هاجر تحلل!

21-12-2007
هاجر تحلل!
 من كتابنا: في الزمن الواقع بإمكانكم أن تطيروا، دار الشروق، عمان، 2003
 
       كانا من بيئة متوسطة، فلم يفرق بينهما اختلاف انطوى على فقر وغنى أو عشيرة وقبيلة أو قرية ومدينة أو حضر وبداوة ...وإنما فرق بينهما ما هو أكبر من ذلك ؟!
       جلست على طرف الأريكة ، هكذا تعودت أن تجلس طوال عشر من السنين ، تجلس وتبدأ بالكلام ... لا تتعب من الكلام ، فهي له من الممتهنين حتى تجلت الصنعة فيها!إن سؤلت كان جوابها بلا حدود ، وإن طلب منها أن (تنقد) فلانا او فلانة أفلتت خيوط لسانها وإن أمسك الجميع عن الحديث تألقت وانتعشت إنها أم لسانين ! هكذا كانوا يسمونها في الحي .
       جلس مسندا ظهره الى الأريكة المجاورة ، ينظر إلى فمها ولسانها وشفتيها ويتفكر بالحركات العجيبة التي تؤدي لخروج الحروف والكلمات والجمل من فمها الغريب ...تتكلم فلا يكاد يرفع نظره في وجهها فهي فم لا غير ؟! ليس للعيون او الجبين أو الخدود أي معنى لأن حياتها مركبة ما بين شفتيها وما لا تصونه.
       جاءت ام اللسانين وذهبت أم اللسانين وقعدت أم اللسانين حتى أصبحت سيرتها على (المانشيتات) الرئيسة في جلسات الصباح الهاديء لنساء الحي ...قالت ام عمران: عجبت اليوم من أم اللسانين كيف تكلمت لأكثر من نصف ساعة ولم تبلع ريقها ؟ قالت المجاورة : معقول ...لم تبلع ريقها؟ ردت أم عمران : نعم ، وأكاد اجزم أنها لم تلتقط انفاسها ... فتضاحكت النسوة من قول ام عمران ، وواصلن احتساء القهوة ...
       ربما اعتقدت أم اللسانين أنها بهذا الدور الذي ارتضته لنفسها تقوم مقام المذياع أو (التلفزة) ولكن سوء حظها أوقعها في حال أصبح في كل بيت بالحي تقريبا أحد الوسيلتين القاتلتين للوقت ...لم تعد الحاجة لأم اللسانين ...فقادها اعتقادها لاحقا الى أنها تقوم بمهمة إعلامية شاقة لا غنى عنها حتى في ظل المسموع والمرئي وهي مهمة التعليق على الخبر بل وفلسفته احيانا !... قالت هاجر وهذا اسمها: هل سمعتم تهديد كلينتون لأبي عمار انه إذا لم تستجب للأفكار الأمريكية في حل القضية الفلسطينية فإنني سأفلت عليك غول الحرب ، سأفلت باراك وجيشه عليك حتى لا تقوم للفلسطينيين قائمة بعدها؟! تلفت الحضور في وجوه  بعضهم البعض كالعادة ففي الخبر شيء مما تناقلته الصحف ولكن ليس هكذا ...أرخت النسوة لها الحبل ، فواصلت : وقال له إن تمسكت بالحرم القدسي فسأرصد لك المليارات ليبنى مثيل له في رام الله او أبو قش ... كتمت ام عمران ضحكتها وقالت : ولكن لماذا قرية أبو قش ؟! فقالت هاجر : لأنها على الطريق بين رام الله وبيرزيت ! لم يفهم أحد شيئا بالطبع ...واسترسلت تحلل والنسوة في لقاء الصباح هذا بدأن الانسحاب وإعادة الانتشار الواحدة تلو الأخرى ... وبعض الأزواج من المتقاعدين الجالسين أخلوا مواقعهم الى المقاهي ...لم يبق َ في (القعدة) إلا هاجر وربة المنزل وأم عمران...
       في خضم انتفاضة الأقصى المجيدة التي اندلعت إثر اقتحام مجرم الحرب المعروف أرئيل شارون محاطا بأكثر من ألفي رجل شرطة إسرائيلي باحات الحرم القدسي الشريف...اختلفت عادات الناس وتواضعت حياتهم سواء بالأكل أو بالشرب أو الزيارات أو الحركة ، لقد عم الناس شعوران الأول عزيمة وعنفوان وتصميم ادام الانتفاضة والثاني قلق وتوتر وإحباط بسبب الألم و التقتيل والإرهاب والحصار والمعاناة القاسية ... ولم تكن حالتا العنفوان والإحباط هاتين وتناوبهما غريبة على الشعب الفلسطيني فقد عاش مثل هذه الحالة مرارا وتكرارا منذ النكبة حتى أصبح التشكك والريبة والتشدد والتعنت من مشمولات شخصيته وإن بنسب متفاوته ارتبطت بالبيئة والثقافة ...إلا فيما يتعلق بهاجر المكناة أم اللسانين ...لم تكن الانتفاضة لتعنى لها تغييرا سلوكيا بل تطويرا إذاعيا لما تنقله من أخبار ومعلومات .
       تتنقل من بيت الى آخر ومن شقة الى أخرى ...تغيب عن بيتها ، وتنسى الطبيخ والغسيل وعنت الأطفال ، ولكنها لا تنطفيء ولا تركد ... عندما قصفت مدينة رام الله لأول مرة بصواريخ الاحتلال الإسرائيلي كانت النسوة يحتمين بهاجر ...دعوهم يقصفون فنحن لا نخاف إرهابهم ، وإن مات منا عشرة أو عشرين او مائة...دعوهم يقتلون فإن للظالم نهاية . تواصلت بتحريضها وخطابها حتى كادت تتفوق على ركاب الفضائيات العربية من القيادات الفلسطينية البراقة يسارا ويمينا .
       يجلس زوجها منبهرا يتأمل في لسانها ...راجيا من الله أن تهز له رأسها عندما يطلب منها شيئا ، راجيا من الله أن تشعره بكيانه الرجولي فتستأذنه بالخروج او تسلم عليه حين الدخول للبيت ولكن لا امل له ؟!... إن هاجر وجدت في الانتفاضة فرصة أكبر وحظا أوفر في ممارسة مهنتها ، متعتها الاصيلة المتمثلة في نقل وتحليل وفلسفة الاخبار وبالطبع تعظيمها وتضخيمها ...
       على حاجز البيرة الشمالي قرب فندق (الستي إن) وقفت تحدث عددا من الشبان يلقون بحجارتهم في وجه الغرابيب ...نظر إليها مراسل إحدى الفضائيات الذي عاينها في نفس المكان أكثر من مرة ...تقدم منها وسألها وما كان له ان يسأل ! لقد انطلق لسانها يهدر كما لم يهدر أي من ركاب الفضائيات من القيادات التي أدمنت الأثير ... في رام الله أصبحت هاجر –بعد أن اختفت كنيتها أم اللسانين بمجرد ظهورها على الشاشة  – علما من أعلام المدينة وأعلام فلسطين ... لا يكاد يمر يوم لا يخاطب فيه لسانها هذه الفضائية او تلك... تعبر بأمانة عن نبض الشارع وروح اطفال الحجارة وإقدام شبان الوطن ، وتعبر عن ألم ام الشهيد ، وفلسفة المواجهات الحجرية ، وعن سوء سلوك موفاز وترسم شكل الأفق السياسي في سفر المستقبل ... أو هكذا ظنت .
       لم يعد زوجها يتجرا أن يطلب منها كوب ماء ، ولم يعد يجرؤ أن يظهر أنه رب الأسرة ومرجعية شراكتهما والأطفال ... لأن الأطفال أصبحوا أطفال هاجر ، وهو زوجها وهي وركاب الفضائيات من القيادات الفلسطينية أعلام المرحلة ونجومها ، فلا بد لمثله ان ينحني للعاصفة لا سيما وهو منحٍ منذ زمن طويل ، فما الجديد في ذلك ؟!
       كانت هاجر وزوجها من بيئة متوسطة لم يفرق بينهما عين او أذن ، فقر أو غنى ، حضر أو بداوة ... وفرق بينهما ما هو أكبر من ذلك.

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر