2005 عام التغيير في حركة فتح
2005 عام التغيير في حركة فتح
إثر الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، والانتخابات البلدية برزت العديد من النقاط السلبية في الأداء الفلسطيني العام، وفي الأداء التنظيمي (لحركة فتح) والتي سنتعرض لبعضها في فتح من زاوية تنظيمية بحتة في ورقتنا هذه، ولكن قبل ذلك من المثير الإشارة لمفصل إيجابي مفاجيء تمثل بأن يتقدم عدد من كوادر الحركة لإعلان مسؤوليتهم عن الفشل في انتخابات بعض بلديات غزة في آلية تبشر بالخير ، لحقها عدد من قرارات هامة صدرت عن اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح الذي انعقد ما بين 5-7/2/2005 في مدينة غزة، والذي اتخذ عددا من القرارات التي تمثل متغيرا حقيقيا في طريقة التفكير والتعامل مع الأحداث، وخاصة من خلال تشكيل لجان لإعداد البرنامج والنظام الأساسي والعضوية والخطط والبرامج ، والتي تسلمها عدد من القيادات الهامة والمؤهلة في الحركة مثل الأخوة عثمان أبوغربية وصخر بسيسو وناصر القدوة وعدنان سمارة وأحمد عبدالرحمن.
إن انخراط كل من الأخوة المذكورين ومعهم جمال الشوبكي ومحمد الحوراني وأحمد حلّس وأمين مقبول وأحمد النصر-على سبيل المثال- وغيرهم في آليات صناعة الفعل عبر لجان رسم الخطط والهياكل والسياسات تظهر تقدما ملحوظا في طرائق التفكير في حركة فتح التي من المؤمل انتقالها من مرحلة التكلس التي أصابت بعض مفاصلها إلى مرحلة نفض الغبار، لا سيما وناصر القدوة يطرح آليات علمية بأفكاره التي منها فكرة تمرير 80 نقطة تمثل البرنامج عبر الهيكل لجميع الكوادر، تتماهى مع المتغير العام ، وصخر بسيسو يطرح تواصل الأجيال والتكيف مع الأوضاع الجديدة، وعثمان أبوغربية يطرح أن من واجب فتح إعادة تنظيم نفسها لأن مصيرها هو مصير الشعب الفلسطيني.
وعود على بدء يمكن للمتأمل في الوضع التنظيمي العام للتنظيم الفلسطيني، و الوضع الفتحوي خاصة أن يجد كثيرا من عناصر الضعف التي تشكل أسباب احتمالية التبعثر و الانهيار لو استمرت دون الدخول من مرحلة التحليل و التشخيص إلى مرحلة تحضير البدائل و تخير أفضل الحلول، كما بدا في القرارات الاثنتى عشر للمجلس الثوري الأخير.
لقد عانى (تنظيم) حركة فتح -أي الكتلة الكبرى المشكلة لمجموع أعضائه و كوادره- عبر السنين وما أبرزته الانتخابات الأخيرة من (تيه تنظيمي) قد نجد أبرز عناصره ضمن التالي:
1- الديمقراطية و مساحة المشاركة:
يتصارع في الحياة الداخلية التنظيمية ثلاثة مفاهيم أو تيارات متعلقة بمساحة الرأي و التعبير و بالتالي مساحة المشاركة في القرار ، المفهوم أو الرأي الأول يصر على تطبيق مفهوم الديمقراطية المركزية المحققة في النظام الأساسي لحركة فتح امتدادا لاعتناقها من أنظمة المنظمات الاشتراكية تلك التي تخلت عن ايدولوجيتها و فكرها و نظامها، و في نطاق هذا المفهوم تختزل معظم الصلاحيات لتعطى لأعضاء اللجنة المركزية للحركة(القيادة العليا) دون دور حقيقي للأطر الأدنى مثل المجلس الثوري أو الأقاليم صعودا و هبوطا.
أما الرأي الثاني فيرى نموذج الديمقراطية المجاور (أي إسرائيل) و يعتبره قدوة بمعنى إمكانية الخروج من (على) الحركة حال اختلاف كتلة أو أكثر بالرأي مع تيار آخر أو حتى مع التيار العام في حركية وديمقراطية تتيح للجسم الحركي أن يكبر أو يصغر أو يتقلص أو يتفتت بعيدا عن قرارات الأطر ، وضرورات الالتزام بالاستحقاقات الديمقراطية ، ونفس هذا المفهوم يرتبط مع ضرورة توسيع مساحة الديمقراطية لتنشأ مع الأعضاء منذ الانضمام للحركة الذي لا يحتاج من المرء إلا أن يشهد أنه ( فتح) ، فيحوز على بطاقة العضوية ، وربما عضوية لجان المناطق والمؤتمرات المختلفة وكما حصل من خلال إفرازات المؤتمرات التي عقدت في الضفة وغزة منذ العام 1996 ، والتي كتبنا حولها كتابنا المعنون حركة فتح والتنظيم الذي نريد. أما الرأي الثالث فيرى ضرورة توسيع قاعدة المشاركة ووضع لوائح خاصة ومحددة للصلاحيات لكل إطار مع الحفاظ على الثبات النسبي للجسم عبر ضبطه بمكونات الفكر والثقافة وترسيخ الانتماء ، وتفهم الأبعاد القومية والحضارية واحترام الأطر.
وفي اعتقادي أن تيار ( مفهوم ) الديكتاتورية أو الالتزام الحديدي أو المركزية الشديدة وهو التيار الأول والذي يمثله عدد من ذوي المصالح في الحركة سواء ممن يتوقعون الفشل أو السقوط في المؤتمر السادس من أعضاء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري أو الأقاليم نتيجة لتقصيرهم أو انزوائهم أو تخلفهم عن الانخراط في شؤون الحركة أو مهامهم ، يمثل هذا التيار خطرا على الحركة قد يؤدي بها إلى التكلس والتحجر وسيادة مفاهيم الأبوية والاستئثار التي لا تليق بتنظيم متحرك وجسد مرن . كما أن التيار ( الرأي ) الثاني فيما يتعلق بالديمقراطية في الحركة ( أو مساحة المشاركة فيها ) وهو تيار الديمقراطية الفوضوية أو الديمقراطية المنزلقة - كما أحب أن اسميها – سيعجل بتغيير بنية الحركة فيقضي على تماسكها ويحقق انهيارها أو تغيرها الكبير لصالح ذوي المصالح الخاصة ممن ينظرون لأنفسهم أندادا لآخرين من المسؤولين المتقدمين في الحركة ويرون أنفسهم ( رموزا ) بعد أن استشهد الرمز الوحيد لتبقى فلسطين فقط هي الرمز . ويلتف حول تيار الديمقراطية المنزلقة مجموعات من الشباب التي لا تفقه من الديمقراطية إلا شقها الأول ألا وهو إمكانية التعبير بحرية والتكتيل وصناديق الانتخابات دون أن تدرك أن الانتخاب أو الديمقراطية لها شق ثاني مكمل للأول ولا تقوم قائمة الديمقراطية إلا به وهو الالتزام بالنظم والقواعد واللوائح .
إن الديمقراطية حوار والتزام فكما يتاح لكل شخص أو جماعة أو تيار حرية التعبير – ضمن أطر الحركة – عن رأيه فإنه مقابل هذه الحرية معني بالحفاظ على مساحة الحركة والتعبير المعطاة له ليستمر في النمو من داخلها وليس أن يكسرها ويدمرها ويندلق أو ينزلق خارجها .
2-المرجعيــــــة : من الواضح أن لدى الكادر لبسا أو اضطرابا في فهم معنى المرجعية خاصة في ظل تعددية المرجعيات وما ظهر في انتخابات الرئاسة والبلديات ، فكيف لعضو في حركة ( فتح) في إقليم خانيونس مثلا أن يفهم أن هناك لجنة إقليم مسؤولة عنه بنفس القدر الذي يقول مسؤول الشبيبة أنه المسؤول عنه وكذلك الأمر مع مسؤوله في الجامعة، ناهيك عن الانتماءات العشائرية المعقدة، لذلك تراه متعلقا برقبته-إن كان يبغي الالتزام الحركي- بين ثلاثة مسؤولين مباشرين من جهة، كما تراه من جهة أخرى يشاهد الفضائيات ويرى الألقاب الكبيرة الخطيرة من مثل أمين سر مرجعية فتح في غزة، وأمين سر اللجنة الحركية العليا في الضفة، وأمين سر مرجعية فتح في الضفة ومفوض التعبئة والتنظيم، وعدّد ما تشاء من مسميات لا يفهم كيف تكون كلها مسؤولة عن بعضها وعنه وبشكل تراكبي غير مفهوم، وطبيعة العلاقة بينها غير مفهومة أو متضاربة أو ضعيفة .
أضف إلى ذلك بُعد الارتباط التنظيمي بمرجعية الجهاز الأمني ، أو كتائب الأقصى وتفرعات الأطر الميدانية الأخرى الكثيرة المتبعثرة ( لجان المقاومة الشعبية ، كتائب العودة ، صقور فتح، كتائب شهداء جنين، كتائب أبوالريش... ). ما يجعل من وحدة المرجعية بمعنى مسؤول واحد لكل عضو مهمة شبه مستحيلة في غابة المسؤولين القائمة دون فك اشتباك بينهما وفي ظل استفحال مشكلة العصبوية والعشائرية التي ظهرت جلية في انتخابات بعض البلديات في الضفة وغزة.
3-السلطة التنظيمية: هل يعتبر الانتماء التنظيمي مقدما و ذو أولوية على ما سواه من انتماءات؟ أم أن التنظيم أصبح مطية-كما كتبنا سابقا- يتم استخدامها للعبور للمصالح الشخصية أو الفئوية؟ و هل يعتبر الالتزام بالتنظيم فكرا و مسلكا و حوارا و سياسات مقدما على الولاءات الشخصية أو ولاءات التيارات داخل الحركة؟ و هل الحركة تسبق العشيرة أو العائلة ما أثبتت الانتخابات التشريعية والبلدية عكسه للأسف لدى الكثيرين ؟ وهل يستطيع التنظيم فكرا أو أعضاء وإطارا أن يعيد صياغة سلطته، مرتبطة مما سيلي -أي عقب المؤتمر السادس- بالنظام ( الدستور ) والقوانين ؟
إن السلطة تمثل قدرة أو قوة ضمان إلزام الآخرين بأوامر أو قرارات المسؤول وفق الموقع الرسمي ، ومما هو مستمد أو منطلق من النظام والقوانين وهذه في التنظيم متداخلة أو ممزقة مع نوازع القوة أو نوازع النفوذ، التي يتداخل فيها مكونات الشخصية ذاتها من جهة ، وعوامل الاستقواء بالموقع الرسمي ضمن السلطة الوطنية أو الجهاز الأمني أو العشيرة أو الجهة.
إن تداخل ( النفوذ) بمعنى توجيه سلوك الأعضاء عبر الامتناع أو الترغيب والترهيب أو الإيحاء أو تجييش العواطف أو الأحقاد ....الخ أو ممارسة القوة بعيدا عن الموقع الرسمي أو التسلسل التنظيمي، سلوك شائع في مختلف التنظيمات الرسمية ( المؤسسات والوزارات ) وغير الرسمية ( المنظمات السياسية وغير الحكومية والأهلية ) وتدخل في باب ( الصراع ) الذي يعد مكونا من مكونات الحياة الداخلية لأي جماعة أو منظمة ، ولكن استخدامات القوة أو النفوذ قد تصبح ضارة وتنذر بخطر متى ما كان الجسد ضعيفا، أو أن المجموع يأخذ منه ولا يعطيه فيصبح الانخراط في التنظيم ذو اتجاه واحد يؤدي إلى استهلاكه ثم إلقائه جثة هامدة خامدة بلا روح .
إن خطوط السلطة في التنظيم تلك المرتبطة بالهيكل التنظيمي وفق ما ورد في النظام الأساسي للحركة ( 1989) تحتاج للكثير من إعادة النظر خاصة وان المطبق على الأرض في الوطن يختلف في تطبيقاته مع النظم لاسيما في اللبنة الأولى ( الخلية ) التي تكاد تنعدم ويستعاض عنها بمجموع الأعضاء في المنطقة أو الموقع أو الحارة، ولا تستطيع أن تلحظ التزاما فعليا بخطوط السلطة لأن أي منها ، وكثير منها ، لا تستمد سلطتها من النظام أو الانتخابات أو تحقيق مطالب الأعضاء بقدر ما تستمدها من التعيينات المرتبطة بالتوازنات أو التيارات أو حقائق مديات النفوذ أو القوة .
4- الخطاب السياسي والتنظيمي : كثيرا ما قرأنا أن لا تنظيم سياسي بدون خط سياسي ولا تنظيم ثوري بدون فكر ثوري ، ولا تنظيم بلا فكرة أو مجموعة أفكار وسياسات( متغيرة ) يتم التجمع حولها ، ويتم الارتباط بها باعتبارها القائد والمرشد للحياة الديمقراطية ، والقائد والمرشد للوسيلة أو الأسلوب المتبع .
إن توزع الحركة بين طرائق تفكير متعددة، و بين تعبيرات سياسية تلاحظ كأنها خطابات سياسية متوزعة (رغم وحدة الحركة نسبيا في هذا الجانب) تجعل المتحكم في مسار الأحداث عوامل بعيدة عن القاعدة (فكر- سياسة- نظام- مرجعية- وسيلة- عمل)إلى (وسيلة تجر الفكر و السياسيات و الكوادر)إلى منزلقات قد لا تتفق مع متطلبات السياسة و مقتضى الحال،و لنضرب على ذلك مثالا صارخا ألا و هو التوزع النسبي القائم في الحركة بين من يسمون دعاة المقاومة و الآخرين من دعاة السلام، آو باللغة الملغومة أو المتشددة دعاة التسوية أو الاستسلام – مما لا نتفق معه- و لا نتفق أصلا مع طبيعة التصنيف إلى تيار مقاومة و تيار تسوية، لأنه لا تسوية أو سلام أو حل (نتيجة ) تأتي دون مقاومة أو كفاح أو نضال (مقدمات)، لأنه و في الحركة لا أرى اختلافا حقيقيا بين من يصفهم الإعلام أو غير المدرك لحقائق الأمور(بتيار المقاومة، و تيار السلام) فالمقاومة(وسيلة) يجب أن تكون مرتبطة بفكر أو أهداف (ثوابت) و مرتبطة بذات القاعدة المتسلسلة السابق ذكرها (فكر- سياسة- نظام- مرجعية- وسيلة- عمل (نتيجة)) أي أن السلام هو هدف المقاوم، و المقاومة وسيلة رجل السلام لتحقيق الثوابت.
و مع ذلك يقف العديد من الأعضاء و الجماهير و الإعلاميين ليبرزوا خلافا بين تيارين، و منهم من يثق بنفسه أنه من هذا التيار دون ذاك مما يجعل الحركة تظهر في المظهر العلني، الإعلامي و كأنها منقسمة بين هذين التيارين (المقاومة/السلام) و هذا سببه ليس حقيقة الانقسام حول الفكرة، و إنما عدم القدرة على ربط الالتزام بالفكرة بتحويلها لسياسات معلنة و متبعة من الأعضاء، و ربط الالتزام بالفكرة بالتزام المرجعيات فيها و عكس الالتزام بالفكرة و السياسات و المرجعيات على ذات الوسيلة.
و بطريقة مبسطة و أكثر وضوحا فإن حركة (فتح) رسميا قد حزمت قرارها بإتباع طريق الكفاح الجماهيري، و التخلي عن وسيلة الكفاح العنيف منذ عهد الرئيس الخالد القائد الشهيد ياسر عرفات، و هذا القرار تكرر تأكيده من القيادات المركزية و من الأطر الحركية العليا جميعا وأخيرا في المجلس الثوري الأخير، و لكنه بقي يلقى في نفسية الأعضاء-بعض الأعضاء- ترددا في شكل تطبيقه، و معارضة أو تناقض في الالتزام به من قبل كوادر شهداء الأقصى الذين يعلنون تكرارا الالتزام، وعمليا نقيض ذلك (في الفترة الأخيرة ظهر التزاما كبيرا وخاصة بعد قمة شرم الشيخ) مما يعني إما: عدم قدرة الحركة على السيطرة على أعضائها، أو تشابك خطوط العمل لكوادر الحركة مع المنظمات الأخرى ما يفسد ضمان الالتزام، أو انجراف الكوادر للانفعالات و العواطف و النفسية المتمردة المرتبطة (بالوسيلة) التي أصبحت ( هدفا) و (ثابتا) بحد ذاته أصبح التخلي عنه صعبا جدا و كأنه خرق لمقدس من المقدسات ، لا كوسيلة أو عامل قابل للتغيير وفق المصلحة السياسية.
إن الخطاب السياسي و التنظيمي يعاني لدى عدد من كوادر الحركة من رذيلة الوجهين أو أكثر فهم مع هذه الفئة يِؤيدون الكفاح المسلح و سحق العدو الصهيوني، و مع تلك يظهرون بوجوه ناعمة تبتغي السلام و تلعن أبو اليوم الذي رمي فيه صاروخ على بلدة (سديروت)، و يضيع في هذا الخضم الأعضاء و الناس بين الأرجل. فلا حسيب و لا رقيب على أفواه أرباب الفضائيات الذين في هذه المرحلة – ما بعد الرئيس القائد الخالد ياسر عرفات- من المتوجب ضبطهم و توجيههم و تقليصهم بدلا من أن تصبح سياسات الحركة مستمدة من شاشات البعيد لا من لقاءات التنظيم و مؤتمرات التجدد الحركي.
5- المتابعة: في الحقيقة لم أرى-أو أقرأ- في حياتي التنظيمية التي تنقلت فيها بين عشرات الأقاليم، و عشرات الدورات التنظيمية، و آلاف الكتب و الدراسات لم أرى أو أقرأ أو أسمع عن قيادة تنظيمية - اللجنة المركزية – أكثر تفلتا من المسؤوليات الحقيقة كما هو حاصل في حركة (فتح).
لقد عبر الكثيرون عن ضعفهم أو عجزهم أو قلة أو انعدام متابعتهم بالغمز من قناة الرئيس الشهيد الراحل باعتباره يمسك كل الصلاحيات و يعدد الخطوط و يقوي المرجعيات على حساب غيرها، مما قد يحمل في طياته شيء من الصحة المستندة لأسلوب إدارة الرئيس أبو عمار المرتبطة بشخصيته الكاريزمية و اعتباره القضية الفلسطينية هما لديه ما بعده هم، و حياة له لا حياة له قبلها أو بعدها. و ها نحن و بعد عدة شهور من وفاته ما زلنا ندور في حلقة مفرغة هي ذاتها المرتبطة بعوامل الضعف السابقة ، و من أبرزها ضعف أو انعدام المتابعة سواء في لجان الأقاليم و التعبئة و التنظيم و المجلس الثوري –و أرجو أن لا أكون مصيبا هنا- إلا أن ضعف المتابعة يظهر جليا في عدم دورية أي اجتماعات. و هذا المظهر العلني الهام دليل صارخ يتقاطع مع عدم فهم طبيعة الصلاحيات أو حدودها من جهة ثانية. و يلقى الإهمال للكادر و ضعف الاتصال به و تلبية حاجاته و تثقيفه بظلاله من ناحية ثالثة ، فيتم الإلقاء به في معمعات الانتخابات دون متابعة أو جدية متابعة حتى لمصالح الأعضاء و متطلباتهم اليومية التي يجب أن تُعلى و تحترم، بحيث تصبح خدمة التنظيم و الناس والقضية هدف أي تنظيم، و تصبح متابعة شؤونهم حتى استكمالها و تحقيق الرضا عنها عنوان العمل التنظيمي الحق.
إن المتابعة تفترض سلسلة من المراحل هي مراحل الإدارة المعروفة سواء في المؤسسات أو المنظمات حيث ( التخطيط – التنظيم – القيادة – و الاتصالات و المتابعة – الرقابة و النقد و المحاسبة)في نظام متكامل من المدخلات التي تتفاعل ضمن عملية متصلة لتكون مخرجاتها محققة للأهداف أو السياسات أو القرارات.
وهنا تبرز أهمية إعادة بناء التنظيم وفق أسس التغيير المرتبطة بتحديث القيادات و الهباكل و الأفكار و المخططات، و السياسات عبر الندوات و آليات بناء و تثقيف الكادر و عبر المؤتمرات الدورية ناهيك عن الاجتماعات الدورية و إفساح مساحة واسعة للحوار و المشاركة و اتخاذ القرار و الالتزام به.
6- صلاحية الأشخاص: لقد أشار لنا العديد من الأخوة في إطار انتخابات الرئاسة والبلديات لمثل هذه الأمراض أو عوامل الضعف(1. مساحة المشاركة، 2 - المرجعية، 3- السلطة التنظيمية و الهياكل و الانتماءات، 4- الفكرة و الوسيلة و الخطاب السياسي للتنظيم، 5 - فقدان التخطيط و المتابعة و المحاسبة) و ربطوها جميعا بالعامل السادس و هو صلاحية الأخوة أو أهليتهم لمواقعهم حيث عبر الكثير من الأخوة عن انزعاجات ارتبطت بالعوامل الخمسة جميعا أو بعضا منها كما عبروا عن عدم ثقتهم بالعديد من الأشخاص رغم ثقتهم ببرنامج أبو مازن، أو برنامج (فتح)، و تساءلوا عن حقيقة الأشخاص في مواقع المسؤولية في الإقليم (المحافظة) و قدرتهم على المتابعة أو السلطة المؤثرة أو الانتماء في ظل ضعف التصويت في دوائرهم أو تشتته، و خاصة من الفتحويين و عائلاتهم على سبيل المثال.
كيف نبني التنظيم الفعال؟
إن العرض الموجز والسريع للوضع التنظيمي في حركة فتح، الذي رأينا بعض ملامحه إبان الانتخابات البلدية و الرئاسية 2005 لا يبشر بخير ، إلا أننا يجب أن نعمل على فتح أبواب واسعة لمزيد من التغيير، و أقفال أبواب أخرى أو يجب أن نعمل عبر مسار التغيير على أن نقفل أبوابا كانت مفتوحة مثل:
1- يجب إقفال بوابة التنظيم باعتباره قناة مالية، و يتم الاستعاضة عنها باستثمارات القاعدة، و اشتراكات الأعضاء، و المحاسبة الصلبة و الشفافية في كافة الأطر.
2- يجب إقفال البوابة التي تعتبر الحركة قناة توظيف، و إلا تحول التنظيم لمجموعة من المتسلقين أو الانتهازيين.
3- يجب عدم السماح بالتعامل مع التنظيم كدرع واق من القوانين و اللجوء إليه كعصيبة أو عصابة في ظل انعدام القبلية أو عدم استجابة السلطة الرسمية.
4- يجب عدم النظر للتنظيم كبيئة مفتوحة لمن هب و دب أو علا صوته و قل الأدب، فيتمزق الجسد بالأفكار المنحرفة و مجموعات المتسلقين أو الموبوئين. و يتحول التنظيم أيضا إلى كتلة هلامية غير محددة المعالم فكرا و سلوكا و نظاما و سياسات.
5- يجب ألا ينظر للتنظيم كبوابة للصحافة و الإعلام فقط، و بالتالي البروز العلني و التشدق المرئي (التلفزي) دون طائل، لأن العمل في التنظبم – لخدمة الناس و مصالحهم – في الأطر و ليس على الشاشات.
6- يجب ألا يستغل التنظيم كأداة سطوة و تجبر لكوادر السلطة الوطنية في مواقعهم التي تزداد قوة و تجبرا بالتنظيم، و ذلك عبر الفصل الواضح بين المهام الأمنية أو المهام الرسمية و بين المهام التنظيمية تحت طائلة النظام و القوانين.
إن التنظيم الفعال هو التنظيم (المنظمة) الذي يستثمر طاقة جميع أعضائه و بحدها الأقصى، و ربما يكون الكلام النظري سهلا علي، و على الكتاب أمثالي ما يراه العمليون-رغم أننا منهم أيضا- صعبا على الواقع، و لكني باعتباري مرتبط بواقع عضويتي في مكتب التعبئة و التنظيم أعلم رغم كل ما سبق أن حركة (فتح) ما زالت تمتلك العنفوان و القدرة. و ما زال الإزهار في أشجارها متاحا لكل من يريد أن يشتم زهرة أو يرتوي بعبير خميلة.
إن التنظيم الفعال برأيي يحتاج ليكون كذلك-أي فعالا- لخمسة أركان هي:
1- الرغبة والمحبة
2- الإرادة
3- القرار
4- حسن التنفيذ
5- التفرغ
و النقطة الأخيرة مختصة بالمستويات القيادية الموكل لها مهمة المتابعة في الأطر المختلفة تلك المتابعة اللاحقة للتخطيط و التنظيم و حسن التواصل، و في إطار مكتب التعبئة و التنظيم تحتاج لإعلان وحدة هذا المكتب على صعيد الضفة و غزة-ما بدت بوادره مبشرة بعد المجلس الثوري الأخير- و الخارج بلا جدال أو مماطلة، و عبر مرجعية واحدة تنهي المنابر الإعلامية، و نظام الحصص و اختلاق المواقع أو المكافآت عبر المواقع، ليقوم بدوره بالإعداد للمؤتمر السادس عبر المؤتمرات ثم يصبح لكل حادث حديث.
إننا نريد تنظيما فعالا يحقق نهضة التنظيم و تجدد دماءه و لدينا فرصة ذهبية لذلك – رغم عمق و صعوبة الظروف المحيطة المتعلقة بالاحتلال، و ضعف الدعم العالمي، و إحباط الناس، و عدم تغير الحال- و تتأتى الفرصة برأيي من إحساسي و ملاحظتي لوجود الرغبة و الإرادة لأصحاب القرار في الحركة -حتى الآن – لأن يتخذوا القرار، و خاصة في ظل قيادة الأخ محمود عباس (أبو مازن) و ما أحيطت به أو انتشر حول حملته من ارتباط بالإصلاح و التغيير في مؤسسات السلطة، و في حركة (فتح) على حد سواء، في الأفكار والسلوك والبرامج والسياسات وآليات التنفيذ والمتابعة والأشخاص.
إن التنظيم الذي يؤمن بالجداول التي تصب في النهر، و يرحب بتجدد هذه المياه كل ساعة و كل لحظة هو التنظيم الذي يجدد الأكسجين في رئتيه يوميا عبر النشاطات الجسدية، و عبر النشاطات العقلية والنفسية والروحية التي تبدع و تطور و تنمي و تنظّم و تجدّد و تغيّر هو التنظيم الذي نريد، و هو التنظيم القابل للحياة في ظل متغيرات الواقع الصعب فلسطينيا و إقليميا و عالميا، وهو تنظيم تحقيق الدولة والاستقلال، وهو التنظيم الذي يجعل مصير الشعب الفلسطيني مشرقا ومأمولا.
إن وحدة المرجعية أولا أمر لازم لا مفر منه إداريا و ماليا، كما أن التخطيط و التنظيم و الهياكل و المتابعة و حسن الاتصالات و المحاسبة مما يمكن أن يشكل لجنة خاصة لتقنينه أمر ضروري لتنظيم يعيش بأعضائه لخدمة الوطن و خدمة أعضائه، بآليات تنفيذ تفتح الذهن و تسمح للأزهار بالتفتح، و في سياق خطة العمل و آليات المتابعة و وضعها في سياق تنفيذي هذا ثانيا، تصبح (التعاميم، البيانات، الاقتراحات، دورية الاجتماعات، الاتصالات الشفوية و الهاتفية، اللقاءات،الورشات، المؤتمرات........) تصبح من لوازم العمل الديمقراطي و من أولويات وسائل المتابعة و التحقق من الوصول لكل عضو في التنظيم. و لا يقل أهمية عن ذلك ثالثا وضوح نطاق المسؤولية المرتبطة بصلاحيات الأطر و حدودها من حيث العدد و الحجم الجغرافي و القانوني، ووقف تعارضات الأطر المتشابهة بإزالتها نهائيا. أما رابعا فإنه يلزم ما اللزوم أصبح له لازما و هو البناء الفكري و السياسي والذاتي الحركي في ظل السعي العالمي لمحو التمايز الثقافي، و ضرب الحضارات و سحق الآخر، و في ظل سياسات عالمية تبصق على الفكر المخالف و لا تعترف بالحقيقة أو الصواب إلا مما نقل عنها أو عبر أفواهها و أبواقها و هنا تبرز أهمية التحقق من دفء ثوب الحضارة العربية الإسلامية الذي نلبسه و الذي كان و ما يزال و سيبقى يميزنا عن الآخرين و يصبّ فينا حقيقة القناعة بحقنا، تاريخنا، و مقاومتنا، و سعينا للسلام في جهد تعبوي لا يكل، و احتفاء بالأجيال القادمة على أرض فلسطين، أرض الآباء و الأجداد و التاريخ الرصين و عين الرضا.
أما خامسا فإن التغيير الهيكلي المرجعي الجوهري يجب أن يطال الأشخاص أنفسهم بكل تصميم و تأكيد خاصة في اللجنة المركزية و المجلس الثوري و يطال صلاحيات الأطر ذاتها ما يجب أن تؤسس عل هامشه لجنة منذ الآن تدرس ذلك فتوسع من صلاحيات المجلس الثوري على حساب اللجنة المركزية و تجعل من الانتخاب للجنة المركزية في إطار هذا الثوري، و تجعل من مدة العضوية في أي كان من الإطارين قصيرة لا تتعدى السنوات الأربع و تؤكد على ضرورة التغيير في النظام بحيث لا يتكرر العضو لأكثر من دورتين للجنة المركزية.
و بحيث يصبح – بعد المؤتمر السادس- مكتب التعبئة و التنظيم مشكلا من عدد من أعضاء المجلس الثوري فقط المتفرغين و المتخصصين في متابعة العمل التنظيمي فيلغى التضارب و تتأهل الأطر لاستقبال الجديد. و بحيث تلغى جميع الامتيازات – إن بقي منها شيء- المعطاة لأي من أعضاء الإطارين حكما، و لا يطرح التفرغ إلا لحاجة حقيقية ما دامت موارد الحركة ستصبح بين أيدي الأعضاء منهم المورد المالي عبر اشتراكهم و استثماراتهم و هم مفوضو العمل و النشاط و هم و - عبر الأطر الأخرى – تتم بهم و عليهم عملية المراقبة و المحاسبة و تتبع الشفافية و تزداد مساحة التواصل و المشاركة.
ربما يكون المجلس الثوري لحركة فتح قد قام بعمل ثوري تنظيمي حقيقي هذه المرة عبر قراراته التي منها توحيد المرجعية التنظيمية، وتشكيل اللجان الأخرى، وتعيين ناطق رسمي ضمن دائرة الإعلام في الحركة، وتحديد دورية للاجتماعات، إلا أنه في سياق النقاط الخمسة الممثلة لفعالية التنظيم يصبح العامل الحاسم هنا حسن التنفيذ في ظل الرغبة والإرادة والقرار، وكله بانتظار تحقق التغيير الأكبر في سياق المؤتمر العام السادس وما سيليه.
لماذا نقول كل هذا؟ و لماذا نتأمل في وضع حركة فتح؟ هل في وفاة الرئيس القائد الخالد ياسر عرفات متغير كبير؟ نقول نعم، و هل في أربعين عاما من النضال ما يحتاج للمراجعة و التغيير؟ نقول نعم، و هل تغيرت مياه النهر و تكدس الأجيال ما يستدعي إعادة النظر؟ نقول أيضا نعم، وهل الظروف التي سبقت و لحقت مسيرة الحركة(عربيا و إقليميا و عالميا) تغيرت بصورة جذرية تستدعي و لو لمرة واحدة النظرة الجدية للمتغيرات؟ أيضا نقول نعم. و نقول نعم لأن فتح لم تعد أيضا التنظيم ذو السطوة و ذو الخطوة و ذو النفوذ دون غيره ما أفرزته الانتخابات. لأن في الساحة تنظيمات أخرى نشأت في حضن منظمة التحرير أو خارج هذا الحضن و من حقها أن تثبت نفسها و تقدم برامجها و تشارك في القرار، فإذا أرادت (فتح) أن تواصل بسط مشروعها و سياساتها و فكرها فإن عليها بكل ببساطة أن تتغير، وليس أي تغيير ، لأن الضفادع في قعر البئر- وحدها، حسب الأسطورة الصينية-تدعي أن حجم السماء لا يزيد على حجم الفتحة الدائرية في أعلى بئرها.
فلسطين في 13/2/2003