في ذكرى انطلاقة حركة فتح 2008

28-12-2007
في ذكرى انطلاقة حركة فتح 2008
 انتصار الفكرة وصعود التنظيم الجماهيري.
بكر أبو بكر
تستقبل حركة فتح العام 2008 وهي قوية ثابتة ديمقراطية، حيث الأرض ممهدة لاستمرار انخراط الأعضاء في المشاركة و صنع القرار عبر العملية الديمقراطية الداخلية المتصلة حتى انعقاد المؤتمر العام السادس هذا العام . وحيث السياسة بين أيدي قادة فتح أثبتت أنها تسير وفق وصايا الراحل الخالد ياسر عرفات الذي وضع بين نظر الجميع القدس والدولة واللاجئين والسيادة والشهادة معا، كما وضع بين يديها وديعة الوحدة الداخلية والوحدة الوطنية لأنه بفتح الموحدة وفتح الوطنية الديمقراطية وفتح الشفافية وفتح الصعود التنظيمي والجماهيري تكسب فلسطين البوصلة وفلسطين الدولة، ولأنه بدون فتح تضعف الإشارات وتتناقص الروابط وتنهار عوامل الجمع وتبدأ القسمة تنخر في عظام الأمة.
قال الرجل الثاني في حركة فتح صلاح خلف (أبوإياد) في أحد مهرجاناته الصاخبة (إن قوتنا في وحدتنا، كونوا جميعا وإن تضايقتم، ولا تكونوا آحادا وإن شعرتم بالراحة) وقال رحمه الله (دعني أدافع عنك لتقول رأيك، واجتهد في مخالفتك) ما لم تقبله القيادات الفلسطينية ما قبل الانطلاقة ، وخاصة قيادات الإخوان المسلمين ( يراجع كتاب د.عبد الله أبوعزة مسؤول الإخوان المسلمين تلك الحقبة )[1] والقوميين في فلسطين وخارجها.
إن فتح انتصار الفكرة لا تجعل من مواقف الهزال والاندحار لرجال صغار فيها أو من خارجها عنوانا، وإنما فتح الانتصار للفكرة أعمدة خمسة للعمل الوطني ، وفلسفة عقل ناقد ومبدع ، وعمل مرتبط بالحضارة العربية الإسلامية. وفتح الانتصار بصعود التنظيم الجماهيري مساحة ديمقراطية واسعة داخلها ، وفي الوطن لكافة تياراته ، خلافا لحركات الاستئصال والانقلاب والفكر المنغلق في تيارات حركة حماس أو غيرها التي أصبح مثقب الأرجل والرصاصة في الرأس شعارها ملطخا بالتكبيرة.
إن فتح المعادلة المركبة من الإيمان بالله والوطن والالتزام بالمسيرة بكافة السبل عبر (الثوابت الفلسطينية) التي تعد من أبرز منجزات فتح الواقعية العقلانية والتي أجمع عليها الكافة وراء فتح ، وانجاز التمسك بالوحدة الوطنية التي أدماها الآخرون، وبحركة دءوبة داخلية هي فتح الانتصار والتقدم. وهي فتح الانتصار لفكرها الثري الذي عبرت عنه الجماهير المليونية الغفيرة في غزة الجريحة بالالتفاف الواسع حول ذكرى وفاة قائد الأمة والوطن الخالد ياسر عرفات طيب الله ثراه.
سنتعرض في هذه الورقة بمناسبة ذكرى انطلاقة فتح ، انطلاقة الثورة الفلسطينية الحديثة، لستة مواضيع نرى أولويتها في مقالنا هذا العام ، على أهمية مواضيع أخرى قد تجد النور في أوراق قادمة.
أولا: أعمدة الفكر الفتحوي
        أول ما يواجهك من الناس الذين لا يفهمون الحركة أو يتعمدون الإساءة إليها لخلل أصابهم في المسيرة فتجاوزتهم ، أو لرغبة لم تتحقق فملأت القلب غيظا والنفس حقدا ـ أول ما يواجهك من أمثال هؤلاء الناس هو قولهم خاصة لكوادرنا الصغار : إنك تنتمي لتنظيم بلا فكر ، فهل حركة فتح كذلك ؟
أن التنظيم أي تنظيم هو مجموعة من الأفكار تتجلى في الأشخاص والأعمال ، فلا تنظيم سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي ينشأ بلا أهداف أو أفكار عدا عن أن الله سبحانه وتعالى منّ على الإنسان بالاستخلاف لعمارة الأرض بما أودعه فيه من عقل ليس زينة وإنما لينجز جهدا يعبر عنه بالفكر ، وعليه فكل إنسان أو جماعة أو تنظيم بالضرورة تمتلك فكرا ، وفتح بكل بساطة هي صاحبة العلامة المسجلة في الفكر الوطني الذي يعطى الأولوية للقضية الوطنية دون أن ينزع عنها عمقها العربي والإسلامي والعالمي ، وفي إطار الأولوية يدفع الأعضاء للتركيز لتحقيق الأهداف وجمع الطاقات في اتجاه فلسطين ضمن مراحل شكلت العقل الواقعي السياسي لهذه الحركة .
1-فتح الهوية الوطنية
أن الوطنية بمعنى التخصص والأولوية والتركيز كانت من مميزات حركة فتح التي لم يستطع أي تنظيم أن يباريها فيها ، بل أن فتح التي جوبهت باتهامات شرسة بالإقليمية والكفر  بعد أكثر من أربعين عاما تجد أن كل المتهمين لها أخذوا يتهافتون على تبنى فكر الوطنية الفتحوي متخلين عن اتهاماتهم لها بالرجعية أو الإقليمية أو الكفر .
أن الوطنية تمثل العمود الأول من أعمدة فكر فتح الخمسة وهي الاستقلالية و الكيانية والوسطية والتشاركية . أن حركة فتح باتخاذها فلسطين بوصلتها ألقت بأثواب الحزبية جانبا لما تجذبه على الناس من تعصب مقيت نرى نتائجه يوميا فيما يحدث في غزة الصمود والأبطال ، حيث التعصب الحزبي أدى لسلسلة خداعة من الفتوى والتكفير والقتل .
إن فتح الهوية الوطنية ( لا القومية الشوفينية ولا الاسلاموية الحزبية ولا الشيوعية العالمية) انجاز الانطلاقة الحديثة للثورة الفلسطينية الباسلة التي لم يسبقها أحد ، ولحقها الآخرون كبّاً على وجوههم حينا ولاهثين حينا، إلى الدرجة التي يأتي فيها كاتب محدث مؤخرا بلا هوية أو اسم صريح لينكر على فتح إطلاقها شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة لؤما وحسدا بل وتجنيا مقصودا على التاريخ.[2]
وإذا جاز لنا أن نقتبس رأي الفتحويين بفتح الوجه الوطني فإننا ننقل رأي أحد الأخوة في الملتقى الفتحاوي ما يمثل ثراء هذا الفكر حيث يقول في رسالة وجهها لي[3] (أن فكر التحرر الوطني الذي رفعت فتح رايته له قسمين رئيسيين: أحدهما سياسي وهو محدد في مجموعة المبادئ والأهداف والأسلوب في الباب الأول من نظامنا الأساسي ،[4] وفيه تحديد واضح وجلي ، لكيفية بناء وتحديد معسكرات الخريطة السياسية بين معسكر صديق ومعادي ومحايد نسعى لاستمالته ... والآخر تنظيمي: وهو محدد في النظرية التنظيمية التي تحدد وترسم الأطر والصلاحيات والرقابة والنقد ... وتوضح بدقة كيفية بناء التنظيم وتسيير أعماله بما يخدم تحقيق الأهداف النضالية من خلال عمل تراكمي جماعي يصهر الفرد في بوتقة الجماعة دون أن ينزع عنه خصوصيته وإنسانيته ، وهي ( النظرية الثورية ) التي تحتاج للتجديد . ) 
2-فتح القرار الوطني الفلسطيني المستقل
 بالاستقلالية حافظت فتح على الحرية في التفكير ، وأعلت من شأن العقل ، وشجعت الخيارات والإبداع ، وحافظت على القرار الوطني المستقل منذ محاولات التخريب العربي في جسدها عام 1966 ولاحقا عام 1968 ثم بالانشقاق عام 1983 وما تبعة ، ومنذ الانقلاب التابع للأجنبي عام  2007 في غزة .
لقد رسمت الاستقلالية خيارات الثورة بتعدد أشكال النضال وتعدد أشكال المقاومة العسكرية والجماهيرية والسياسية حيث الشعار الذي ما فتأ يردده هاني الحسن بأن ( العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد ومن يزرع يحصد ومجنون من يزرع ولا يحصد ) .
3- فتح وبناء الكيانية الفلسطينية
أما بالكيانية فقد كرست فتح منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) ممثلة للشعب الفلسطيني ووطنا معنويا ، بعد أن أعادت للشعب هويته وعزته وكرامته وشخصيته الثورية التي سعت أنظمة السقوط العربي -وتنظيمات الشعارات الخيالية أوالدجل على الجماهير- لطمسها وتكريسها كهوية لاجئين مشردين بلا وطن أو دولة ، يحتاجون لإغاثة لا لوطن حر مستقل. كما أثمرت فتح إنجازها الساطع عبر السلطة الوطنية الفلسطينية التي أصبحت المدخل الشرعي للدولة القادمة بمقاومة الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرض الإسراء والمعراج .
والكيان أو الشخصية إذ تصنع تتشكل كثقافة هي معبر الناس وسبلها للتعبير عن حياتها وحاجاتها ، وفتح في هذا الإطار صنعت ثقافة الثورة والثوار ما لم يسبقها اليه سابق، فأحيت الكوفية رمز الثورة ورفعت العلم الفلسطيني عاليا فوق كل الرايات ، وكرست طقوسا محددة للجلسات والمهرجانات حيث الوقوف حدادا والترحم على الشهداء، وفتح بالثقافة أدخلت إلى قاموس اللغة العربية اسمها الجميل كما أدخلت الكادر والمناضل والفدائي ولفظة( أخ وأخت) التي ساوت باستخدامها بين الكبير والصغير في الحقوق والواجبات ، ما جعل من لازمة الكبير خليل الوزير أبوجهاد (بسيطة يا أخ ) تكرارا يعبر فيه عن قانون المحبة في فتح  مشفوعا بابتسامته الغامرة يغدقها على كل أخ متضايق أو حزين أو بائس أو غاضب أو يائس أو يجهد نفسه بالنقد سعيا للأفضل.
4-فتح الوسطية حيث حرية العقل
أن الوسطية في فتح واقعية سياسية لا تفريط ولا تطرف لا أحكام مقدسة ولا فتاوى ولا تكفير بل احترام ومحبة للشعب الفلسطيني كافة بمسيحييه ومسلميه ، ووسطية فتح السياسية ليست توافقية تلفيقية كما يظن البعض وإنما موقف بل مواقف حفاظ على المبادئ والأهداف والتوازن المجتمعي لأن فتح كانت الأولى وما زالت باحترام الرأي والرأي الأخر فهي بكوادرها تمثل فرسان العقل في الحضارة العربية الإسلامية.
 وفتح كما يقول أحد زملائنا وأخوتنا الأحبة من الملتقى الفتحاوي ( فلسفه حياة كاملة متكاملة ، تنعكس كليا على المؤمن بها وتؤثر بشكل مباشر على كامل ممارساته ، إن كانت تلك الممارسات آنية تتعلق بأمور الحياة اليومية ، أو دائمة تتعلق بالهدف الأسمى والبعيد للإنسان نفسه ، وهي فلسفة قائمة على تحكيم العقل و المنطق في كل القضايا  الوطنية والشخصية ، ووضع ما يمليه العقل والمنطق تحت مجهر الفحص النقدي الدائم والمستمر لاستكشاف فجواته ونواقصه ، وبالتالي تصحيح الممارسة وعدم التواني عن نقد الذات، واستخلاص الدروس والعبر وإعادة ’’القطار’’ إلى سكته الطبيعية التي تصل به إلى محطته النهائية المرجوة).
  مضيفا أن (فتح كما فهمتها هي الإيمان بالعقل كثمرة قابله للتطور [5]المستمر لاستيعاب المعطيات الثابتة والمتغيرة التي تؤثر في المسيرة ، والقادر بالتالي على التأقلم معها والتأثير بها لتحقيق الهدف. إن فتح -كما آمنت بها - هي دعوة مفتوحة ودائمة  للنهل من كل ما هو متوفر لنا من علم ومعرفه وثقافة ، واستغلالها لتوسيع مقدراتنا على التفوق ب’’السباحة ’’ في ’’محيطنا العاصف والهائج’’ -بالمعنى الحياتي الذاتي والوطني العام-  فتح  التي أحاول ممارستها : هي التحلي بالشجاعة اللازمة لنقد الذات ليس بهدف جلد النفس ، بل من أجل معالجه الأمراض قبل استفحالها ، و فتح هذه وبهذا المعنى هي فلسفه حياة باستطاعتنا غرسها بسهوله في عقول وقلوب أطفالنا ، كما غرسها السابقون منا فينا ، وهم ونحن بذلك نستطيع النوم قريري العين على أن أجيالنا الحالية واللاحقة ، أنها تمتلك البوصلة الحقيقية والصحيحة  لمواجهة تحديات الحياة ، والصمود على طريق الهدف النهائي) . [6]
5-فتح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية
وفتح التشاركية: ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحقوق إنسان وشفافية وتداول على السلطة ، ما أثبتته أمام أعين العالم أجمع حينما سلمت السلطة لخصم لم يستطيع الحفاظ على السلطة فانقلب عليها بالقوة المسلحة.
أن موقف وفكر فتح أعبّر عنه كما قال الفيلسوف زكي نجيب  محمود في كتابه تجديد الفكر العربي صفحة 199 هو الموقف الذي ( أن بقيت ظروفه على حالها تبقى مبادئه مثلا عليا للحاضر كما كانت للماضي، وما تغيرت ظروفه تتغير مبادئه ، فالموروث عن الأسلاف هو لنا بمثابة نقطة ابتداء أي –مبدأ-  ينقي بعضها وتحذف بعضها بحسب ما تقتضيه حياتنا العصرية ) .
ثانيا: صورة حركة فتح   
استطاعت فتح أن ترسم صورة مشرقة استقرت في أذهان الناس سواء في الوطن أو خارجه فهي مفجر الثورة وهي الكوفية وهي الانطلاقة وهي منجزات الأمة، وهي الاعتراف العالمي بالقضية وهي منظمة التحرير الفلسطينية وهي ياسر عرفات وهي الديمقراطية وهي يدا مروان البرغوثي المسربلة بالحديد يرفعهما في وجه جلاديه ، وهي فارس عودة في مواجهة الدبابات، وهي آيات الأخرس أول شهيدة في الانتفاضة الثانية. لكنها في المقابل ولسلسلة من ألازمات التي سبقت ولحقت وفاة الرئيس الخالد قد شوشت هذه الصورة، ورسمتها بشكل سوداوي في بعض جوانبها ما جعل الخصم والعدو يستغل ذلك في محاولة لتكريس فتح وكأنها الفساد والنزاع وما ذلك إلا ظلم مقصود وتجني مرصود يؤخذ به الكافة بجرائر القلة الذين ندينهم ونعريهم دون أن نحتاج لتخرّصات ومفاسد أحد بيننا،[7] وإنها فوضى وخلافات وإنها كفر وزندقة أو خلافه من المفاهيم التي لم تدخل في رأس الناس، وظلمت الصورة الحقيقة التي تمثل الصورة الأولى والراسخة.
 يقول المثل العربي الشهير ( إياك والسآمة في طلب الأمور ، فتقذفك الرجال خلف أعقابها) وفتح لم تسأم من بذل الجهد أبدا ولم تفرط في الكفاح، بل كانت ومازالت حركة متواصلة دءوبة تجاه الأعضاء والجماهير وتجاه الأصدقاء والعالم .
فتح الصدر الحاني
رغم مناورات الخصوم وحقد بعضهم الغريب، إلى درجة تزوير التاريخ واقتلاع الجذور، ورغم أراجيف الأعداء المحتلين الذين يتنفسون الصعداء مع كل لطمة لحركة فتح ، ظلت فتح الأولى في كل ايجابية فلم يستطع أحد تجاوزها لأن ( دونها خرط النقاد ) . ففتح أن لم تكن الأولى بين الثورات العالمية فإنها المتميزة، صنعت مساحة حركتها وجذبت الموافق والمخالف لها فحققت صورة التنظيم العنيف ضد الاحتلال، الثوري،  واسع الصدر على الأعضاء والجماهير ، ال

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر