأجهزة الأمنية و(فتح) : قاتلت الأجهزة الأمنية إلى جانب شعبها وشاركت في صد هجمات الإرهابيين الإسرائيليين على كافة مناطق نفوذ السلطة الوطنية، ودافعت مختلف الأجهزة دفاعاً مستميتاً ضد توغلات الجيش الإسرائيلي في كافة  المدن، ودفعت مقابل ذلك استحقاق النضال والتضحية ممثلاً بعشرات الشهداء الذين تقاطع انتماؤهم بين الجهاز وبين حركة (فتح) تحديداً... فلم يشعر ابن حركة (فتح) وكذلك أبناء التنظيمات الأخرى بأي تناقض بان ينتمي لجهاز أمني مهمته صيانة أمن ومعاش الناس والنظام وبين أن ينتمي لتنظيمه السياسي في مواجهة الإرهاب الإسرائيلي المنظم ...رغم التناقض النظري الواضح بين الأمن والاستقرار وبين الثورة والعنف والنضال.

10.       في سجل الخالدين: سجلت حركة (فتح) عشرات الشهداء في سجل الخالدين مع الصديقين والنبيين وان كنا لا نحبذ ذكر إحصائيات هنا رغم معرفتنا بالأرقام فلأن الشهادة في الدفاع عن الوطنية لا علاقة لها بالانتماء التنظيمي أو السياسي، وإنما تصبح ذات دلالة وطنية أو حضارية أو روحية عامة... وقدمت الحركة آلاف الجرحى والمعاقين في سفر المسيرة الطويل، وسفر هذه الانتفاضة، وكانت حرب الاغتيالات والقتل ضد كوادر (فتح) والحركة الوطنية حرباً جبانة لأنها حرب مداورة والتفاف، حرب القوة الغاشمة ضد الأيدي العارية فراح ضحية الاغتيالات المدبرة خيرة القيادات الميدانية والسياسية والتي لم تمر بسهولة بل تبعتها أو سبقتها عدد من العمليات البطولية ضد قوات العدو وآلاته العسكرية والإرهابية.

11.       فتح حركة العدل والسلام: رغم عنف الإرهاب الإسرائيلي وعنف القوة الغاشمة العسكرية المستخدمة، وعنف القتل والتصعيد والاقتلاع والترويع والهدم، وتعقيد معاش الناس وعزلهم وحصدهم وإهانتهم وتحقيرهم في كل آن وحدث عند كل حاجز رغم كل ذلك واكثر لم تفقد فتح، ولم يفقد الرئيس ياسر عرفات، ولم تفقد الحركة الوطنية إيمانها بالسلام، لأنها آمنت بالوسيلة طريقاً للهدف، ولم تضع الوسيلة هدفاً كما هو الإرهاب الإسرائيلي... فكانت الدبلوماسية الفلسطينية والتحرك الفلسطيني  مرتبطاً بالشرعية الدولية والقيم الحضارية وحق الشعوب في تقرير المصير وإقامة الدولة، فتواصلت العلاقات مع المجتمع الدولي  ومع قوى السلام الإسرائيلية في بحث دءوب عن تحقيق الحقوق الفلسطينية المشروعة والعادلة.

12.       القيادة الحقيقية في (فتح) : قالت الحركة دع ألف زهرة تتفتح في  بستان فتح، فرعت المبادرات وحققت الحشد الشعبي وارتبطت بالفكرة والأهداف وانخرطت في الفعل بعيداً عن التنظيرات الفارغة  و(العلك الفكري) غير المفيد... فأظهرت على مدى المسيرة قيادات عديدة، قيادات حقيقية، قيادات إبداع، قيادات  ميدانية في شتى المجالات الفكرية والسياسية والإعلامية والكفاحية والشعبية...لم تكن القيادة يوماً منصب ولا مهمة ولا موقعا، وإنما قدرة قد تتصاعد وقد تتهاوى، قدرة قد تكبر وقد تصغر  تنتصر أو تنهزم ميدانياً ونفسياً... لذلك ارتبطت القيادة بالقدرة فمتى ما تواصلت استثماراً واستغلالاً وزرعاً وإبداء للاهتمام وتعبئة وتوجيه للآخرين تأصلت وتواصلت وحققت الجذب والالتفاف... ولأنه في انتفاضة الأقصى ضعفت قدرات الكثيرين ممن هم في مناصب أو مواقع مسماة قيادية،  فلقد برزت قيادات حقيقية ميدانية، وجدت من عباءة تقصير تلك الرسمية فملأت الفراغ أغلقت المساحات المفتوحة وتمددت. لقد  انبعثت كثير من القيادات من تحت الرماد أو جاءت من الظل وتصرفت وفق الإمكانات المتاحة لها، وبحسب املاءات الجغرافيا والتقدير والضرورة والمكان.. قيادات لم تأبه بالأطر والمستويات الهيكلية  وتغلبت على صغر سنها بتموضعها وحسن علاقاتها ونظافة سجلها الوطني، لقد انتزعت قيادات الانتفاضة في مجالات  الفكر وبين الجماهير وفي الإعلام والميدان انتزعت مكانها  انتزاعاً بقدرتها وإمكانياتها  وانتشارها دون قرار من أحد، فخلقت في فتح والانتفاضة حركية وحيوية وإبداع  وثراء عز نظيره في مكان آخر.

       خاتمة:

        مع دخول الانتفاضة عامها الثاني بمميزاتها الإيجابية أو السلبية مما ذكرنا أو لم نذكر يدخل العالم في معترك عالمي جديد اثر حادثتي نيويورك وواشنطن، ويدخل في معادلات  دولية جديدة، وفي علاقات ناشئة ستفرض مفاهيم وأفكارا وتحليلات  وأحداث وقضايا ومصالح وعلاقات ستنعكس على وضعنا الفلسطيني وعلى الانتفاضة بما يِؤثر على  فتح والسلطة والقضية الفلسطينية وعلى طبيعة الانتفاضة ومهماتها الراهنة ووسائلها، نحن مقبلون على عالم آخر وانتفاضة أخرى، والذي لن يضر مهما كان بأهدافها الشرعية والعادلة والواضحة ولا بإيماننا بالتضحية وحتمية النصر، وما النصر إلا من عند الله.

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر