صائب.. نصار الحق

12-12-2007
    

صائب.. نصار الحق

 

عندما تنظر إليه تشعر بالسعادة لأن ابتسامته مطلقة لا تستثني أحدا ، حتى في أحلك الظروف كان يستعين على المحن والرزايا بالابتسامة تشع من وجهه وعينيه ، وحينما كان يحتاج الموقف لكثير من الجدية، أو الشدة كان صوته الجهوري يشكل غلاف الحنان المختبيء بين جوانحه و المعبر عن إرادة الضبط التي يسعى لفرضها عند من لا يفهم سمو التواصل في ظل حراب يجب أن تظل متآلفة،ونصال ذات هدف واحد.

صائب نصار عين الصقر استودعنا وترجّل، ترك الكثير من الآثار في العقول والقلوب لأن المدرب المتمرس كان يتقن فنا لا يعرفه أو يدركه الكثير وهو فن التحفيز وفن إطلاق الطاقات وفن التأثير في الآخرين حتى تصبح الروح الراكدة شعلة من نار لا رماد لها.

صائب نصار عرفته وأنا شبل من أشباله ، وعرفته بعد 20 عاما زميلا في ذات مكان العمل حيث التوجيه السياسي والوطني في فلسطين، وما بينهما طريق طويل التقينا خلاله في مراحل وفي مواقف كثيرة كان الرجل يطير فوق الثرى صقرا يرسم بيديه وقلبه الكبير عنفوان اللحظات التي لم يستغني عنها وقاسم الجميع فيها، قاسم الأشبال وكوادر التنظيم والناس بيته كما قاسمهم روحا وثابة لا تهدأ ولا تنام.

في مرحلة الأشبال كان صائب نصار أبا حنونا يعلّم ،كما كان قائدا صارما و صقرا حاسما حين انتصار الفوضى وافتقاد النظام، وربما كانت شدته تلك هي المحفز للتغيير لمن ظن الفوضى مدخلا للتفلت من الالتزام في ظل ثورة عاشها في كل المفاصل وتعذب في سبيلها في مختلف المواقع حيث سجن وعذب ، وعبر بصموده عن حقيقة الثوار.

في أحد المعسكرات في محيط دمشق عام 1975 حيث كنت شبلا وكان أبوالوليد أحد أعضاء القيادة العليا لمؤسسة الأشبال التي كان نشيدها (كل شبل ، كل زهرة، في سماء الفتح ثورة، وستبقى مستمرة ثورتي رمز العطاء) كان ينسج خيوط الوطن في سماء المعسكر، وكان يرسم فرحة القادم رغم عمق الجرح الفلسطيني، وكان بإيمانه بالأطفال والطلاب والجيل الشاب يؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية التي احتضنت الآلاف من أشباله.

في ذاك المعسكر كان النظام والانضباط واضحا في النوم والصحو والبرنامج التدريبي والخروج والدخول وعدم التدخين والحفاظ على النظافة، وكان الحب والحزم يسيران معا جنبا إلى جنب من قبل قيادة المعسكر، خالف أحد الأشبال المزعجين نظام المعسكر بتكرار التدخين الممنوع في المعسكر، فلم تفت هذه الحادثة على صائب نصار وقرر أن يحفر النظام في عقول الجميع فقام وقيادة المعسكر بعمل (طابور إزعاج ) ليلي للجميع وأجلسوهم وهم نصف نيام ليروا عقاب المدخن بعد منتصف الليل، وفعلا هأنذا أذكر الحادثة ولا أدخن.

عندما استلم صائب نصار تنظيم الطلاب في الكويت كنت طالبا في الثانوية، ومن خلال جلساته الحركية تفتحت عيني على نظام هيكلي وفكري وأخلاقي جديد كانت فتح بوتقته ، إلى أن انتقل لموقع آخر هام، وحللنا كطلاب محله في قيادة أنفسنا وظلت العلاقة متواصلة لأن أبوالوليد المضياف الكريم لا يقطع ولا يبتر، وسمته الانفتاح والتواصل فبيته - كما قلت- شأن قلبه الكبير مساحة مفتوحة ، دوما مضاءة بزيت النضال وحكايا الثورة التي لا تخبو.

في الجزائر في أحد مخيمات الأشبال عام 1986 التقينا معا مدرب لمدرب هذه المرة، وتزاملنا في تجربة استفدنا فيها منه حسن إدارة الفعل، وقدرة التحريك للنوايا في نطاقات الفعل المفضي للانجاز.

لقد بدا لي حينها بركان عمل يلقي بحممه في كافة الاتجاهات وشاركته في ذلك عائشة رفيقة دربه المقدامة كصخور اللافا الثائرة أبدا، التي لا تهدأ إلا بعد تحقيق أهدافها ، هل قُدّ صائب من جرانيت ؟! أم أنه امتلك الإيمان الذي لا يتزعزع بالله وفلسطين والأمل الكبير بالنصر؟! لقد كان جامعا للصلابة والإيمان ومعهما مسرب التوصيل منه للآخرين.

فوق التل ، وتحت التل مرورا بكثير من الصعوبات و بين الأشواك سار صائب كما هو حال الختيار قدوة المجاهدين وأب المناضلين، وتنقل بين المواقع المختلفة في التنظيم والأشبال ولجنة القدس في دمشق والخليج وتونس ثم في الوطن حيث ألقى عصاه أخيرا.

في قلب العاصفة،وعندما نزل المستعجلون عن الجبل، رفع الحق على كتفيه وصان ذاته ومساره عن النوازع والمثالب والشهوات فسجل النقاط الكثيرة في ميزان ذاته وشعبه، وعند ربه.

كان في مقدمة القوات التي تسلمت رام الله من الاحتلال عام 1994، وكان في مقدمة الركب الذي استقبل الأسطورة ياسر عرفات ، وهو بشخصه الذي لا يمكن إزاحة النظر عنه، وبقامته المعتدلة وصوته الهدار كان لا يؤمن بالصفوف الخلفية أبدا،لأنه من أصحاب مدرسة العمل الذي يجب أن يبرز ويتحدث عن نفسه، ومن أصحاب مدرسة النور لا الظلمة.

في ركاب الحق وفي وسط الصورة سار صائب الهدف نصار الحق عبر المراحل، وحين تسلم التوجيه السياسي والوطني في رام لله ، ومنه إلى نهاية المطاف في محافظة رام الله والبيرة ، حيث استشهد في 11/12/2007 ولم يلقي بكل أحماله،ومازال في جعبة الصقر الكثير من الشوق والعيون والتحايا والوقيد التي لن تغيب حيث سنظل نراها في أبنائه وليد وسماح ووفاء، وآلاف الأشبال والطلاب والرجال والنساء من خريجيه وأصدقائه وأحبابه .

 

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر