تعتمد الزرافة للدفاع عن نفسها ضد عدو مثل نمر أو أسد على الرفس بقدمها ، وهذه الرفسة قوية بما يكفي لتحطيم الجمجمة كالوعاء الفخار ، ولهذا السبب لا ترفس زرافة زرافة أخرى مطلقا بل تتناطحان أو تدفعان بعضهما البعض بقوة برقبتيهما الطويلتين عندما تتصارعان ، لأن رقبة الزرافة مرنة تمتص الضربات مثل العصا الكاوتشوك ، ويصعب استخدامها لغير ذلك نظرا لثقلها وضخامتها .
أحببت أن أورد منذ البدء هذا المثل من الطبيعة لأقول أن الصراع والتغيير من سنن الخليقة والحياة ، ولكن للصراع والتغيير أدواته وحدوده وتوقيتاته : تناطح أم رفس ، ولان الصراع لا يوجد إلا في متن العلاقات الاجتماعية ( أو التنظيمية) فإنه يظهر حين يدرك الفاعلون التضارب بين مصالحهم وتصرفاتهم ، بين أهدافهم وقيمهم بين سلوكياتهم ومواقفهم ، وهذه الصراعات داخل المجتمع أو التنظيم أو حتى داخل الفرد نفسه من الممكن ان تستمر حالة حاثّة ومحفزة للتقدم حتى مستوى معين ، أي ما بقيت في نطاق (التناطح) ولم تصل إلى حد (الرفس) في عالم الزرافات ، فالإرباك الذي يسببه الصراع في العمل ووسائل اتخاذ القرار قد يقتصر على الاختلاف في الرأي وتعدد البدائل وهو أمر مرغوب ويقود إلى التفكير الناقد والى الإبداع والابتكار والتغيير بدل التقوقع والجمود .
وقد تصل التناقضات والصراعات المجتمعية أو التنظيمية ( أو النفسية ) إلى حد الشقاق والانفصال متى ما عجزت إدارة الصراع عن حفظ التوازن التنظيمي أو متى ارتبطت هذه النزاعات بأبعاد خارجية أو أجنبية أو نوايا مبيتة .
وهذه الأيام صدرت صيحات عدة تطالب بالإصلاح كما تطالب بالتغيير ، ومنها صيحات طالبت التماهي مع الضغوط الخارجية أو رفضها ، أو اعتبار أن مفهوم الإصلاح والتغيير مطلب فلسطيني الأصل ، ومنها من رأى المطالب حق يراد به باطل أي إضعاف السلطة الوطنية وقواها الفاعلة ، كما هو شأن الطرف الخارجي وأبواقه في المجتمع الفلسطيني . ولكن على كل الأحوال فإن التغيير من "ثوابت" الحياة لذلك لا يستطيع أي سدّ أن يصمد إلى ما لا نهاية أمام جريان ماء النهر المتجدد وأمام قوة تغييره الجبارة ، ورغبته في الانسياح ما يوجب على حركة( فتح ) فتح الطرق له وتنظيمه وتقنينه .
إن التغيير في الحياة وفي حركة فتح محور حديثنا الرئيسي أحداث دوما تسبق القرارات ، وحقائق تتكرس دوما متجاوزة القيادات في المستوى الأول ، ووقائع ترسم على الأرض ضاربة عرض الحائط بالأطر الجامدة ، ومسيرة مسرعة و أحيانا داهمة تتفوق على إشارات المرور المثبتة في متن النظام ، وعلامات فارقة في ظل تكلس أو تحجر المؤسسة وارتدادها الديمقراطي .
الرِّدة الديمقراطية
إن في حركة فتح ردة ديمقراطية ، ففي الوقت الذي طرحت فيه الحركة مفهوم "المركزية الديمقراطية" أو بعكس ترتيب الكلمتين كانت في الواقع تفرض مركزية مفرطة أحيانا لاقت في مرحلة من المراحل تقبلا ارتبط بطبيعة الأحداث والشخوص و أدوات النضال . ولكن هذه المركزية المفرطة في متن المركزية الديمقراطية فهمتها جماهير فتح جيدا فقامت بتجاوزها على الأرض من خلال تجليات أو أثواب عدة لبستها حققت من خلالها الحِراك الديمقراطي الفتحوي ، وتغيير مياه الأنهر في نقطة الثبات ، وحققت فيها تجاوزا فعليا لأطر جامدة غير فاعلة مر عليها من الزمن غير الديمقراطي 12 عاما أي منذ المؤتمر العام الخامس لحركة فتح عام 1989 الذي انعقد في تونس قبل 5 سنوات من دخول الوطن .
إن الردة الديمقراطية مظنة رؤية صحة المنهج من عيون أطر بلت مع الزمن لعدم تجدد الهواء فيها بالانتخابات الديمقراطية التي كان من المفترض أن يكون التوقيت المحترم والمنتظم لإجرائها أساس ديمومة الحياة الديمقراطية والاتصالات الفاعلة داخل التنظيم ، وأصل الابتعاد عن بلاء التكلس الفكري والتسطيح التنظيمي وعقم الاطر لنسخ صلاحياتها والفوضى .
إن الردة الديمقراطية مركزية حيث تطول اليد أو حيث الإقطاعية أو حيث الموقع لا يسمح فيه بالمنافسة وما غيره ليذهب إلى الخراب ، و تخبط وميوعة وفوضي حيث لا سيطرة أو خارج الاقطاعيات التنظيمية ، أو حيث أدرك الكوادر سر الحركة .
إن الردة الديمقراطية تخلي فعلي عن الاتصالات التنظيمية و الممارسة في ظل ارتفاع الصوت يوميا بالمطالبة بالانتخابات أو التغيير أو الإصلاح بحدوده القصوى دون قنوات معتمدة أو دون إرادة حقيقية للتغيير ، ولماذا تحصل والامتيازات والمواقع والمكانة محفوظة ؟؟ أو دون قرار ، أو دون وسائل محترمة ومنتظمة يتم عبرها إجراء التناطح والتغيير الدوري دون حاجة للوصول بكافة الاطر الفلسطينية المفترض تغيرها بالانتخاب ( أو على الأصح أغلبها لأن الجبهة الشعبية وفدا عقدت مؤتمراتها مؤخرا مثلا) وقبلها أطر حركة فتح إلى مرحلة اصبح فيها جميع الاطر في حكم المعلبات منتهية الصلاحية .
وما ينتج عن ذلك من عجز وتشكل أو تجذر مراكز القوى وانتشار الفساد والمحاور وبالتالي عدم الرغبة الحقيقية بالتغيير لدى الجماعة المستفيدة في المواقع المتقدمة ، التي أصبح التغيير لها بقوة الجهاد .
على طريق الإصلاح والتفعيل
تحت عنوان على طريق الإصلاح والتفعيل والتغيير عبرت نشرة فتح "المركزية" عن ثقتها بالحركة لأن اللجنة المركزية "اجتمعت"؟؟! بعد كارثة الاجتياح الصهيوني ، ( وكشفت مكامن البطولات والهزائم وتألق الإرادات و ثبوط العزائم ) ؟؟! شيء عجيب وكأن الشعب عامة لا يدرك ذلك ومن ورائه العالم لتأتي "اللجنة المركزية" لتكشفه ؟؟! وتضيف النشرة في رأينا أنه كان لا بد من ملامسة الجرح والتأكيد على الدور الطليعي للحركة - أي دور طليعي هذا والجماهير عامة انتفضت ؟؟!- على المستوى السياسي وعلى المستوى الأمني والقيادي والتفاوضي ولا نريد الخوض طويلا في المستويات المذكورة إلا في المجال الحركي حيث يجب تفعيل ( دور الحركة في مجالات الإصلاح والتطوير والتعبير) وحيث قررت اللجنة المركزية ما يلي : مما لن نورده وسنعلق عليه لأنه نفس ما قررته اللجنة المذكورة عام 1969 أو عام 1974 أو عام 1984 أو عام 1994 أو عام 2002 من جُمَلٍ بديعة لطيفة تؤكد توزيع مهامها - بدلا من أن تستقيل لتتيح المجال للتغيير الديمقراطي والحراك التنظيمي ولتجدد الماء والهواء- وكذلك الأمر بالنسبة للقرارات المتعلقة بالمجلس الثوري العتيد والعنيد بالتأكيد على ضرورة الاجتماعات (؟؟!) وتفعيل الرقابة الحركية التي لم تفعَّل منذ 35 عاما ، والرقابة المالية ... الخ من اللجان . كلام عام وجميل ومكرر على مدى عشرات السنين لم يتغير، وكانت الإضاءة الوحيدة حصول التغيير في تشكيل مكتب التعبئة والتنظيم وإسناد المهمة للجنة من أخوة كرام نتمنى لهم نجاح المهمة على رأسهم الأخ المفكر العروبي هاني الحسن بما قد يجعلنا حسب ما سنراه لاحقا نعتبر تاريخ 15/5/2002 وهو تاريخ اجتماع اللجنة "المركزية" بداية التغيير وملامسة صدر وقلب التنظيم .
الظروف لا تسمح
في حركة فتح لا يرفس أحد متى ما وصل إلى موقعه في الحركة أو في المؤسسات الأخرى على ظهر الحركة إلا متى ما شاء الله ، ويستمر التناطح في الصراعات الداخلية التي تحل كما يعلم الجميع بآليات أو استراتيجيات المراضاة والترقيع أو التعامل مع الوضع القائم ، والتصدي للإشكاليات عبر نفخ الاطر وتكبيرها وزيادة عدد اللجان وتسمين التنظيم بأعداد تُخرج التنظيم من طابعة "الطليعي" ولا تدخله في طابعه الجماهيري الذي يستلزم الانتخابات والتغييرات الدورية بعيدا عن كل المبررات التي قد تطرح هنا وهناك والمتلخصة - وكثيرا ما تكون صادقة - بأن الظروف لا تسمح ، وعموما هي نفس الظروف التي لم تكن لتسمح لا بالانطلاقة ولا بالانتفاضة .
إشارات الخطر
يستخدم النمل حمض الفورميك لإعطاء إشارة الخطر ، فبالإضافة إلى الهدف الرئيسي للحمض بالإرشاد والتوجيه وبرسم الطرق والممرات فإنه يبلغ صيحة الخطر ، وأكاد أرى أن الكثير في فتح ومنهم الاخوة صخر حبش وأبوماهر غنيم وعثمان أبوغربية وروحي فتوح وجمال محيسن وجمال الشوبكي وامين الهندي وحافظ البرغوثي وتيسير نصر الله ومازن سمارة وحازم أبوشنب وعلي أبوربدة على سبيل المثال - والكثير أمثال عبدالله محمود والأخير اسم افتراضي لكثير من كوادر التنظيم - يمتلكون مثل هذا الحمض ، يمتلكون الرؤية ويستشعرون الخطر ، وعندما يعطي النمل هذه الإشارة تدور النملة (المنزعجة) فوق نقطة واحدة وفكاها مفتوحان على سعتها وبطنها مرفوعة قليلا ومن آن لآخر ينطلق الحمض من البطن .
لقد انزعج الكثيرون في حركة فتح و رفعوا بطونهم وأطلقوا إشارات الخطر عبر مؤتمراتها الحركية في الوطن التي تحسب بإيجابياتها وسلبياتها للأخ صخر حبش والكادر المتميز الذي عمل معه ، وكتبنا في هذا الموضوع مطولا ، وعادت لتطلق هذه الإشارات بعد انتهاء المدد القانونية للأقاليم مطالبة تكريس المنهج الديمقراطي كأسلوب فرز للقيادات رغبة منها _ أي رغبة من نمل فتح_ في التغيير الدائم وتكريس الديمقراطية ، إلا إن حمض الفورميك لم يكن بالشدة التي تقنع دعاة القفز إلى الأمام أن يتخلوا عن طروحاتهم التعجيزية ، ولم تكن الرغبة أو الإرادة واضحة في التغيير لدى الكثيرين فكانت المطالبات بالمؤتمر السادس والعوامل باتجاه عقده آنذاك - أي قبل انتفاضة الأقصى المباركة - كانت أكثر هدوءا والإمكانيات كانت تسمح بعقده ، ولكنه بالطبع لم ينعقد لأنه لم تكن تتوفر الإرادة الحقيقية لعقده أو بديلة ( المجلس العام =الكونفرنس) لدى الأطر المتكلسة ولدى بعض الأعضاء فيها ، لنعود اليوم في ظروف أشد إظلاما وقساوة إلى نفس المطالبة شبه المستحيلة بالمؤتمر السادس دون وضع بديل ديمقراطي آخر في أمد زمني محدد مثل ( المجلس العام =الكونفرنس) أو سواه . إن الافتراق كبير وتفتت التفكير وتشتت الرؤى وتعدد المواقف وفي ظل عوامل بيئية صعبة يفرض التغيير والانطلاق حقا وحقيقة نحوه لا أن تكون المطالبات عبارة عن صيحات إعلامية ورغبات بالتلميع دون إرادة تنفيذ .
إن التجدد في حركة فتح يفرض نفسه والتغيير في القاعدة حدث يومي يتفاعل مع المستجدات فكما نشأت حركة الشبيبة الطلابية وكما نشأت منظمة الشبيبة الفتحاوية وقبلها لجان العمل الاجتماعي نشأت كتائب شهداء الأقصى استجابة للواقع وضمن رؤية لم تكن مرتبطة لا بالأطر الثابتة ولا بشخوصها ، لأن مثل هذه التشكيلات ومؤسسيها فهموا إشارات الخطر التي تحيق بحركة فتح وفهموا معنى استمرار جمود الاطر وعدم حراكها الديمقراطي أو العملي ، وفهموا تجذّر التيارات المحافظة التي أصبحت تسيطر على رقبة الحركة فأبدعوا أطرا ولبسوا أثوابا تعيد لحركة فتح تألقها الحقيقي ومعدنها الأصيل المتمثل في قاعدتها المرتبطة بالشعب والمعبرة عنه لأنها منه ، والقادمة مع ألفين عام من العمق الحضاري العربي والإسلامي .
إن استراتيجية الرد المتزن والتفوق الأخلاقي التي اتبعتها كتائب شهداء الأقصى كانت استراتيجية لا تقبل قتل المدنيين الإسرائيليين مهما كان الجرح بليغ والعدوان الإسرائيلي شرس وفاشي ، ولم تقبل لأهداف سياسية ولوعي عميق الضرب في العمق بعيدا عن الأراضي المحتلة عام 1967 إلا ما ندر تساوقا وفهما واستيعابا للمتغيرات الدولية والإقليمية وتفهما لإشارات الخطر الصادرة من بطن العالم هذه المرة ومن الحركة.
فتح وبناء الاستراتيجية
إن النظر للتنظيم بمنطق رسم البدائل للاستراتيجيات شيء ضروري تستطيع من خلاله الكوادر المشارَكَة في التعديل والتغيير وصولا للاستراتيجية المقرة أو المتفق عليها . وما دمنا نتحدث في هذا الإطار فلا بد أن نعرض سريعا لمفهوم الاستراتيجية بالقول أنها الخطط العامة أو مقابلة الاحتياجات والأهداف بالموارد عبر الفرص ، وهي علم وفن قائم يأخذ بالاعتبار عوامل البيئة والموارد والقيم بعين الاعتبار ولمن يرغب الاستزادة نحيله إلى كتاب ( د.فلاح حسن الحسيني ، الإدارة الاستراتيجية ، الصادر عن دار وائل ، عمان ، 2000 ) ولكننا في حركة فتح في اعتقادي نتبع _ أو يجب أن نتبع _ نموذجا استراتيجيا يمر بالمراحل الأربعة التالية :
- مرحلة التشخيص
- مرحلة الاختيار
- مرحلة التنفيذ
- مرحلة التقييم
وفي الاستراتيجية فإن المرحلة الأولى وهي مرحلة التشخيص يستدعي منا ذلك : التعرف على الفرص المتاحة في المحيط أي مدى توفر فرصة بذل الجهد لإحداث التغيير وحجم هذا الجهد وجدواه ، والتشخيص لطبيعة التنظيم ككوادر وأفكار وحركة ومؤثرات ، وتحديد عوامل تأثير البيئة الخارجية ، والموارد المتاحة والإمكانيات والصلاحيات الممنوحة ، والأهداف المطلوب تحقيقها والمقصود هنا الأهداف الصغرى في ظل وضوح الأهداف الكبرى وهي الأهداف السياسية للتنظيم ولجميع الفلسطينيين ، لننتقل للمرحلة الثانية وهي مرحلة الاختيار : وفيها يصدق المثل القائل ما حار من استشار عبر تحديد البدائل الاستراتيجية كما سنرى لاحقا ، ثم اختيار البديل الأمثل أو الأحوط أو الأنسب أو القابل للتطبيق ، أما في المرحلة الثالثة : فإن التنفيذ يكون هو الشغل الشاغل للمستويات التنظيمية المختلفة كل حسب دوره في الخطة ليلحقها أو يتوازى معها عمليات التقييم والمتابعة والرقابة ، ودون أن يظن أحد أننا نتفلسف على الآخرين أ وندخلهم في متاهات علم التنظيم أو علم الإدارة ، أو الذي ربما هم مطلعين عليه فإن بناء الاستراتيجية والتخطيط الجيد يستدعي خصائص خمسة هي :
- وضوح الأهداف التنظيمية
- المرونة في إحداث التغييرات دون قسر ودون إرباك
- سهولة فهم الاستراتيجية أو الخطة من الأعضاء
-تحديد مستويات العمل (من ومتى وكيف)
-تحقيق التوازن التنظيمي
الاستراتيجية الكركية
قيل لمواطن كركي ( من مدينة الكرك في الأردن) أي الهوايات أحب إليك قال : التزلج على (الجميد) ؟؟! وفي هذه الطرفة حدد المواطن استراتيجية مرتبطة بفكره ورغباته المنصبة على بطنه ، أما في حركة فتح فإن الاستراتيجية الكركية بمعنى هواية نهب و تكديس الأموال والتزلج على الجميد والعزائم اللحمية هي استراتيجية فساد إن صح معها التسمية باستراتيجية أصلا ، وتمثل نظرة غير مسؤولة نحو (السلطة) من حيث هي نفوذ وتأثير و جميد و أموال وحشو بطون ومتع على حساب التنظيم ، وهي في الحركة أكاد اجزم أنها قليلة عددا ومعرَّفة بأشخاص بعينهم أو أنفهم ركبوا موج الحركة _ وكان من الممكن أن يركبوا أي موج آخر بالطبع يوصلهم لأغراضهم _ وصولا لتحقيق مآربهم الشخصية فركوب الأمواج والتزلج هوايتان قريبتان من بعض على أي حال .
يقول الباحث هنري باتس أن نمل أسيتون يتبع استراتيجيات قتالية متعددة فبعضها يتحرك في طوابير ، وبعضها في طابور مفرد ، وبعضها في مجموعات متقاربة تنتشر كالفيضان ، وبعضها تندفع كالانهيار الجليدي وهذا في عالم النمل الذي "يدرك" بدائل الاستراتيجيات أو الخيارات المتاحة فكيف لنا في المجتمع الفلسطيني أو التنظيمات الفلسطينية وفي حركة (فتح ) ألا نختار وألا نخطط ومنذ زمن طويل ؟؟!
التغيير أم الغرس
إذا اعتبرنا أن التغيير الحاصل في قيادة تنظيم حركة فتح بتشكيل مكتب التعبئة والتنظيم في الوطن إلى جانب مكتب التعبئة والتنظيم في الخارج مدخلا للتقدم للأمام واستجابة لإشارة خطر ورغبة في الإصلاح جدية ليست ضمن "البازار" الإصلاحي التغييري بحسب المصطلح المستخدم من نشرة فتح "المركزية" فإننا نرى أن لمكتب التعبئة والتنظيم في الوطن وبالتكامل مع مكتب الخارج واحدا من ثلاث استراتيجيات ألا وهي :
-استراتيجية التغيير
-استراتيجية المحافظة على الوضع القائم وحل الإشكاليات
-استراتيجية التعامل مع الوضع القائم والغرس.
في الاستراتيجية الأولى من الممكن ان يطال التغيير مستويات التنظيم الثلاثة ( العليا والوسطى والقاعدية) ومن الممكن أن يكون جزئيا ، ومن الممكن أن يكون من أعلى أو من القاعدة أو من الوسط وهذه الاستراتيجية على صعوبة العوامل البيئية الخارجية مطروحة من أكثر من قيادي وكادر في الحركة ، وهم الذين يربطون ومعهم الحق التغيير القاعدي بالتغيير في مستويات القيادة المختلفة بدء من اللجنة المركزية للحركة والمجلس الثوري و اللجنة الحركية أو المرجعية وصولا للجان الأقاليم والناطق .
أما في استراتيجية المحافظة على الوضع القائم وحل الاشكالات ، فهي استراتيجية (الاستسهال) والحذر وعدم الإقدام على التغيير بحجج عدم الإمكانية والظروف الأمنية والوضع السياسي والتأثيرات التنظيمية ونفاد الموارد ...الخ . وهي نفس الأسباب التي كانت وما زالت تعوق عقد أي مؤتمر حركي أو (مجلس عام=كونفرنس) على الأقل ، وفي كثير منها محاذير حقيقية ومعوقات تحتاج لجهد كبير وعسير لتجاوزها ، ولكن بلوغ الإرادة حد التصدي واحترام الديمقراطية وتحقيقها قد يفتح كثير من طاقات التغيير .
عموما فإن المحافظة على الوضع المائع القائم-المرفوض من معظم كوادر وأعضاء في الحركة- وحل ما ينشأ من إشكالات أو ما نشأ مع الانتفاضة خاصة ، شيء كثير يجب أن يتصدى مكتب التعبئة والتنظيم بفرعيه له من مثل الإجابة على
-دعوات الانتخابات وتغيير الاطر
-وضع الشبيبة ضمن الأقاليم والمؤتمر
-موضع اللجنة الحركية أو المرجعية في النظام
-موقع كوادر كتائب شهداء الأقصى في الحركة
-دور المعتقلين في التنظيم
-بحث العضوية( تنخيل أم تقليص أم توسيع ...)
-الإجابة على طرق محاربة الفساد الشخصي والإداري
-إعادة النظر في شكل الأطر(خلية، حلقة...الخ )
-موقع الفتحويين الذين لم تستوعبهم الاطر لسبب أو لآخر
-إدماج الكادر الحركي للعمل في المنظمات غير الحكومية أو الشعبية
-حل التعارضات والتشابكات في الأطر والمهمات والمسميات ... وبالتأكيد عشرات المواضيع الأخرى .
أما البديل (الخيار ) الاستراتيجي الثالث وهو استراتيجية التعامل مع الوضع القائم والغرس ، فإنه يحتاج إلى إجراء عدد من التغييرات الممكنة والمحسوبة نتيجة الظروف مثل عقد (المجلس العام=الكونفرنس) على الأقل وإعطاء المجلس الثوري صلاحيات التقرير وانتخاب اللجنة المركزية ، وتعديل النظام وإجراء ورشات عمل ودورات على مستوى الأقاليم والمناطق ، واحترام التوقيتات والآماد بالنسبة لتجديد كافة الاطر ، والبدء بضخ أفكار جديدة ومتنورة للتنظيم عبر (التعميم) التنظيمي الموحد في الوطن والخارج والذي يجب أن يخاطب فكر وقلب واحتياجات الأعضاء سياسيا وتنظيميا ، ويصدقهم القول بعيدا عن زخرف الكَلِم ومنثور العبارات ، ويخاطبهم بالمتوجب عليهم وعلى الأطر العليا القيام به يوميا لهم ولأطرهم وفي مجتمعهم ، يجب أن تحتفظ حركة فتح بورد عمل يومي لتصبح حركة الذات والغرس في حقل الذات والمجتمع والتنظيم
ما قبل التنفيذ
إن نجاح أي فكرة أو قرار أو استراتيجية أو خطة يستدعي التمهيد لها ، خاصة إن كانت الفكرة تتعامل مع آلاف أو عشرات الآلاف من الأعضاء -بحسب إحصائيات المؤتمرات التي عقدت بالوطن- متعددي المشارب الطبقية والتعليمية والفكرية والاجتماعية ، وحتى النضالية في تنظيم واسع فضفاض رجراج -مترهل في بعض أجزائه- كتنظيم حركة فتح ، لذلك فإن دخول فكرة موحدة أو أفكار جامعة في ظل (التعددية الفتحوية) التي تقترب أحيانا من حد الفوضى يستدعي التمهيد من خلال التمرحل في عرض الفكرة أو بناء الاستراتيجية وخاصة في ظرف الاحتلال شبه الكامل حاليا ، وفي ظل الصراع السياسي الشديد ، والمتغيرات الداهمة التي تطل برأسها. إن اختيار أي من الاستراتيجيات الثلاثة المذكورة أعلاه أو غيرها يتطلب المرور بمراحل :
1-مرحلة الاستكشاف : حيث يجب أن يمنح مكتب التعبئة والتنظيم فرصة الإطلاع على وضع الأعضاء ووضع الأطر والمهمات ، وهموم الناس ، وطريقة تفكيرهم ، والجروح والندوب التي أصابتهم ، ومعنوياتهم ، وطموحاتهم ،وأملهم ويأسهم ، تشنجهم وألمهم ، إصباحاتهم وهمومهم ، رغباتهم وأهدافهم ، أفكارهم وآرائهم ، والتي يجب أن توضع في إطار الاستكشاف والدراسة والتمعن والتفحص ، في إطار الحث على المشاركة والتفكير والكلام والاقتراح ووضع الأفكار وبدائل الحلول ، في إطار عدم إعطاء الوعود أو بذل العهود والبشائر أو التحذيرات ...إنها مرحلة حث وتحفيز وتنشيط للفكر أيضا ، مرحلة لاستكشاف الذات التنظيمية تسبق اعتماد الخيار الاستراتيجي ، وقد تستمر شهرين أو ثلاثة وربما أكثر .
2-مرحلة بناء الاستراتيجية وتعميمها : حيث تتبلور كثير من الجزئيات عبر مرحلة الاستكشاف تستخدم في إعادة رسم أو تعديل أو تنسيق الاستراتيجية_التي قد تكون مسطرة مسبقا بانتظار الإقرار النهائي_ ، أو استبدالها.
3- مرحلة تطبيق الاستراتيجية : من خطط وبرامج عمل ووسائل واجتماعات وتطبيقات تلتزم المستويات التنظيمية وآليات التغيير . وقد يبدأ التطبيق من خلال اعتماد الفكرة الموحدة أو الأهداف التنظيمية عبر ورشات العمل ( أو السيمينارات) أو عبر الانتخابات أو عبر الجولات التنظيمية لكوادر مكتب التعبئة والتنظيم .
الظروف والسلطان قانصوه الغوري
من المعلوم أن الاحتلال يشكل العقبة الكبرى في طريق أي تقدم أو تغيير أو إصلاح أو تطوير أو جهاد لأنه يقلب الحياة ويدمر الروح وينثر العطونة في الجو ويغرّب الفكر ، ولكن وجودنا في هذا الظرف ( =الموقف وشخوصه في الزمن) يستدعي التعاطي معه بالعمل على تجاوزه ، ويعتبر الظرف السياسي المعقد لمن يشاء ظرفا معطلا للإصلاح ، ولمن شاء مشجعا ومحفّزا ، لذلك فإن هذان العاملان الخارجيان يمكن أن يستخدما بدرجة هامة بأهمية الاستعداد المسبق والتمهيد وأخذ زمام الفعل .
تلعب العديد من العوامل الداخلية داخل المجتمع والحركة ومكتب التعبئة أدوارا مثبطة أو محفّزة لتطبيق الاستراتيجية والانطلاق نحو العمل ، لذا يجب تمحيص ودرس هذه العوامل ومنها الشخصية في محاولة لحلها واستخدامها كقوة دافعة ووقود للسعي منذ مرحلة الاستكشاف .
من الممكن أن نشير للعوامل الداخلية المحيطة بأي معادلة تقدم أو تغيير مرغوب سواء كان مفروضا أو مقنعا إلى الفساد الإداري أو التنظيمي أو الشخصي في جسد السلطة أو حركة فتح مما سيتناوله معظم الكوادر مليا ودون ملل ، وبالتحديد لدى البعض ممن ركبوا موجة فتحوا وتزلجوا على (جميدها) وغرقوا في الخطايا وأفلحوا في تبوّء المكانة ، دون ان يكون لحركة فتح في ذلك سوى دور المناخ المساعد أو العامل المنشط نظرا لقصور الأطر العليا عن الحساب والرقابة والعقاب والتغيير ، وسكوت الاطر القيادية الوسيطة وتفجر الأطر القاعدية بالغضب .
كان السلطان المملوكي قانصوه الغوري لصَّا -ليس هذا رأيي- وإنما كما يقول المؤرخ ابن إياس ، لأن الغوري عندما أراد أن يبني مسجده المعروف بمسجد الغوري لم يجد مالا يبني به_ بعد أن خرب وسلفه خزائن مصر بالنهب_ فصار يأمر العمال بسرقة الأعمدة والأحجار من المساجد الأخرى ، فأطلق ظرفاء المصريين على جامع الغوري الفاسد اسم المسجد الحرام لأنه بني كله من حرام ؟؟! هل نجد في ذلك مقاربة لدينا ؟
إن مطالبة الأعضاء والكوادر بالجهاد من خلال معاقبة سلاطين الفساد والإفساد ستكون من الظروف المساعدة على التغيير لو امتشق الأخ هاني الحسن ومكتب التعبئة سيف الإرادة ورسم الاستراتيجية وأثار النقع ووضع الميزان .
يقول الله تعالى في محكم التنزيل ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين ) 142 آل عمران .