العمليات الفدائية بين الأيديولوجيا والسياسة
العمليات الفدائية بين الأيديولوجيا والسياسة
الأسطورة وحق القهر
لا أحد يختلف على أن العدوان الصهيوني المتواصل ضد شعبنا الفلسطيني البطل نابع من سياسة إقصائية عنصرية فاشية ميزت اليمين الإسرائيلي والمتطرفين اليهود الذين يرغبون في إفناء الآخر أو تدميره أو إضعافه ، وصولا به إلى حالة يصبح فيها عبدا طيّعا في بيت السيد الواحد الأحد الذي وهبته "أحلامه" والسماء ميزة السطوة والسيادة وقهر الآخرين ، الذين لا ينظر إليهم إلا كغرباء أنجاس أو طارئين وأشرار ، وحديثا كمخربين وإرهابيين لا حق لهم في الأرض كما لاحق لهم في الهواء والماء ، وتنسم زهرة الحرية ، إلى الدرجة التي اصطف فيها اليمين المسيحي-الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الإدارة الأمريكية إلى جانب الطروحات اليمينية الإسرائيلية ، التي تمزج بين الأسطورة وإرهاب الدولة ، وبين الأكاذيب التاريخية والوعد الإلهي المشروط ، وبين "حق" المحتل بقهر الجماهير الرازحة تحت الاحتلال بدعاوى فارغة وساقطة قانونيا وأمميا ، ووصم مقاومة الاحتلال بالإرهاب بما لم تقره شريعة سماوية أو إقليمية أو أممية .
روبنشتاين وليبوفتش
لا أحد يختلف على أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي حكومة حرب متواصلة ، وحكومة إقصاء وطرد و"ترانسفير" وعنصرية بغيضة ، وللراغبين في الاستزادة مراجعة مئات التصريحات للساسة والعسكريين والمتدينين وأعضاء الكنيست تلك التصريحات المعبرة عن عقيدة سياسية فاسدة وعن انعدام خلق في التعامل وعن شوفينية وحقد عز نظيرهم في هذه الدنيا ، وليس فيما قاله عضو الكنيست الإرهابي المتطرف (أولري أرئيل) الذي طالب بقانون يعاقب فيه الانتحاري بالإعدام و20 عاما سجن لكل من يسانده وتفكيك المنظمة ، ومصادرة ممتلكات وطرد أسرة الانتحاري ، أو ما قاله زميله (تسفي هندل ) الذي قدم مشروعا يقضي بتهجير أسر الانتحاريين وهدم منازلهم والذي أصبح مطبقا منذ 1/8/2002 حين أقر (إلياكيم روبنشتاين) المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية بالتهجير والهدم لبيوت عائلات الفدائيين مما أخرج الصيحات من الحناجر والورق إلى حيز التنفيذ سما زعافا وحقدا أسودا وعنصرية فاقت تصرفات البيض في جنوب إفريقيا ، ليس في كل ذلك إلا مثالا صارخا على ما نقول ويراه العالم يوميا
والكلام في هذا الباب أُلّف حوله الكثير من الكتب وكُِتب عنه مئات التقارير والمقالات وخاصة في ظل الانتفاضة الحالية ، بل ومن كتّاب إسرائيليين متنورين ، ومن دعاة سلام إسرائيليين خبروا التطرف فأدانوه ، ووعوا صعوبة التعايش والندية وثقافة السلام في ظل النظرات الاستعلائية ، ونظرات النبذ ، والسادية ، والفاشية الإسرائيلية (أو ما أسماها البرفسور اليهودي الأستاذ في جامعة القدس (يشعياهو ليبوفتش) النازية- اليهودية ) التي أصبحت من مشمولات الشخصية الإسرائيلية اليمينية المتطرفة ( أو المنحرفة كما سماها البرفسور ليبوفتش )
المنظار الأيديولوجي والماء المقدس
نقول ذلك لندخل إلى صلب الموضوع المعنون به المقال كي لا يظن ظان أو يدعي مدعي أننا ننظر من واقع استسلام أو هيبة ، أو من واقع عدم وعي أو رهبة ، أو من يأس أو وهن ، أو عدم قدرة على تشخيص الآخر ، وعليه فإننا ومنذ البداية حددنا الرأي الواضح بالكيان الصهيوني ونزيد فنقول أن فهم العمليات التفجيرية _ وكان لنا فيها إشارات ضمن بحث بعنوان استراتيجية الرد المتزن والتفوق الأخلاقي_ يدخل في ذهن الجماهير في منطقة الالتباس بين ما هو أيديولوجي وما هو سياسي ، فعندما يطلق عليها صفة الاستشهادية تكون قد أُخضعت للمنظار الأيديولوجي العقائدي ، مما يجعل من معارضتها أو اتخاذ رأي آخر أو مخالف بشأنها يتم تصويره وكأنه مخالف للأيديولوجيا والعقيدة ، ومن هنا يطغى سلطان الإرهاب الديني وتخلق ديكتاتورية الكلمة ويتفوق منطق احتكار الصواب الممزوج بالماء المقدس ، والذي حدا بأحد المتحاورين ذوي الرؤية الشاملة المطلقة _كما يظن نفسه_ إلى رفض المقابل له إلا متى عبر عن هذه العمليات باسم الاستشهادية ؟؟
أسلوب لا غاية
إن هذه العمليات في الحقيقة أسلوب وليست هدفا ووسيلة وليست غاية وسببا وليست نتيجة ، وفي الكفاح أو الجهاد أو النضال أساليب ووسائل ، أساليب تتنوع وتتعدد وتتواصل وتنتهي حسب المصلحة الوطنية لا الأيديولوجية ، لأن السياسة هي القدرة على إدراك الجديد والمتغير كما يقول المفكر هاني الحسن ، وهي فن تحقيق المآرب والأهداف ، والأهداف صيغ ممكنة لا خيالات وآمال على أهميتها في التعبئة ، والصيغ الممكنة ترتبط بالقدرات ، والقدرات محكومة بالبيئة الداخلية والمحيط الإقليمي والعالمي ، والبيئة لا تعمل في العالم _ واليوم أكثر من أي وقت مضى _ وفق العدل والحق ، وإنما وفق المصالح والقوى ، وقوانا اليوم كأمة عربية أو إسلامية ليست موحدة أو موجهة ، وليست بقادرة وفق ذلك أن تحمي قضيتنا العادلة وحقنا المسلوب ، لذلك وجب علينا التوقف والتأمل والتفكير جديا بالجدوى من أي خطوة نخطوها أو قرار نتخذه في ضوء الأهداف السياسية وفي ضوء النتائج .
فتوى وتفجير
إن العمليات الفدائية أو التفجيرية لها من المؤيدين في الاجتهاد والفتوى الإسلامية كما لها من المعارضين ، وعليه وجب النظر إليها من زاوية الفكر والسياسة لأنها في النطاق الشرعي لها من يجيزها ولها من يحرمها ، وليس لنا في هذا الباب مدخل فنحن لا ندعي الاجتهاد مطلقا بل ولا نمتلك شرائطه و أدواته فهذا الباب له علماؤه الأجلاء ، ولكن في تعدد الاجتهادات باب من أبواب النظر في الموضوع ليس من الزاوية الأيديولوجية العقدية وإنما من الزاوية المصلحية الوطنية السياسية .
ولهذا فإن الصفة الاستشهادية يصبح التوقف عندها مطلوبا خاصة لجهة من يدفع باتجاهها ولا يمارسها بنفسه أو أبنائه ، وبالتالي الانطلاق للتعامل مع القضية ليس في ضوء الأفكار السماوية وإنما الأفكار الأرضية الإنسانية التي نقدر عليها .
عوامل اختيار الوسيلة
إن الدفاع عن الوطن واجب ، والمقاومة حق للشعوب والنضال بكافة أشكاله أو أي من أشكاله مطلوب لدحر الاحتلال ، ولكن اختيار الوسيلة دوما مرتبط بعوامل ستة هي :
1- القدرة
2- الأهداف
3- التوقيت
4- العوامل البيئية
5- القيم
6 - الشرعية .
وإن توفرت القدرة على النضال بشكل من الأشكال أو لدى طرف أو أكثر وانطلقت الإرادة من سجن القدرة في ظل الأهداف المقررة أو الأهداف السياسية ( والتي قد نختلف عليها كأيديولوجيين وأصحاب النظرة السياسية الواقعية ) فإن التوقيت عامل هام وهو كما لا أظن الجميع غافل ليس في صالحنا وخاصة مع الاستكبار الأمريكي المعولم الذي يشهر سيف الحرب على الإرهاب ويشن حملته " الصليبية" الجديدة كما ذكر الرئيس الأمريكي جورج بوش ضد العرب والمسلمين ، ونحن في ظل تعدد الأهداف وعدم الاتفاق على الهدف السياسي المرحلي ( كما بدا واضحا في الحوارات الأخيرة بين فصائل العمل الوطني التي عانى بعضها أو بعض من أعضائها من الخلط الأيديولوجي والتاريخي والتعبوي والسياسي) وبالتالي انعدام الاتفاق على سياسة المرحلة وبرنامجها وقيادتها الموحدة نزداد ضعفا ، وفي ظل توقيت أسود نحن فيه خاسرون على أكثر من صعيد .
الفرسان والعوامل البيئية
أما عن العوامل البيئية وخاصة الإقليمية فالأمة وفق نمط التفكير التاريخي أو الفلسفي أو حتى الاستهلاكي الفاسد لا تنظر في المدى المنظور لخوض حرب ضد إسرائيل أو أمريكا ، ولا تحتسب ليوم يوحد فيه صلاح الدين المشرق والمغرب ليخوض حربا عالمية ضد ممالك الفرنجة الذين حكموا العالم آنذاك ويحكمه اليوم دولة الاستكبار المعولم . كما أن التيار المتشدد في الأمة العربية والإسلامية لربما لم يدرك أن الحرب على ممالك الفرنجة وصلح الرملة معها أبقى على ممالكها في الساحل الفلسطيني واعتُرِف بها ولم تزال إلا بعد 100 عام على يد الأشرف قلاوون ، مما يعني أن حكمة صلاح الدين كانت في نظرته السياسية التي وعت الظروف فحددت الغايات وفق القدرات وحافظت على الشرعية النضالية ، وغيرت العوامل المحيطة ، فجعل من الصلح هدفا وتحقيق التسوية إثر وحدة الأمة مبتغى ، وعمد لإبقاء شعلة الثورة والجهاد في خلفائه بعدا تعبويا تاريخيا أيديولوجيا وليس سياسيا ، فهو سياسيا وفي مداه الزمني ومرحلته وعى حجم المخاطر مع استمرار الحرب العالمية التي خاضها ، فوضع أهدافا قابلة للتحقيق ، وتحلى بقيم الإسلام السامية في الحروب وقيم الفرسان حين النزال رغم نذالة المحتل الإفرنجي ومذابحه ، وحّد وناضل وصالح ، ولم يرسل أحدا من عناصره لا هو ولا من سبقوه ليفجروا أنفسهم في الأعراس والنوادي أو البارات في القدس أو حيفا .
عمليات إرهابية ؟!
إن امتلاك القدرة وشرعية الأهداف لا يسبغ بالضرورة شرعية على الفعل أو الوسيلة ، الذي يحتاج لشرعية القضية وعدالتها كما يحتاج لشرعية النظام وللشرعية الإقليمية والعالمية خاصة في ظل اختلال الموازين وتفتت القوى ، والتي لا نمتلكها الآن في ظل السخط العالمي وحتى العربي والإسلامي الرسمي ، والصورة الأحادية التي تُرسم للعمليات التفجيرية ضد المدنيين باعتبارها عمليات "إرهابية" خاصة بعد أن وقع تصنيف هذا الفعل كذلك ولا شيء غيره بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن والتي أتاحت المجال لوصم كل العالم العربي والإسلامي بالإرهاب ، والإرهاب الحقيقي هو إرهاب الدولة الإسرائيلية والاستكبار المعولم ، كل ذلك يحتاج منا إلى رؤية جديدة وأساليب جديدة لا نخسر فيها قضيتنا، ونستطيع تحقيق أهدافنا، ولا نخسر العالم من حولنا، هذا الحال والوسيلة متغيرة و إمكانية تحقيق الهدف يجب أن يكون المعيار .
أبوبكر و قيم الوسطية
أما عن القيم وهي ما لدينا وما يميزنا كعرب وكمسلمين وكمسيحيين فهي ما يلفظ التطرف ويرفض التشدد ، ويعلي من شأن الوسطية والحوار ، وديننا الإسلامي الحنيف وصف الأمة بالأمة الوسط ، ولا أظن من يفتي أو يجتهد اليوم بأفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي أعلى من شأن القيم عندما سن أول قانون محدد للجهاد يمنع قتل المدنيين وقطع الشجر والتعدي على العزل ، ما تساوق مع خلق القرآن الكريم ، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي منع جهاد الأطفال معه كما فعل مع حبيبه زيد بن ثابت ، وليس كما فعل البعض الذي يجب أن يُساءَل ويُحاسب حينما غرروا وزجوا بأحد عشر طفلا في أتون العمليات الاستشهادية في غزة ، والذي منع قتل النساء والصبيان من الأعداء على سبيل المثال حيث قال عبد الله بن عمر : وجدت امرأة مقتولة في بعض المغازي فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان .
فالذي نقوله أن للحرب والجهاد بشقه العسكري أو الذاتي قيم ، وقيم سامية _تناقض قيم الوحشية والعدوان والفاشية الإسرائيلية_ وبغض النظر عن أدلجة العمليات بين استشهادية غير قابلة للطعن بل ويشتم أو يكفّر بمن هو قائل غير ذلك ، أو انتحارية أو تفجيرية أو فدائية ، وعن رأي البعض القائل أن اللجوء لهذا الأسلوب اضطرارا أو انتقاما أو باعتباره الأسلوب المتاح في ظل انحسار الخيارات أو الوسائل الأخرى ، أو باعتباره الأسلوب الأسهل والأكثر قتلا ، فإن التحلي بقيم التسامي والتعالي والقطيعة مع أساليب الاحتلال يصبح سمة تتكامل مع العوامل الستة للأسلوب .
خطأ أدلجة السياسة
إن تسييس المعتقدات أو الأيديولوجيا خطأ يضر بأركان التعبئة الطويلة الأمد والغايات ، كما أن أدلجة المصلحة الوطنية في ظل المرحلة المنظورة خطأ سياسي قد يجند الكثيرين في متاهة الانحراف أو صعوبة التراجع ، وهو ما لم ينجرف في أتونه حزب الله اللبناني الذي أوقف العمليات من جنوب لبنان بكافة الأساليب استنادا لتفاهمات السلطة اللبنانية مع إسرائيل ومؤثرا المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية ، ولم ينجرف_ أو لن ينجرف_ فيه التيار الوطني والإسلامي الفلسطيني الغالب كما أظن ، و الذي نرى وعبر مختلف الحوارات نظرته المتطورة والمتغيرة لتبني أو عدم تبني العمليات من زاوية الواقع والعوامل المؤثرة والمصلحة الوطنية التي ستقضي باتخاذ الرأي الصائب والأساليب الأفضل في المقاومة وتواصل الانتفاضة حتى تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة .