قيادة الفوضى!
18-02-2008
قيادة الفوضى!
هناك نوع من المسؤولين، وهم إما قادة أو مدراء يتولون إدارة مهام العمل في مؤسسات ، خاصة في التنظيم السياسي عبر رسم التوجهات وإطلاق الرؤية وتحديد السياسات ، ثم يقومون بعد ذلك بتسليم مفاتيح العمل لكل مبادر وقادر على العمل، يدعمونه ويصدون عنه كل محاولات التخريب أو القفز أو التهميش أو التحقير.
عندما يضع المدير أو القائد الأهداف أو رؤية أو سياسة للعمل ، ويختار أو ينتخب الطاقم يصبح دوره الرئيس بعد هاتين المرحلتين هو إمساك الخيوط لمنعها من التشابك، فلا تضارب ولا تقاطع ، ويصبح دوره رسم مجالات التعاون بين الأطر والأفراد عبر توفير مناخ من الرعاية ومن خلال عملية الرقابة والتقييم والمتابعة.
إن المتابعة فن لا يتقنه إلا القلة من القادة الملهمين (بكسر الهاء) أو المدراء المبدعين لأن المتابعة عين على الخطة وعين على التنفيذ، والمتابعة فن تمهيد السبل وتعبيد الطرق أمام القافلة لا اعاقتها أو نهبها ، والمتابعة للقائد فن إدارة الموارد والأفراد لتحقيق الرؤية عبر الانجاز وتحقيق النتائج.
إن القيادة بالرؤية قيادة شفافة ذات صدر مفتوح وأيادي مرحبة ، قيادة الثقة بالذات والآخرين ، قيادة الطاقة التي تنطلق من الشخص كأنه كوكب دري يضيء في الآخرين أداء متعاظما ، وينابيع متدفقة حيث التحفيز يعد عاملا حاسما في صاحب الرؤية الذي يعمل تحت ضوء الشمس لا في الظلمة.
في التنظيم السياسي أفراد وصلوا لمواقع القيادة (أي المستويات التنظيمية العليا) في غفلة من الزمن ليقودوا في الفوضى، أو كما كان يردد أحد أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح ويسميهم القادة بالصدفة، وهؤلاء وصلوا لمواقعهم نتيجة الصراعات السياسية-التنظيمية-المصلحية ، أو لأوهام العمل السري أو لقدرات انتهازية بلطجية طاغية أو لتقاطعات مراكز القوى، ومن هؤلاء من يفتقر للبناء الذاتي، فلا هو ذو خلفية ثقافية عملية تساعده على ملء موقعه، ولا هو يريد أن يتعلم أو يتطور فهو مكتفِ بما استقر في رأسه من سنوات طوال فلا كتاب ولا جريدة تستحق القراءة ، أو كما قال لي أحدهم متفاخرا؟! وهو يمط يديه وراء رأسه الكبير، وهو جالس خلف مكتبه الوثير : والله انني لم أقرأ كتابا من أربع سنوات؟! ومثل هؤلاء القادة في خضم الفوضى تراهم أجسادا بلا روح وشخصيات قد تظن أنت أنها للوهلة الأولى مليانة كما يقولون ، ولكنه عندما يتكلم أو حتى يتنفس تكتشف أنه الطبل الأجوف.
إن الموكوسين من قادة الفوضى يحبون الرجال والنساء الضعفاء، ويقدرون العناصر باهتة الملامح، والأفراد ذوي الحاجات المصلحية الذاتية لأنهم يستطيعون السيطرة عليهم بالتخويف او المال أو إدعاء الوصول للمقامات العليا، أو عبر إظهار الرفق أو التدين أو الشعبية ، فترى الأعضاء حوله بمنزلة الأتباع أو المريدين من شيخ الطريقة فيستسلمون كليا، فما دامت حاجاتهم مشبعة فلا بأس من قرع الدفوف في عرس تنصيب القائد الفوضوي قائدا ملهما.
إن القائد الفوضوي قائد بلا مباديء وبلا قيم: يحلف ولا يلتزم ويفتي ويغير فتواه ويحلل بلا دراية ، هو نصف مستمع، يرسم ويخطط بلا معلومات، ويسرق جهود الآخرين دون أدنى حرج او خجل، ويكتل ويستزلم ومن يخرج من محيط دائرته يلقى العنت والشدائد.
إن قائد الفوضى نقيض قائد الرؤية، حيث لا رؤية عنده ولا تخطيط ، ولا تنظيم ولا قوانين، وإنما دفقات من الأفكار العشوائية المرتبطة بمصلحة آنية تصيب أحيانا ، وتنكسر في أحايين كثيرة، تنجح آنيا وتدمر التنظيم استراتيجيا ولكنه في نظره العليل وعقله الكليل عمل جليل ليس له مثيل.
عندما يفتقد المدير أو القائد الرؤية والقيم والقوانين أو المباديء أو مفاتيح العمل فإن عمله، وإن كثر جهد بلا نتيجة وعمل بلا مضمون وتعب مع رغبة في ازياد مبهمة الأسباب.
صادفت قائدا فوضويا من أكثر من عشرين عاما وكانت كنيته (أبو محمد) ، وهو أيضا قائد بالصدفة حيث استشهد زملاؤه في إطاره فلم يبق ليستلم الموقع إلا هو، فكان أبو محمد -رحمه الله الآن- يثير الغبار حول الآخرين فيسد الرؤية عنهم ويسخف منجزاتهم وإن كانوا تحت امرته من جهة ، ويدبج المعلقات بما يقوم به وإن كان من أتفه الأمور، فعلى سبيل المثال ظهر تلك الأيام جهاز المثالة (الفاكس) وهو كغيره أداة عمل إلا أن قائد الفوضى اعتبر الفاكس اختراعا سريا فلا ورقة أو رسالة تخرج أو تجيء إلا تحت نظره وبيده هو فقط ، فيصبح انتاج الفاكس انجازا من انجازاته ، وما أسهل أن تمحو اسم شخص لتكتب اسمك عوضا عنه حتى لقب المذكور باسم (فاكس مان) ، وهذه الأيام ظننت أن مثل هذا النوع انقرض فإذ ببيوض الديناصور تفقس، وعودة لصاحبنا أبو محمد الفاكسمان نوضح أنه بمجرد أن جفت الموارد المالية أطفئت عليه الكهرباء وأصبح المريدون يمرون عليه دون أن يحييوه حتى قضى كمدا.
إن قائد الفوضى ينشر الفوضى ليسود، وقائد الفوضى يستغل الفوضى ليستمر، وقائد الفوضى-مع تحفظي أصلا على تسميته بقائد- يدعم الفوضى ليقود.يقول ملك الإدارة الحديثة الفيلسوف (بيتر دراكر) إن القيادة نتائج وليست خصائصا، فماذا يفيد الأمة قائد قنوع ذو أخلاق حميدة لا يحقق نتائجا أو انجازات؟ّ فما بالك بقائد لا يمتلك لا الخصائص ولا القدرة على الانجاز!!
في الثورة الفلسطينية-ولحقتها في ذلك بسرعة الريح حركة حماس- نرى بوضوح من أشكال الصنف الثاني الكثير وربما أنماط أخرى سلبية، وهذا الصنف الفوضوي أو قائد الصدفة رغم أنه قد يستثمر بعضا مما يحفظ من ظاهر الآيات أو يتغنى بغابر الأمجاد أويتظاهر بالعمل أو الجماهيرية أو البساطة، فإنه بتعبه هذا خاسر وبلا قيمة، أو كما يقول المثل (ضراط على البلاط) ويظل أصحاب هذا النوع من الإدارة يشكلون ثغرة في المركب ، أو تفاحة فاسدة في الصندوق سرعان ما تصيب البقية بالعطن إن لم تنتزعه من حضنها.
إن قائد الرؤية في حركة فتح وفي أطر الثورة الفلسطينية باعتقادي موجود في مختلف المستويات حتى مستوى الخلية ، فحين ترى الفكر الوثاب ورعاية المبادرات وتطبيق القوانين وتحقيق للتعاون والتآلف بين الأعضاء وحين ترى المركب يسير بثقة، وحين ترى متابعة بعينين مفتوحتين من رجل يشع طاقة تغمر الآخرين ما يلههم للعمل فإنه بواردنا أن نتغير ونتقدم ونحقق أحلام الامة.
Baker AbuBaker
بكر أبوبكر
Palestine-Ramallah
tel:0097222987619
موقعي الشخصي
www.bakerabubaker. com
موقعنا التدريبي الهام
www.fatah-training. org
سجل في الموقع ثم ادخله وشارك في زاوية دروس مباشرة