التنظيم والخبز والفكر السياسي
التنظيم والخبز والفكر السياسي
مقدمة
عندما نتحدث عن التنظيم (المنظمة)نجد أنفسنا أحيانا وكأننا في الوطن نتحدث عن المجهول أو الخيال ، لان التنظيم (السياسي )بتعريف المؤسسة الصانعة للقرار ، وبتعريف الأعضاء المؤتلفين حول (فكر) التنظيم ، والمنتمين لأهدافه العامة قد لا نراه إلا افتراضا كما هو شأن (دون كيخوت) مع معاركه وأمجاده في مواجهة طواحين الهواء ، ولكنه إجمالا موجود كمادة بشرية وان هلامية تجتمع بالحد الأدنى من الفكرة والروابط والقوانين والنشاطات ، وبكثير من الاتصالات غير المهيكلة وبذلك فهو يحتاج لإعادة انتزاع الفكرة من أحضان المصالح الذاتية ، وإعلائها والعمل بمقتضاها بما يوحد القبائل (السياسية) ويفرض أولوية الانتماء للوطن . إن التنظيم مدخل المطالبة بخبز الجماهير التي تضحك على فذلكة المفكرين متى ما جاعت وتنصت مليا لتسمو متى ما اطمأنت .
يقول (ديكارت ) أنا أفكر إذن أنا موجود لذلك كان الفكر وحرية الفكر والاختلاف ضمن رحابة الحرية هو مما يوحد الناس ولا يفرقهم ! والفكر السياسي _فكر هام جدا _مر في المنطقة بتطورات وقفزات عديدة لكنه ظل في محيط القومي والاشتراكي والإسلامي (أو الاسلاموي) ،وزاوج بين الوطني كانتماء والديني كهوية ، أو بين الوطني والقومي أو الوطني والاشتراكي ، وأثر على مسيرة أجيال أجج فيها مشاعر العداء والمواجهة والثورة على الاحتلال ، وصعد من قيم النضال القومي والطبقي ، وأعلى من الفكرة على حساب الذات …وفي عصر الثورة الاتصالية والتدفق المعلوماتي والعولمة يبقى الفكر (والفكر السياسي )حصنا للمجتمعات التي ترغب بالحفاظ على انتمائها وهويتها وتميزها ، وبشكل أمتن وأقوى في إطار بناء التنظيم وتدعيم عملية الحوار والمشاركة السياسية المستتبعة لقاعدة (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). وفي هذه الورقة سنتعرض بشكل إجمالي لهذه المفاهيم الهامة في التغيير والتطور.
قطيع أم تنظيم (1)
التنظيم (المنظمة) كلمة كثيرا ما تتردد على ألسن الناس في الوطن هذه الأيام ، ويشار إليها حين حصول الاشكالات أو التعارضات أو حالات الشغب ، وكأنها أصبحت مقصورة في الوعي الشعبي حاليا على هذا الفهم ، ولكن التنظيم في الحقيقة ومن زاوية علمية عبارة عن مجموعة من البشر متضامنة لتحقيق أهداف معينة وفق مسؤوليات وأدوار محددة ، وهو مؤسسة أو تشكيل له مهمات عمل محددة . يعرف المفكر (ليترر) المنظمة بأنها وجود اجتماعي طور من قبل الأفراد لتحقيق أشياء لا يمكن تحقيقها بغير ذلك ، وهي تأخذ أفرادا متنوعين ومعرفة (فكر) ومواد أولية وتضعهم في هيكل ونظام ليعبر عن وحدة متكاملة ، لذلك لا يمكن أن يطلق على الحالات الهلامية من الجموع الساذجة والمحرضة ،الغاضبة والمندفعة والمعارضة أو المؤتلفة لمصلحة مؤقتة صفة (التنظيم) حتى لو كان مجموع أفراد هذا القطيع أو التجمع ممن ينسبون أنفسهم بشكل أو آخر لتنظيم ما .
المنظمات في المجتمع حجر الأساس في المدنية الحديثة كونها عنصر التطوير وبناء مكونات الحضارة ، وكونها أيضا قاعدة التغيير المجتمعي ومراكز صنع القرارات أو اتخاذ القرارات ،إن المؤسسات والأحزاب والمنظمات غير الحكومية والأهلية وجماعات الضغط والمصالح الأخرى هي حاضنة التحضر والاتصالات والأدوار الاجتماعية ، وتكوين المفاهيم والعادات والأفكار ، وتمارس هذه المنظمات ( التأثير ) في المجتمعات كجماهير وكسلطة ،وهي وسيلة (وسائل) ضمان عدالة توزيع الخبز و ممارسة الأفراد لأعمالهم ، وتكوين أفكارهم وتحديد سلوكياتهم ، بحيث أن التنظيم يترك بصمته على الأعضاء فنميز بين أعضاء التنظيم الثوري ،والمحافظ والتقدمي والمتطرف ، أو ذاك الوطني أو المتمظهر برداء الوطنية.، وبما يجعلنا نميز بين المنتمي لحركة (فتح) أو الجبهة الشعبية أو (فدا) …الخ ، من طرق التفكير والتعبير والسلوك السياسي ، وكذلك الأمر مع الرواسخ من التنظيمات المجتمعية الأخرى . إن الفكر يصنع التنظيم والتنظيم يصنع الأشخاص .
ولأن التنظيم (المنظمة) بكافة أنواعه ، وبمجمل تفصيلاته يمثل قيادة المجتمع في حقيقة الأمر -في النظام الديمقراطي-فانه يتحمل مسؤولية كبيرة في توفير الخبز و الضغط والرقابة والتوجيه والتحريض والتعبئة وصنع الأفكار والرأي العام ورسم المستقبل أمامه ، وبذلك يمكننا القول أن التنظيم ( جماعة موحدة بشروط محددة وأهداف وأفكار مشتركة وتحكمهم قواعد متفق عليها ، وتجمعهم اتصالات تنظيمية وهيكل ويقومون بعمل مشترك ) وبهذا التعريف نستطيع أن نميز بوضوح الفرق بينه وبين القطيع أو القبيلة أو العصابة أو شلل الزعران أو الجماعات الأخرى .
التنظيم السياسي الفقير (2)
لا يكون التنظيم السياسي تنظيما فقيرا لقلة في الموارد ، وانما لقلة في الفاعلية وعليه فان مطلب الثراء يتحقق بامتلاك التنظيم للصفات التالية :
-خط سياسي وفكر واضح
-بنيان تنظيمي وعلاقات ديمقراطية(وفي الحالة الفلسطينية مركزية ديمقراطية) ، وتعاون وأنماط التزام .
-قدرة على التعبئة والتأثير في الآخرين .
-قدرة على صنع وقيادة الحدث ، وملاحقته.
-بناء وتكوين الأعضاء.
ولكل منظمة (تنظيم) سياسي نظرية سياسية وبرنامج سياسي ينطلق من الأهداف والمبادئ والأساليب والمراحل وتحيد جبهة الأعداء وجبهة الأصدقاء ، وطبيعة العلاقات الداخلية في التنظيم ومع المحيط،وكلها الأساس أو المادة الثرية الحية التي تشكل (فكر) التنظيم ذاك الذي تحكمه القواعد والقوانين في إطار الاتصالات والهياكل والنشاطات التي ترعى الممارسات (تنفيذ الأعمال) .إن التنظيم الثري هو التنظيم الفاعل ،والتنظيم الفقير ليس الفقير بأعضائه أو الفقير بزرعه بل الفقير بعدم الوضوح الفكري المفتقد للبنيان التنظيمي والفقير بعدم القدرة على الحصاد، وضعفه في عملية البناء والتأثير.
التفكير والفكر
قلنا أن أحد أركان بناء المنظمة (التنظيم) أي تنظيم هو توفر الأفكار والأهداف ، لأن الأهداف ما هي بالأصل إلا أفكار تتحول إلى برنامج عمل ومرامي يجتهد واضعها لبلوغها فالأصل فيها التفكير الذي ما هو إلا عملية ذهنية ترسم خريطة أو خطة العمل المؤدي لتحقيق هدف ما أو كما يقول د. لؤي صافي عن التفكير والعقل بأنه يستخدم ( للدلالة على العمليات الذهنية من تحليل وتركيب واستقراء واستنباط للانتقال من تصورات وتصديقات أولية إلى تصورات مركبة ) (3)وبشكل عام فان عملية التفكير تسفر على الدوام عن فكرة .والفكرة في التنظيم السياسي هي الفكرة السياسية ( تصور عقلي لظاهرة سياسية أو موضوع سياسي ) تصبح في التنظيم عبر تنسيق التصورات العقلية هذه وربطها بالنتائج تصبح (نظرية) لذلك يقال أن للتنظيم السياسي فكر ونظرية سياسية قد تتحول إلى مذهب أو أيدلوجية سياسية متى ما رفع من شأن فكر التنظيم أو نظريته إلى مرتبة العقيدة التي يؤمن بها ويستعصي عليه أو يرفض القبول بنقاشها عقلانيا أو طبقا لمنهج علمي .
وفي ذلك يقول الفيلسوف (كلود برنار) :إن النظرية هي الفرض الاختباري الذي خضع لرقابة العقل وللنقد التجريبي ، ولا تظل النظرية صحيحة إلا إذا تعدلت على ضوء التقدم ، ونقدت نقدا اختباريا على هدي ما يظهر من وقائع جديدة . أما إذا اعتبرت النصوص كاملة ، ووضعت فوق الاختبار العلمي فإنها حينئذ تصبح مذهبا (4)والمذهب والأيدلوجية متشابهان لنزوعهما نحو (الكلية النظرية والعملية ) والتي لا تتوفر ضرورة بالفكرة أو النظرية أو الفلسفة . إن التنظيم وعاء ، فلو تصورنا الحياة لا تستقيم بدون ماء أو هواء ، فان الفكر هو الماء والروح هي الهواء والتنظيم وعاء الفكر أي السبيل الذي فيه يتم الاحتضان والتغذية والإيمان والتعبئة والتدريب والتثقيف .
الفكر مضمون حي لذا فهو متطور وغير جامد ، والنظرية كائن خاضع للنقد لذا فهي تتعايش مع ما سواها على عكس الأدلجة والتمذهب الذي قد يفضي إلى امتلاك الحقيقة ونزعها عما سواه . إن الجمود العقلاني من مواصفات أولئك الذين يعتقدون أنهم يمتلكون دون سواهم مطلق الحقيقة ن ولا حقيقة كاملة في العقل الإنساني لأنه يظل قاصرا .
وفي المجتمع الفلسطيني تطور الفكر السياسي الفلسطيني تطورا فرضته طبيعة الأحداث ومراحل النضال وتغير عوامل القوى وموازين الصراع ، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت رائد الفكر القومي في حلة حركة القوميين العرب في الخمسينات إلا أن طبيعة التطورات التي طرأت على العالم ، وأشكال الكفاح جعلتها وبكافة فروعها- التي انبثقت من أصل اللقاء كجبهة- تتبنى الاشتراكية العلمية (الماركسية اللينينية) منذ العام 1968 لتعود و تنتقد التجربة بشكل خلاق فتتخفف منها تدريجيا منذ العام 1991 .
أما حركة (فتح) رائدة الفكر الاستقلالي والتي سعت لتكون بوتقة صهر كافة الأيدلوجيات والأفكار باتجاه هدف التحرير فلقد غيرت عمليا من أسس وفكر الصراع الذي ارتبط لديها بالكفاح المسلح وحرب الشعب ليصبح نضالا سياسيا وديمقراطيا يدل دلالة واضحة على مدى تطور الفكر وقابليته للتغيير ، لأنه صنع إنساني فلا حدود ولا ثوابت و إنما فضاء ومرونة تسقط مفاهيم الامتلاك للمطلق ، وللصواب ، وللحقيقة التي يراها الجامدون عقليا ذات وجه وحيد واحد . إن الفكر قوة إبداعية لأنه يبرز في مواقف تتطلب حل مشكلة أو التصدي لمعوق مما يفترض اكتساب معرفة جديدة ، ومناهج لتغيير البيئة وبما يلبي الاحتياجات ، والتنظيم الذي يحمل خبز ونضال و فكر الجماهير هو التنظيم المتطور ، والتنظيم الذي يدرس نفسية الجماهير ويحترم معتقداتها الدينية هو التنظيم المؤثر ، والتنظيم الذي يحرك الجماهير لدعم قضاياه هو التنظيم المبدع والفاعل.
يقول د.محمد محمود ربيع (5) أن الأيدلوجية كمصطلح تطلق على أية مجموعة من المعتقدات تدور حول ما يجب أن يكون بشرط أن تكون تلك المعتقدات متماسكة ومترابطة منطقيا ويراها البعض ببساطة منظومة من الأفكار تعنى بالظواهر وأسلوب التفكير . وبشكل عام يمكن القول أن الفكرة هي أكثر بساطة وشمولية والفلسفة هي فكرة منهجية والنظرية فكرة تحولت إلى فرض علمي ، بينما المذهب فكرة أصبحت عقيدة . وعود على بدء فان الفكر شأن إنساني ، وهو كائن حي يمر بالمخاض فيولد وينمو ويتطور وينقلب ويتغير ويموت، ولا غنى عنه فمن لا يفكر لا وجود له إلا في المقابر ، ومن لا يعتنق فكرا لا يسمو والفكر قوة إبداعية لأنها لا تستسلم بل تتصدى للحل .
الفكر السياسي
إن الفكرة التي أصبحت عقيدة هي أيدلوجية كما عرفها البعض فيما سبق وذكرنا ، إلا أن د.محمد علي محمد يضيف ان أن الأيدلوجية هي مجموعة قيم أساسية ونماذج للمعرفة والإدراك ترتبط ببعضها وتنشأ صلات بينها وبين القوى الاجتماعية والاقتصادية ويقول(6) نقلا عن (رو برت لين ) أن الأيدلوجية السياسية ( ودعونا نستخدم مصطلح الفكر السياسي المتماسك لضعف استخدام الأيدلوجية حديثا ) تتميز بالخصائص التالية :
-أنها تعالج تساؤلات حول الحكم في الدولة وممارسته.
-تعبر عن جدل وحوار بين وجهات نظر متعارضة .
-وتؤثر في مجموعها بقيم الحياة الأساسية .
-وفي جانب منها تمثل تبريرات لصالح الجماعة دون أن يعني ذلك كل الجماعات ، وتتضمن برنامج للدفاع عن النظم الاجتماعية الأساسية أو إصلاحها أو هدمها .
-وهي ذات طابع معياري أخلاقي شكلا ومحتوى .
-وهي بالضرورة جزء من سياق أشمل يتضمن نسق الاعتقاد بأكمله
لقد اكتسب مصطلح الأيدلوجية أهمية خاصة _أخذت تتضاءل حديثا إلى حد التلاشي _منذ السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ( حينما بدأ الصراع بين المذاهب السياسية يفرض نفسه بقوة على العالم الحديث ، وشهد العالم صراعا بين النازية الألمانية والشيوعية السوفييتية ، والديمقراطية الاشتراكية ، وأيديولوجية الديمقراطية ويؤكد الكثيرون أن مصطلح الأيدلوجية قد شغل مكانة حقيقية في مطلع القرن التاسع عشر بعد أن أسهمت الماركسية في بلورته)(7)
في المشرق العربي ظهر صراع الأفكار (التيارات الفكرية) والأيدلوجيات بحدة منذ دفن الإمبراطورية العثمانية أو قبل ذلك بسنوات عبر تنامي الأفكار القومية العربية مقابل القومية الطورانية التركية والتي تبلورت لاحقا بمدرسة الجامعة الإسلامية أو الجامعة العربية ، لتفرز منذ بداية القرن العشرين الفكر (الأيدلوجية) الاشتراكية والفكر القومي والفكر الإسلامي أو الاسلاموي ، وهذه المدارس أو التيارات الفكرية أو الأيدلوجيات ما زالت بارزة في القرن 21 وان بتفاوت في الظهور الصاخب في ظل عولمة استهلاكية تطحن الأفكار وتعلي من شأن البراغماتية والليبرالية .
إن حرية الفكر حق ضروري وليس حق طبيعي وذلك لان حرية الفكر –في إطار التعددية والديمقراطية –لا تعني التشهير بالآخرين والطعن بهم، كما لا تعني الكذب على الآخرين في أمور معلومة ، ومفهومة ومقررة(لأن إزالة الرواسي أيسر من تأليف القلوب )كما يقول أبو حيان التوحيدي .ومع ذلك يبقي الحوار المفتوح سند الفكر والحرية ومنطلق (اختلاف أمتي رحمة) كمدخل للتآلف .
السياسة والجماهير الجائعة
إن علم السياسة والذي تعتبر الأفكار وعمليات التثقيف السياسي من مكوناته هو علم تعلم الحقائق وإدراكها للوصول لأحكام ، انه (علم الدولة وعلم السلطة وصناعة القرار، فهو يبحث ضمن ما يبحث في فصل السلطات وطرق التعبير عن السلطة والسيادة ويتناول أفكارا سياسية وأيدلوجيات …)(8) السياسة في اللغة العربية كما يرد في لسان العرب أتت من السوس بمعنى الرياسة حيث يقال ساسوهم سوسا والسياسة أيضا بمعنى القيام على الشيء بما يصلحه ويقول ابن خلدون أن (الملك هو السياسة) والسياسة كما يقول المفكر العروبي خالد الحسن هي فن الصدق مع الجماهير والمناورة مع العدو وتحقيق العدالة في إطار الممكن .لذلك فان للسياسة والتنظيم والفكر ترابطا بحبل مجدول يأتي من أن السلطة أو الجماهير تحتاج لتلبية مصالحها واحتياجاتها وتبني متطلباتها إلى وعاء أو إطار أو مؤسسات وهي مجمل المنظمات (التنظيمات)وفيها ومنها تتحول هذه الحاجات إلى أفكار تؤثر بالضرورة في المجتمع والدولة والسلطة والقرار.
إن الجماهير الجائعة لا تفكر ، والجماهير الجائعة لا تهتم لا بالساسة ولا بالسياسة وتظل قنبلة موقوتة في ظل البطالة أو الخوف أو الاثنين معا ، تتحفز لأول بصيص ضوء للانقضاض على رقبة النظام .إن الجماهير تحتاج أولا لتغطية متطلباتها الأساسية (الأولية) من مأكل ومشرب ودفء ونوم وسكن ثم ثانيا لتحقيق أمنها وطمأنينتها وشعورها بالاستقرار وعدم الخوف على النفس والمال والنسل والرأي والعقل ، وعليه فان السياسة من حيث هي فن الصدق مع الجماهير يجب أن تصاغ لتحقيق هذه الاحتياجات (الأهداف)الأولية ، وبلا فكرة أو فكر وطني يتعاطى سياسيا مع هذه الاحتياجات تفتقد السياسة مبرر وجودها وتنتزع حكمة وجودها ، ويفتقد الفكر ووعائه _التنظيم _فعاليته وتأثيره في الناس والمجتمع. لا سياسة صالحة في ظل الاحتلال ولا تنظيم يلقي بلواء ثوريته أو خبز الجماهير أو وطنيته في أتون كابوس الاحتلال ، فالتنظيم في هذه الحالة سيف إرادة ومعول بناء.
التنظيم في قيادة السلطة
أن التنظيم(المنظمة) السياسي أو التنظيمات التي تتداول على السلطة يجب أن تكون أداة القضاء على الفساد والتخلف، وأداة بناء أسس النظام السياسي الجديد، والتنظيم السياسي في المجتمع الديمقراطي في هرم سلطة الدولة يهتم بمصلحة المواطن واحتياجاته المادية والمعنوية فيقوم بتوفير الحاجات الفسيولوجية له (مأكل ، مشرب، دفء، سكن، .. ) وحاجات الأمن والأمان كما سبق وأشرنا وهو أيضاً يوفر الحماية للنظام السياسي الجديد، كما يقوم في إطار الشفافية بضبط ومحاسبة ومراقبة حسن التنفيذ أو التوافق لتطبيقات (المنظمة) لما طرحته من أفكار وأهداف وبرامج قبل تسلم السلطة. وأيضاً يلعب التنظيم دوراً أساسياً في تطوير الأعضاء عبر تدريبهم وإدماجهم في نشاطات السلطة كما هو أداة تطور الأفكار وتغييرها بما يتفق مع التغيرات البيئية. (9) أن التنظيم اشتقاق من النظم والتنظيم والترتيب لذا لا تنظيم ذو فكر سياسي يسقط حكمته وينصاع لموجات الحقد أو الثأر أو التشفي أو الفوضى إلا إذا كان هذا التنظيم خَرِب الفكر، هلامي العضوية، لا تحكمه قوانين أو دساتير مما يسهل تسييره بحسب قوة الجموع الثائرة غير المنضبطة . أن الفكر يقود التنظيم والتنظيم يقود الجماهير، والجماهير تصنع التنظيم .
أن التنظيم ( المنظمة) تحمل الفكر وتصنع السياسات وتضع الأهداف _نؤكد_ وفقاً لمتطلبات وحاجات المجتمع، وتحقيقها يظهر جلياً بمدى تحقق الاستقرار السياسي، والرخاء الاقتصادي، والتآلف المجتمعي وعبر تطور ثقافة المجتمع وقدراته الإنتاجية التي جميعها تحقق مفهوم المساهمة والعائد بين المواطن والدولة أو العضو والتنظيم حيث تتناسب مشاركة أو مساهمة العضو في التنظيم بمقدار ما يحقق من عائدات نفسية أو معنوية أو روحية أ, مادية أو فكرية.
المشاركة السياسية
أن التنظيم يفترض في الأعضاء مواصفات يحددها في لوائحه أو قوانينه أو يسعى لتحقيقها عبر التثقيف السياسي والتدريب السياسي والفكري والإداري. لذلك فان عملية إعداد العضو للاندماج في العمل (النشاط) السياسي للتنظيم والمجتمع تفترض إعداده فكرياً ونفسياً وسلوكياً وروحياً للمشاركة وذلك من أبرز مهمات التنظيم .
في هذا السياق قد نجد تفسيراً منطقياً للفشل التنظيمي الفلسطيني في الوطن،ربما لأن العضوية انحصرت بالإعداد، وتغاضت عن مواصفات كثيرة، وتركت الأعضاء يحولون التنظيم إلى جسم متضخم منتفخ قد يعطي إشارات خاطئة بالصحة والقوة، ولكنه متضخم مرضياً وغير قابل للاستمرار في ظل انحسار قدرات التثقيف السياسي والإعداد الفكري والتعبئة الوطنية والالتزام الهيكلي والدورات.
أن المشاركة السياسية وكما يعرفها هنتنجتون ونلسن (هي النشاط الذي يقوم به مواطنون معينون بقصد التأثير على عملية صنع القرار الحكومي، ويعرفها ماك كلوسكي بأنها تشير إلى الأنشطة التي عن طريقها يساهم أعضاء المجتمع في اختيار الحكام وفي تكوين السياسة العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر .). أن كل عمل سياسي لا يمثل مشاركة سياسية فحتى يكون العمل السياسي مشاركة سياسية أو يؤدي إليها يجب أن يؤثر هذا العمل على السياسة العامة للدولة وعلى عملية اتخاذ القرار السياسي فيها، فشخص يطالع كتاباً سياسياً لا يعني أنه يمارس مشاركة سياسية وشخص ليس له موقف سياسي أو يتخذ موقفاً سلبياً تجاه المجتمع وأحداثه ويرفض أن يندمج في المؤسسات السياسية القائمة _ شرعية وغير شرعية _ لا يمكننا القول انه يشاركه سياسياً، حتى لو كان عاطفياً ووجدانياً له ميول سياسية، فالسلوك الفردي لا يتحول إلى سلوك سياسي فعلي إلا إذا كان متجهاً نحو التأثير على النسق السياسي أو على المجتمع بشكل عام …. وفي نفس السياق نرى بأن الشخص الذي يمارس سلوكاً سياسياً وهو قاصراً أو جاهلاً عن فهم الأبعاد السياسية لسلوكه، كالسير في مظاهرة بشكل عفوي وهو لا يعلم أسباب المظاهرة وأهدافها، أو يذهب إلى اجتماع سياسي حزبي أو غير حزبي دون أن ينتمي إلى حزب ما دون أن يعرف موضوع المحاضرة، وأهداف المتناظرين، لا يعتبر انه مشارك سياسي) (10)
أن الفكر باعتباره التصور العقلي للظواهر، والأساس لظهور الأهداف وقيام الاتصالات، ورسم السياسات وبناء الخلفيات الثقافية للأفراد، وسبب قيام التنظيمات يقصد هذا الفكر السياسي منه ( وغير السياسي ) إلى تحقيق إدماج الفرد في المجتمع( الديمقراطي ) بما يتيحه من حرية التعبير والحديث وبما يؤدي لإفراغ الأفراد لشحناتهم النفسية والعاطفية والسلوكية تجاه الأمور السياسية بممارسة حقيقية تشعرهم بالانتماء للمجتمع والتنظيم (المنظمة) وبالطمأنينة واحترام الذات والقدرة على التأثير وفي هذا السياق يورد (بدلسون) عدة خصائص للمشارك السياسي الذي نقصد بنائه عبر التنظيم السياسي، ومن خلال الفكر المنعكس على السلوك والروح كالتالي :(11)
1. الاهتمام، المناقشة، الدافع: فحتى يكون المواطن ( وبالأحرى عضو التنظيم) مشاركاً يجب أن يهتم بالأمور السياسية العامة ويساهم في النقاش الدائر حوله، ويكون لديه حافز أو دافع حتى يشارك في الحياة السياسية (بفعالية).
2. المعرفة: فكما سبق الذكر يشترط في المواطن (وأيضاً الأحرى في عضو التنظيم السياسي) المعرفة والإلمام بالمسائل السياسية، وان تكون مشاركته على هدى هذه المعرفة ونابعة من قناعة بخط سياسي ما، أو المعارضة لخط سياسي ما.
3. المبدأ: أن المشاركة السياسية لا تكون بدافع المصلحة الشخصية لتحقيق منافع خاصة _ ودرء مضار _ بل تكون انصياعاً وإيماناً بمبدأ يرتبط بالمصلحة العامة.
4. الرشد: بمعنى أن يكون المواطن عاقلاُ ناضجاً، يعرف كيف يتصرف، ومن المعلوم أن بعض الدول لا تعطى حق المشاركة في الانتخابات إلا بعد سن البلوغ لكون الشباب يميلون إلى الأفكار الثورية والمتطرفة وكلما زادوا نضجا زادوا اعتدالاً أو محافظة .
أن الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم كان قد رسم شكلاً رئيسياً من أشكال المشاركة السياسية في الحديث الشريف ما معناه: ( من سار في حاجة أخيه حتى أتمها كان له خير من اعتكاف عشر سنين) وفي مقولة الإمام الحسين (ما خرجت أشرا ولا بطراً ولكن للإصلاح في أمة جدي) وهي من المفاهيم التي ترسم للفكر دور التأثير في المجتمع عبر تحقيق مصالح وخبز وحاجات الناس، وبما ينعكس على حجم مشاركتهم التي تقننها التنظيمات وترشدها.
بين طلب المنصب والواجب الوطني
إن التنظيم السياسي يهدف أو يجب أن يهدف لتغيير الواقع أو إصلاحه أو تطويره ويهدف لخدمة قضية سياسية ، ويهدف لتطوير المجتمع ، ويهدف لاستلام السلطة أو المشاركة السياسية ، وبذلك يدفع أعضاءه والمواطنين للقيام بواجبهم الوطني في المشاركة . ولكن للمواطن أسبابا ودوافع قد تتفق أو تخرج عما يرسمه الفكر السياسي التنظيمي من المناسب الإطلال عليها كمدخل للتعاطي مع هذه الدوافع بما يعالج السلبيات ويبعث الإيجابيات ويكتل أو يطور الإضاءات ، ولأنها تنبثق أساسا من أصول نفسية أو فكرية يجب على السياسي وعلى التنظيم أن يأخذها في حسابات الاستقطاب كالتالي :
1-الدوافع النفسية : للتعبير عن الذات كإنسان حر الإرادة قادر على اتخاذ المواقف مما يدعم شعوره بالطمأنينة والثقة بالنفس وتحقيق الأمان الذاتي
2-الدوافع الفكرية :وهي ذات الامتدادات الوطنية أو العرقية أو الدينية ، كتعبير عن التنظيم أو الجماعة (الدينية ) أو (العرق ) أو التنظيم (الوطني ).
3-الواجب الوطني : وهذه المشاركة تمثل الوعي السياسي الحقيقي المنبثق عن التعبئة السياسية والتثقيف السياسي التي تجعل المواطن _وبالأحرى ابن التنظيم _لا يتقاعس عن أداء دوره في المشاركة معتبرا إياها واجبه الوطني الذي يقدسه تقديسا خالصا
4-المشاركة المصلحية :وهي التي تعبر عن مطالب النقابات والجمعيات الأهلية الشرعية مثل اتحاد المعلمين واتحاد العمال واتحاد المرأة …الخ.
5-وفي العالم الثالث خاصة تظهر أسباب ودوافع للمشاركة السياسية إما كمظهر من مظاهر التعصب القبلي أو التضامن العائلي أو خوفا من سيف السلطة وإرهاب الدولة التي تعاقبهم لعدم المشاركة على اعتبار أن كل مستنكف فهو معاد للنظام ! وفي المقابل قد تدفع ظواهر سلبية ما في المجتمع إلى مشاركة المواطن في العملية السياسية كتنامي الأحقاد أو طغيان فكر التطرف والانحراف والتعصب المقيت .
6-طلب المنصب والجاه أو المال والمكانة في المجتمع ،أو لتحسين صورة عميل أو متلاعب في مقدرات الشعب أو فاسد وتلميع الشخصية لأولئك النفر الذين يتحسسون رؤوسهم يوميا باعتبار تاريخهم الأسود.
إن التصويت في الانتخابات ، والانتماء للتنظيمات السياسية (الأحزاب،والحركات… ) واعتناق الأفكار السياسية ، ودعم أو معارضة الحكومة بالاستفتاء أو العرائض أو التظاهر أو الإضراب ، والانتماء للمؤسسات الأهلية والنقابية وغير الحكومية كلها من أشكال المشاركة والتعبير السياسي في المجتمعات المنفتحة والديمقراطية تلك التي تؤمن بالحرية والتعددية والانفتاح الفكري والمشاركة الشعبية.(12) وتختلف صور التعبير السياسي والمشاركة في ظل الاحتلال التي يباح حينها اللجوء لانتزاع الحقوق الوطنية بالعنف والثورة أو أشكال المقاومة السلبية و العصيان المدني والانتفاضة.
إن صراع الفرد بين الأنا والمجموع بين الخبز والفكر ، هو صراع المشاركة السياسية ، وقد يجتمع في الفرد سعيان أو دافعان أو أكثر ، يتشارك فيه حب الظهور والسعي لتقدم الصفوف ، مع رغبة دفينة في التعبير عن الطائفة أو القبيلة .وقد تتشارك العوامل بما يظهر بالملموس في الانتخابات النيابية خاصة.وفي التنظيم يُعلي الفرد من الأهداف العامة المنبثقة من فكر التنظيم ويضعها في دائرة أهدافه ، أي تتحول الأهداف العامة كأهداف شخصية ترسخ انتمائه وتدفعه دفعا نحو المشاركة السياسية ونحو العطاء الذي لا ينضب .
الفكر السياسي في المنطقة العربية:
لقد تصارع على مدى أجيال خلال القرن العشرين الفكر السياسي مرتبطا بفكرة إنقاذ الروح جنبا إلى جنب مع السعي لبناء المجتمع العصري ، ومع فكرة الوحدة العربية وتحقيق الحرية والاستقلال التي ارتبطت لدى عديد التيارات الفكرية العربية بقضية فلسطين من قريب أو بعيد فنشأت أو تنامت على هامش النكبة العام 1948عدد من التنظيمات السياسية العربية .
-الاشتراكية : ومنها الأحزاب الشيوعية التي كانت نشأتها منذ العام 1919مستلهمة الفكر الماركسي اللينيني بانتصار ثورة أكتوبر 1917 في روسيا.ثم التجربة الصينية الماوية.
-القومية:والتي تفاعلت فكرا منذ بدء احتضار الإمبراطورية العثمانية ، وانفعلت بالتقدم العلمي الأوربي منذ الحملة الفرنسية على مصر ، ثم بجثوم الاستعمار على صدر الأمة عبر (سايكس بيكو ) ، لتظهر من خلال عدد من كبار المفكرين القوميين أمثال صلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي والأستاذ ميشيل عفلق (أبو محمد) وساطع الحصري وزكي الارسوزي وغيرهم ، وبالأخص عبر حزب البعث العربي الاشتراكي الذي عقد مؤتمره القومي الأول عام 1947. وبالفكر القومي الذي تجلى عبر حركة القوميين العرب في الخمسينات التي سرعان ما تفككت لصالح التنظيمات الماركسية (الجذرية والثورية!)الفلسطينية والعربية . وفي ظل طغيان المد الناصري المنطلق بقوة فكر وتنظيم وعطاء وسياسة الرئيس جمال عبد الناصر نشأت بعض التنظيمات القومية الناصرية ، والتي لم يعد لمعظمها حظ من الوجود حاليا.
-الاسلاموية: ولا يعترف المفكر محمد أركون بمفهوم (الإسلامية)المقصور على رافعيه كما هو حال اعتبار المرتديلا (الإسلامية) أو البطاطا (الإسلامية) هي فقط المصرح باستهلاكها ، ويقول أن الاسلاموي تعني الاستخدام المتطرف لعقيدة أو موقف فكري ما. أما كلمة إسلامي فتعني بكل بساطة الموقف الذي يظل مرنا ومنفتحا من الناحيتين الفكرية والعقلية ويضيف الأستاذ هاشم صالح (13) أن هذا التمييز يفرضه علينا الفكر التحليلي الجاد ، حيث أن أتباع الحركات الأيدلوجية التي تحتل جانبا كبيرا من الساحة الآن لا يحبون هذا التمييز فهم يريدون أن يحتكروا كل الرأسمال الديني للإسلام لانفسهم عن طريق إطلاق صفة إسلامي عليهم دون غيرهم . ولا يشذ عن ذلك التنظيمات الفلسطينية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في مقرها الرئيس بمصر.
دخلنا في هذه المقدمة عن الإسلامي و الاسلاموي للسبب الذي ذكره الأستاذ هاشم صالح ، ولنقول إن الفكر النهضوي الإسلامي في العصر الحديث كان قد بدأ مع المفكرين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ، وتكرس بشكل رئيس بإطار تنظيمي يحتضن الفكر من خلال جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الشيخ حسن البنا –ذو العمق العربي والإسلامي معا-في مصر عام 1928. وتطورت الجماعة واشتق من أفكار زعيمها المؤسس ،والمفكر سيد قطب المنظمات الاسلاموية (المتطرفة)الحالية ، وخاصة ضمن فهم محدود بكل جماعة أو منظمة لآراء المفكر سيد قطب وآخرون . ولم يكن للإخوان المسلمين –أو غيرهم-أن يحتكروا صفة الإسلام في ظل انتشار التعددية الفكرية (الإسلامية) المعبر عنها بعديد المفكرين المستقلين و التنظيمات المنتشرة على مساحة العالم العربي والإسلامي .
ما يهمنا من كل ذلك ارتباطا بموضوع الدراسة هو القول أن الفكر لا ينمو ويكبر ويتجذّر ويتجدد ويتعدد إلا مع توفر الخبز أو بالسعي نحوه باعتباره قضية ، وحين توفر الحرية والحوار والاتصال والتعددية من جهة ، ومن خلال الاحتضان عبر وعاء التنظيم وفي متن مسيرة النضال .لذا فالفكر والسياسي مرتبطان بالتنظيم ارتباطا شديدا لما للتنظيم عبر الأعضاء من قدرات دعوة(تبشير-استقطاب) و إعلام وتعبئة ونهوض بفكر المجتمع والأمة ومن ثم ممارسة للنضال .إن التنظيم وعاء الفكر والفكر يقود التنظيم ، والتنظيم يخدم الأمة ويعبر عن خبز و نضالات الشعب ويقوده.
الفكر السياسي في حركة (فتح) (14)
وفي هذا المجال نقتبس ما يسطره الأخ عثمان ابو غربية في كتابه القيم مفاهيم و آليات في العمل التنظيمي حيث يقول:
إن طبيعة الهدف وطبيعة العدو لدى فتح هي أساس استلهام (المفهوم الوطني) وفقا لهذا الاستلهام حددت فتح خصائص نضالها الأساسية للمرحلة الوطنية بمختلف محطاتها وخطواتها، ومن أهم هذه الخصائص:
أولا: تحديد القوى المحركة للنضال الوطني بما لا يقتصر على فئة أو طبقة اجتماعية، و إنما باتساع الشعب والأمة وبمختلف الفئات والقوى اجتماعيا أو سياسيا أو فكريا، فما دام العدو هو العدو المشترك الخارجي، وما دام خطر التناقض بحجم الإلغاء الوطني ونفي الكينونة الوطنية فان النضال يتخذ طابعين، (أ) هو أولوية هذا النضال من بين كافة النضالات الأخرى مهما كانت طبيعتها. (ب) انه النضال المشترك لكل فئات الشعب بالقفز عن الانتماءات والتمايزات.
من هنا جاءت فكرة فتح حيال تشكيلها بتجميد الخلفيات الحزبية والتناقضات الفكرية لمصلحة التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني، ولمصلحة المسيرة المشتركة الكفيلة بإفراز الوعي المشترك والتوصل إلى القضايا التي تتطلب الحلول على أساس هذا الوعي المشترك والتوصل إلى القضايا التي تتطلب الحلول على أساس هذا الوعي وفي مرحلتها الضرورية وضمن ترتيبها المنطقي والطبيعي.
وعلى هذا الأساس كذلك فان مسألة الوحدة الوطنية الفاعلة ضمن بوتقة هذا النضال تحظى بالأهمية الرئيسية، هذه الوحدة التي منطلقها هو وحدة الإرادة المرتبطة بوحدة الهدف، والتي تؤدي إلى وحدة المفاهيم التي يستلزمها الارتباط بالهدف.
ويجب على الإرادة أن تجسد نفسها في برنامج مشترك وممارسة فعلية على أساس هذا البرنامج لكي تكون إرادة فاعلة.
إن الإرادة التي لا تجسد نفسها في برنامج من البرامج وفي ممارسة فعلية على أساسه، هي إرادة قاصرة أو عاجزة في احسن الأحوال ، ولا يمكن أن تحرز النصر أو النجاح.