المعارضة وطقوس اللطم

08-12-2007
المعارضة وطقوس اللطم
قبل أن يذهب الوفد الفلسطيني الى مؤتمر (أنابولس) تجهزت آلة المعارضة الفلسطينية لتقوم بفعلتها دون أدنى تحرى أو تفهم أو محاولة استكشاف لخطط أو توجهات المفاوض الفلسطيني، فالمفاوض الفلسطيني في عيون المعارضة عامة مدان و متهم دوما وأبدا!؟ فلم تكد أي خطوة تتبعها أخرى تظهر للعلن إلا وقوبلت بالرجم قبل ظهور الدخان الأبيض أو الشهود الأربعة الثقات.
مفهوم المعارضة لدينا أصبح لكل شيء، الى درجة أن الطفل يولد وفي فمه كلمة لا، يبكي بحرقة لأنه لا يرى في عين والديه إلا السلبيات دون الكثير من الايجابيات في الحياة والروح، وكأن المعارضة تعني اللطم والشكاية والرفص (بالصاد) والبكاء، والمعارضة هذه –كما نراها- لا ترتبط ببرنامج واضح المعالم قابل للتصدى لبرامج الآخرين ما يجب أن يحترم ويعقد من خلاله المواطن العادي المقارنة الواضحة.
 إن المعارض-من هذه النوعية اللطمية-يعتبر نفسه غير معني بإعطاء البديل أو التفكير بالحل، (وأنا مالي) لأن كل ما يتقنه الزعيق في المظاهرات والشتم في المنتديات والاتهام في المجالس والتكفير في المساجد، وما أسهل ذلك حيث يستخدم الجمهور المغلوب على أمره ليستمع غصبا عنه دون مساحة حرية ليقول ما يريد، أو يطالب المعارض بأن يقابل غضبه وصراخه ببرنامج أو باستعراض للموقف من كافة الزوايا حيث لا يعقل أن يكون المربع مغلقا على السلبيات فقط.
لم تعد المعارضة تعني برنامج مقابل برنامج وخطة مقابل خطة وواقع مقابل واقع ومواقف قابلة للحياة مقابل أخرى بل أصبحت-بطابعها اللطمي- صراخا وصياحا ولطما يعفي المعارض فيها نفسه من هم التفكير فيلجأ لما أتقنه رجال العالم الثالث وهو النقد المبالغ المضي للخلاف، والنقد المفرط المؤدي للشقاق، والاعتراض المصاحب بحمل السيف وقطع الرقاب، فيا لها من معارضة ! ويا لهم من معارضين.
قبل أن يتحدث المفاوض الفلسطيني كان متهما ليس في مضمون الحوار والتفاوض فقط بل وفي شخصه وتاريخه، وعندما تحدث بوضوح لم تشبه شائبة  في (أنابولس) كما هو شأن خطاب الأخ الرئيس أبومازن ووجه أيضا بالاتهام والتشكيك من هذه الفئة: غير صحيح، هناك طبخة، المؤامرة كبيرة، تغطية على غزو غزة، لعبة كبيرة، باعوها، اتفقوا مع اليهود.......... الخ من المصطلحات والشعارات سهلة الترداد، سهلة  الحفظ سهلة النفاذ صعبة المعاني وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على عقلية الخوف والتشكك المزروعة في النفس الفلسطينية منذ خمسين عاما أو أكثر، وإن كنا نلتمس عذرا للشخص العادي تشككه، فكيف بالمسيس والقائد في التنظيمات المختلفة؟! هل نقبل منه ذلك؟
إن المعارضة بمعنى الضجيج دون طحن وبمعنى الاتهام دون دليل وبمعنى توزيع الصكوك بالوطنية والخيانة أو توزيع  مفاتيح الجنة على هذا أو ذاك (ما عداي) صنعة استغلال اتقنها العديد من قادة التنظيمات المختلفة بغية استخدام الجماهير كمطية لتنفيذ أغراضهم في السلطة والتوظيف واقتسام الكعكة والمال والنفوذ وما الى ذلك منسلوك غير صحي.
هذا النوع من المعارضين اللطامين ، يعارض مادام ليس موجودا في الحدث، فإن وجد وقع في مطبات السياسة كما حصل من (حماس) التي أدخلت نفسها في سلطة لم تتقن التعامل معها فانحدرت في السقف السياسي من جهة، وانحدرت في لغة الحوار التي تحولت لسفك دماء ، قلنا أن هذه المعارضة عندما تكون في السلطة أو في الحدث تتحول التيارات المعارضة لها من الآخرين كفرا وزندقة ولا تجوز شرعا أو لا تجوز قوميا أو أيديولوجيا، وإن كنا لا نرى نظاما ديمقراطيا بلا معارضة فإن المعارضة الراشدة وعي وفكر مخالف يُحترم بالمضمون والطريقة الديمقراطية التي تعبر فيها عن نفسها ، اما المعارضة اللطمية فهي التي تستغل ربما الأحقاد والأكاذيب والأحلام، والخوف الجماهيري  وتنفخ في ناره ، وتستغل الريبة وتشعلها حامية فتقود الجماهير الى حتفها، ولا تهتم، ويعلم قائدها أنه لا يعلم شيئا من مضامين الفعل المقابل ومع ذلك يعارضه بقوة ما دام ليس فيه، ويعارضه كتراث تنظيمي يتوجب عليه أن يسير فيه واثق الخطو، ليظل يشار له بالبنان كمعارض وطني أو قومي أو اسلاموي أوأيديولوجي عظيم.
وكي لا نتهم وهذا من أسهل الأمور عند اللطميين ، فإننا لا نعفي أجهزة الحكم أو السلطة أي سلطة من واجبها باحترام الديمقراطية والقانون و التعددية دون إعاقة مطلقا، وبضرورة السماح لأي معارضة نعم أي معارضة حتى حزب التحرير غير المرخص بالتعبير السلمي بلا قيود أو ملابسات ما يعني أننا في نقدنا للمعارضة لا نهتم بمضمون ما تقول إذ لها أن تقول ما تشاء، وما نتفق أو نختلف فيه، ولكننا لا نقر طريقة التفكير السوداوية فقط التي تسقط على الآخرين كسفا من السماء، فلا يرون سماء ولا يرون مطرا.
المعارضة بأوحدية النظرة (السلبية فقط) المشفوعة بالتحريض والاتهام دون تمحيص و المفضي للعنف تعد تخريبا، والمعارضة من منطلق الخوف والتشكك وعدم الثقة غير مقبولة من السياسيين وإن عذر بها الناس، وعليه فإن استحكام عقلية النقد المفرط إلى حد جلد الذات وجلد الآخرين واستغلال الجماهير يجب أن نتخلص منها كطقس لطم دوري يمثل فريضة واجبة على كل مواطن ومواطنة.



Baker AbuBaker
www.bakerabubaker.com
Palestine Ramallah
00972-2-2987618
fax:00972-2-2987620

سجل في مجموعتنا الاقتراب [email protected]

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر