الانتفاضة تحطم النسيج السياسي


الانتفاضة تحطم النسيج السياسي

الاقتصادي في إسرائيل

         أصبح واضحا للعيان أن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة تجذرت في حركة الحياة اليومية الفلسطينية حتى أصبحت فعل صمود وتحدي في وجه البطش والقمع ، فعل تجاوز لمعاناة يومية لا يتحملها إلا ذوي الهامات العالية ورجال الصبر وأمة المرابطين الذين لا تثبط عزائمهم النكبات ، ولا تحني ظهورهم الويلات ، ولا تزيدهم أعمال العدوان والقتل والإرهاب والأسر والحصار والتضييق الفاشي الإسرائيلي إلا شموخا وتمسكا بخيار الفلسطينيين الأساسي وهو إرادتهم وعزيمتهم وإيمانهم وتواصل الانتفاضة ، موجة إثر موجة تستلهم التاريخ وتقرر المستقبل وتمضي بكافة فئات العمل الجماهيري نحو النصر .

            إن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة قد أثرت بشكل كبير في النسيج الإسرائيلي اجتماعيا وسياسيا ونفسيا واقتصاديا ، فلقد استطاعت أن تعيد تركيب الخريطة السياسية وتسحق أحزابا كانت بارزة في المشهد السياسي مثل حزب العمل صاحب التاريخ الطويل والصدارة لعهود طويلة ، الذي تحول إلى ذيل للحكومة الحالية أو حزب هامشي في ظل تنامي اليمين المتطرف ، ومثل حركة ( شاس ) التي تحولت إلى أضحوكة عقب إقالة شارون لوزرائها ثم إعادتهم استنادا لدورهم في التصويت على الخطة الاقتصادية للحكومة ، حتى أن الناخب الإسرائيلي في آخر استطلاع للرأي (1) عارض عودتهم للحكومة والائتلاف بنسبة 58% في نفس الاستطلاع الذي دحرج حزب العمل وبن اليعزر عن الخريطة ، حيث حصل مقابل شارون على 18 % فقط .

         لقد قضت الانتفاضة الباسلة على الأحزاب القلقة والأحزاب الخجلة من السلام وطوحت بها وبدأت تخط رسما جديدا في الخارطة السياسية يتيح بقوة لظهور أحزاب جديدة وتيارات جديدة ستفضي على كثير مما ساد في عهد باراك و شارون .

         كما أن الانتفاضة الباسلة قد أدمت الاقتصاد الإسرائيلي ، وأوجعت بنك إسرائيل إلى الدرجة التي جعلت الكنيست يصادق بأغلبية 74 مؤيدا مقابل 28معارضا على تقليصات الميزانية التي طالت الوزارات ، ورفعت القيمة المضافة وخفضت مخصصات التأمين الوطني ، في ضربة للناخب الإسرائيلي المتضرر على كافة الصعد نتيجة سياسة حكومته الإرهابية الحادة ضد الفلسطينيين ، والمنعكسة سلبا على طريقة عيش الإسرائيليين بحيث عبر 70 % منهم عن عدم رضاهم عن أداء شارون في المجال الاقتصادي الاجتماعي (2) ، وفي استطلاع أخر لمعهد داحف مع يديعوت أحرونوت قال68% أنهم لا يثقون بأداء وزير المالية في المجال الاقتصادي وهم أنفسهم قالوا أن قيادة شارون الاقتصادية لا يثقون بها بنسبة 67% ، وألحقت العينة في الاستطلاع الأول ذلك بالقول أنه لا يوجد لشارون خطة اقتصادية بنسبة 63%وأنه لا يقلق على الفقراء بنسبة 68% بل وأنه لا يستطيع إحلال السلام بنسبة 70% ، وأنه لا يقود إسرائيل لمستقبل أفضل بنسبة 48% رغم إقرارهم بتشدده إزاء الفلسطينيين وإخلاصه لإسرائيل وقوته كما أفادوا ، بحيث أن جميع ممارسات هذا الزعيم القوي الشرس والعدواني والذي لا يمتلك نهجا كما يقول أبناء جلدته لم تفت في عضد الشعب الفلسطيني البطل ، بل أوجعت الإسرائيليين الذين عبروا عن سخطهم وعدم ثقتهم بالسياسة الاقتصادية لحكومتهم ولشارون  

        إن الانتفاضة الباسلة أوجعت بنك إسرائيل أيضا إلى الدرجة التي حدت بالدكتور ( ديفيد كلاين ) محافظ بنك إسرائيل إلى تقديم خطة (3) تعزل الشؤون الأمنية والخارجية عن الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بإقتراح تشكيل مجلسين وزاريين منفصلين لأنه كما يقول " اعتقدنا أنه أصبح هناك إجماع وطني يحول دون تكرار أخطاء ارتكبناها سابقا فيما يتعلق بإدارة الشؤون الاقتصادية ، إلا أننا بدأنا نشعر في مطلع القرن الواحد والعشرين بالسوء ، ومنذ سنة ونصف الأخيرة ونحن نسلك طريقا غير صحيح " ومن أين له مثل هذا الشعور ، وما سبب ولوج الطريق غير الصحيح  إن لم يكن بسبب المتغير الرئيس والكبير هنا ممثلا باستمرار الانتفاضة  الجماهيرية العارمة ، وسياسات شارون الإرهابية الحمقاء .

          لقد تكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر بلغت 6,5 مليار دولار جراء الانتفاضة الباسلة (4) خلال الشهور التسعة عشر الماضية ، ولا يستبعد المحللون انهيار الاقتصاد الإسرائيلي في حال توقف الدعم الأمريكي  ، وتشير كل المؤشرات الاقتصادية إلى أن هناك تراجعا في معدلات النمو والاستثمار وارتفاع معدلات البطالة وتزايد عجز الموازنة وانخفاض قيمة الشيقل الإسرائيلي ، وحيث سجل الاقتصاد الإسرائيلي أسوأ نمو في تاريخ إسرائيل العام الماضي حيث سجل 0,6% وبلغ الانخفاض في السلع والخدمات الإسرائيلية 3 مليار شيقل ، إضافة إلى أن التوقعات(5) الاقتصادية لنسب النمو في الناتج المحلي للعام الحالي 2002 تقدر حسب محافظ بنك إسرائيل بصفر في المائة أو أقل مضيفا أن أي نمو أقل من 2% في إسرائيل يعتبر ضعيفا لأن معدل الزيادة السكانية يتجاوز 2% ؟؟!

        لقد توقع الكتاب الإسرائيليون فقرا قادما وأجورا منخفضة وبالتالي السير في طريق ملئ بالألغام الاقتصادية لا سيما ونسبة البطالة في الربع الأول من العام الحالي 2002 شهدت ارتفاعا كبيرا وصل إلى 6 ,10 % كما تقول يديعوت أحرونوت (6) بحيث انضم 44ألف شخص جديد الى دائرة العاطلين عن العمل في إسرائيل.

        لم يستطع الإسرائيليون ولن يستطيعوا أن يغفلوا حقيقة الحتمية التي تسير باتجاهها الدولة الفلسطينية مهما كثرت الصعوبات أمام الفلسطينيين ومهما تكاثفت الغيوم حيث يقول شمعون شيفر في يديعوت أحرونوت  ( 7) إن إسرائيل تقترب ( من اللحظة التي سيطلب فيها الحسم في سؤال فضلت تجاهله طوال عقود من التواجد في المناطق : متى وبأي شروط ستنسحب ) ، مضيفا أن (الإنجاز الأساسي للعشرين شهرا من الانتفاضة الفلسطينية التي كشفت العجز الإسرائيلي في إيجاد  حلول مرضية هو طرح مسألة إنهاء الاحتلال بقوة أشد على جدول الأعمال العالمي ) ، وعليه ماذا يمكن أن يقول زعيم حزب يحاول جاهدا تركيع الفلسطينيين عبر ضربهم بيد من حديد ، وباليد الأخرى لا يستطيع أن ينكر حتمية إقامة الدولة الفلسطينية كما يقول بن أليعزر ، رغم ما يضمن تصريحاته من أكاذيب للاستهلاك المحلي .

        ورغم تذبذب الناخب الإسرائيلي القلق على حياته ومعاشه والمشتت بين الموافقة على مبدأ دولتين لشعبين من 53% إلى 57%  في استطلاعين متتاليين ، وبين 25 % فقط يؤيدون الدولة الفلسطينية في استطلاع آخر (8) ويعارضون العودة لحدود 1967 بنسبة 16 % ، وبين تراجع في شعبية شارون من 59% الى 51% حسب استطلاع لصحيفة معاريف نشر في 21/6/2002 ، ما يجعلنا نطيل الوقوف والتأمل والخروج باستنتاجات و قراءات تصب حتما في صالح الانتفاضة وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة في النسيج الإسرائيلي .

      إن الساسة الإسرائيليون والنسيج الإسرائيلي يقف على عتبة متغيرات سياسية كبيرة قد تغير خريطة الأحزاب والمصالح والقوى المؤثرة في المجتمع وانتخابات الكنيست القادم وبالتالي في طريقة النظر للصمود الفلسطيني والعنفوان الوطني، ومتغيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة في المجال الإسرائيلي خلخلت المستقر وعبثت في التوازن مما تنبه لها عدد من الكتاب والمؤرخين والساسة والاقتصاديين وكان عاملها الرئيس والواضح الإشراق الفلسطيني والوحدة الوطنية والالتفاف الشعبي ، والانتفاضة الباسلة المنتصرة بإذن الله .

 الهوامش :

‍1- استطلاع ماركت ووتش مع صحيفة معاريف 7/6/2002

2- نفس الاستطلاع السابق

3- يديعوت أحرنوت ، عيدان غريناوم ، خطة محافظ بنك إسرائيل 8/6/2002

4- سامي مقداد ، الانتفاضة وتأثيرها في الاقتصاد الإسرائيلي ، الحياة، 14/6/2002

5- المصدر السابق .

6- يديعوت أحرونوت ، 8/6/ 2002

7- يديعوت أحرونوت ، شمعون شيفر ، 7/6/2002

8- استطلاع مركز سميث للبحوث ، جورازيلم بوست ، 8/6/2002 .

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر