نظرات في التفكير السياسي لحركة (حماس)


نظرات في التفكير السياسي لحركة (حماس)

 

مقدمــــــــة:

         استغرق مني اختيار عنوان هذه الورقة وقتا طويلا، وذلك نظرا لحساسية مثل هذه المواضيع ذات الطبيعة النقدية، ولأهميتها خاصة في مرحلة نحن أحوج ما نكون فيها للوحدة الوطنية بين مختلف تنظيمات الفعل الفلسطيني، وخشية من أن يفهم (النقد) بأنه تهجم على (العقيدة) كما هو شأن التنظيمات الايديولوجيه ومنها (الإسلامية) أو (الاسلاموية) في تصويرها لناقديها وكأنه هجوم على ذات الدين، لا على فكر التنظيم السياسي هذا أو ذاك أو على أطره وممارساته وممارسات رموزه أو كوادره.

        ولكن قراءتين متتاليتين في فكر حركة (حماس) الامتداد الطبيعي للتنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين لا يمكن أن تظهر ألا ذاك الكم الهائل من تشويه الحقائق أو اجتزائها أو (التضليل) بالانحراف عن الطريق الصحيح في عرض الفكر أو قراءة التاريخ أو التعاطي مع (الغايات) "ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد".

        ومع هذا الوقت الطويل واستعراضي لمفهوم التفكير والفكر والايديولوجيه والفكر السياسي الفلسطيني برز بوضوح مرور التنظيم الفلسطيني للجماعة (بمرحلة السكون التنظيمي) والتي قد تولّد غالبا ولدى معظم الكوادر مشاعر اليأس والإحباط أو الشقاق والبكاء، وربما الحقد على الآخرين صُنّاع الحدث على حساب (حراس الدين) أو (رافعي راية الإسلام) أو جماعة (الله غايتنا) كما يصورون أنفسهم دون الآخرين. وربما تولد هذه المرحلة فكرا باحثا ناقدا مستنيرا مستقلا عن أي ارتباط حزبي لدى تلك القلة التي لا تبغيها عوجا وتعترف بترابط التراث الفكري وتواصل التجارب وتأثيراتها الواضحة. مما لا شك فيه أن ثلاثين عاما على الأقل (1957 - 1987) من (السكون) قد حققت تغييرا جذريا، لان التنظيم الذي رفض في العام 1957 أن يتجاوب مع مذكرة الشهيد القائد أبوجهاد بوجوب إعلان الكفاح المسلح والتي استغرقت من التنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين سنوات ثلاث متصلة ليجيبوا عليها في الختام بالرفض اللامنطقي، كان  هذا التنظيم في العام 1987 قد اقتنع جزء منه بالانتقال لمرحلة التنفيذ.

        نقول انه رغم هذا التغيير على أهميته فان السائرين في مجراه لم يتخلصوا من العناصر السلبية من (مرحلة السكون) سواء في قراءة الأحداث أو تفسير التاريخ أو الاجتزاء واختلاق الأوهام والتي تدخل كلها في باب التضليل... وتعرضنا لذلك عبر عدد من النماذج والأمثلة مستعينين بآراء عدد من مفكري وقيادات جماعة الإخوان المسلمين نفسها، وما كل ذلك ألا بغرض تصحيح المسار والحث على تحديث طرق التفكير لتكون ضمن فكر كافة التنظيمات السياسية الفلسطينية (تقبُّلا) من كل تنظيم للآخر واحتراما لرأيه وللرأي الآخر، ورفضا قاطعا لاحتكار الصواب وادعاء الحق دون  الآخرين كما هو شأن التنظيمات (الاسلاموية) أحد أشكال التنظيمات الأيديولوجية الماضوية. 

التفكير والفكر

        ما دمنا سنتعرض في هذه الورقة لنقد (فكر) ثم التعرض لعملية (التضليل) التي يقوم بها أصحاب هذا الفكر، فانه قد يحسن أن نتعرف على ماهية التفكير والفكر أولا، لندخل في نقض لبعض طروحاته ثانيا تلك التي تتعمد (التضليل) عبر الاجتزاء للحقائق أو حوادث التاريخ أو التحريف والتزوير، أو الإيحاء والإيهام.

      إن التفكير عملية عقلية، وهذا يعني أن هناك (مدخلات) ما إلى الدماغ يتم (معالجتها) من خلال جهد محدد يؤدي لظهور مخرجات يعبر عنها بالأفكار أو الفكر. وباعتبار إن التفكير كما أسلفنا عملية فهي تتضمن بذل جهد عقلي يتناسب عكسيا مع الجهد العضلي، وبالتالي يؤثر ويتأثر به من حيث الشدة والتوهج ومن حيث تقلب الزمان والمكان. إن عملية التفكير تفترض بالأساس الإحساس بالواقع المادي أو المعنوي من حيث الانتباه لوجوده ثم إدراك كنهه وطبيعته ومضمونه مما يشكل في الذهن من مجموع هذه الاحساسات والادراكات ما يمكن أن نسميه الوعي الأولي أو الخلفية الفكرية أو التصورات الأولية التي يفترض وجودها للانتقال للعمليات العقلية الأعقد والتي تتعاطى مع الفكرة في محيط الفكر من خلال التوليد أو الانتزاع للأفكار الجديدة (الثانوية).

        أو كما يقول د. لؤي صافي عن التفكير والعقل بأنه يستخدم (للدلالة على العمليات الذهنية من تحليل وتركيب واستقراء واستنباط للانتقال من تصورات وتصديقات أولية إلى تصورات مركبة)  (1)

        إن الفكر يمثل (النتاج الأعلى للدماغ كمادة تنظيم عضوي خاص وهو العملية الإيجابية التي بواسطتها ينعكس العالم الموضوعي في مفاهيم وأحكام ونظريات... الخ) (2) وان كنا قد عرضنا لهذا التعريف الأخير مع اختلافنا معه لان الفكر لا يمثل انعكاسا وإنما يمثل إحساسا ولأنه إحساس فانه لذلك يتم إدراكه بطرق مختلفة فهو ليس انعكاسا، ولكنه بشكل عام فان عملية التفكير تسفر على الدوام عن فكرة ما، والفكر قوة إبداعية لأنه يبرز في مواقف تتطلب حل مشكلة أو التصدي لمعوق، مما يفترض اكتساب معرفة جديدة ومناهج لتغيير البيئة لتلبيته الاحتياجات.

        إن ( الفكرة) من الممكن أن تفهم على أنها شكل أو منهج للمعرفة والفكرة السياسية ما هي إلا ذاك المنهج المعرفي أو التصور العقلي لظاهرة سياسية أو شيء سياسي. (وقد عرف الإنسان منذ قيام حضاراته الأولى أفكارا سياسية متعددة كانت تمثل الأوضاع والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي كانت سائدة في تلك الحضارات) (3).

الفكر والايديولوجيه

        إن الفكر المعبر عنه بالإحساس ثم الإدراك من خلال عمليات عقلية تنشئ تصورا عقليا محددا من الممكن أن يتحول لنظرية لها فروض وبراهين ثم لمذهب (سياسي) وقد يتخذ الشخص من هذا الفكر السياسي أو ذاك مذهبا ويتمسك به ( بمعنى أن يؤمن به ولا يرضى بمناقشته عقلانيا أو طبقا لمنهج علمي) (4) وفي عالمنا المعاصر ولدى عديد الاتجاهات الفكرية نرى بوضوح التحولات الواضحة للأفكار والنظريات إلى (مذاهب) عصيّة على النقاش لدى أصحابها حتى أن المساس بها قد يعتبر من المحرمات. على نفس الصعوبة التي كان يواجهها الكثيرون عند مناقشة الأفكار الماركسية - اللينينية إبان عصرها الذهبي فلا يلقى من هؤلاء المتذهبين إلا كل النعوت بالرجعية والانتهازية.. الخ، قد يلاقي نفس الأشخاص اليوم كل الأوصاف بالكفر والإلحاد ومعاداة الدين حين الحديث عن هذا المذهب السياسي لأحد التنظيمات (الإسلامية) أو تلك وذلك لنفس الخطيئة المشتركة التي تفترض إسباغ القدسية - قدسية العقيدة المستمدة منها الأفكار - على أفكار وممارسات أطر وزعامات هذا التنظيم (الإسلامي) أو ذاك أو كما يعبر عن ذلك المفكر الإسلامي المعروف د. عبد الله النفيسي بالخلط الحاصل لدى جماعة الإخوان المسلمين بين الدين كمعتقد وغاية، والتنظيم كحشد ووسيلة (ذلك أن الخلط الحاصل بين الاثنين في جماعة الإخوان صار أحيانا يؤدي إلى استعمال الدين كوسيلة بغية الحفاظ على التنظيم كغاية، وهنا مكمن الخطر على الدين والتنظيم والمجتمع السياسي الذي يتجاذبان فيه. الدين لا يمكن القبول بنقده، لكن لان الخطل حاصل بين الدين والتنظيم صار أيضا ليس مقبولا نقد التنظيم وهنا مكمن الخطر) (5).

        قلنا إن الفكر ممكن أن يتحول إلى نظرية ثم إلى مذهب، ولكن ما هي (الأيديولوجية) من كل هذا، ولكثرة التعريفات التي طالت هذا المصطلح إلا أننا سنأخذ منه اثنين. يقول الأول أن الأيديولوجية (نظام متسق من الأفكار والمعتقدات يفسر موقف الإنسان من المجتمع ويؤدي لاعتماد نسق من السلوك يجسم تلك الأفكار والمعتقدات ويتفق معها)(6) ولأنها كذلك - أي الأيديولوجية- فهناك معتقدات، وهناك أفكار تخضع فيها هذه الأخيرة للبحث العلمي من اختبار وتحقق من صحتها. بينما لا يصح ذلك مع العقائد.

        أما التعريف الثاني فانه وبحسب قاموس وبستر الإنجليزي فان الأيديولوجية منظومة من الأفكار تعنى بالظواهر خاصة تلك التي تتعلق بالحياة الاجتماعية وبأسلوب التفكير الذي يميز الفرد أو الطبقة. وإذا اعتمدنا على التعريف الأول فإننا سنكون اكثر قربا حين التعرض لفكر الأحزاب أو التنظيمات العقائدية (التنظيمات الشيوعية، والدينية، والقومية والطائفية) وهي بحسب التعريف الأول هذا تنظيمات (أيديولوجية) ويعتبر تاريخ الأديان والأيديولوجيات السياسية مجالا خصبا للانقسامات وظهور فرق جديدة وحجج مضادة قد يصل الصراع بينها إلى حد القطيعة أو اللجوء إلى العنف حيث يدعي كل حزب أو تكتل أو فريق أن مفهومه للدين أو المذهب هو المفهوم الوحيد الصحيح وما عداه مروق عن الدين أو انحراف عن الخط الصحيح. وهنا من المستحسن تجنب الافتراض أن الاعتبارات الأيديولوجية فقط تؤثر وتتحكم في كل الأفعال.لان مشاعر الطموح والرغبات الشخصية مثلا ليست لها طبيعة أيديولوجية ومع ذلك فهي تحل أحيانا محل الأيديولوجية في التأثير على سلوك الفرد لدرجة أن الدوافع الشخصية للأشخاص الذين يحتلون مراكز سياسية حساسة قد تكون لها أهمية كبيرة في تشكيل سير الأحداث(7).

        ويقول في ذلك أحد قيادات جماعة الإخوان المسلميـــن وهــو د.عبد الله ابو عزة متحدثا عن طبيعة المناخ السائد في جماعة الإخوان المسلمين (التنظيم الأيديولوجي حسب التعريف هنا) انه كانت تسود فيه (كثرة المنافسات والصراعات وهو ما كان يحدث بين أفراد ذوي مؤهلات قيادية - بمقياس الجماعة - وربما ذوي طموح أيضا جعلهم يتنافسون على البروز والتفوق) (8) والذي (اقترب في بعض المرات من اللجوء إلى العنف) (9) ونضيف انه بالطبع أدى بعد ذلك ولأسباب أخرى لانشقاقات عدة في فكر وتنظيم الإخوان المسلمين وكما حصل في فترة المواجهات الدامية مع الحكومة السورية عام 1983. ويقول د. عبد الله النفيسي معلقا على المهام الضخمة لمكتب الإرشاد العام لجماعة الإخوان المسلمين وطبيعة الأشخاص ومدى تأثيرهم ودور دوافعهم في النهوض بهذه المهام إن (من يقرأ هذه المهام الضخمة ويستعرض أسماء وشخوص أعضاء مكتب الإرشاد العام للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين لا يسعه إلا أن يصاب بالإحباط) لماذا؟ يجيبنا الدكتور النفيسي قائلا بكل وضوح وعن اطلاع (لان هذه المهام اكبر بكثير من قدراتهم الذاتية) (10) لان منهم من لا يقرأ حتى الجريدة ومنهم من لا يملك الكفاية والاقتدار الفكري والسياسي وببساطة وكما يقول د. النفيسي فاقد الشيء لا يعطيه حيث أن (المشكلة الذهنية والنفسية لدى أعضاء مكتب الإرشاد العام الحالي هي انهم يصنعون عالما من الأوهام ثم يتصورون انه الحقيقة ويتعاملون معه على انه كذلك: أي حقيقة فعلية واقعية) (11) وكل ذلك لان المتنفذين في قيادة الجماعة يحصرون اهتمامهم بصعود (العناصر التنفيذية، التي تطيع طاعة مطلقة وابعادها للعناصر المؤهلة فكريا وسياسيا، والقلقة على مستقبل الدعوة)  (12).

الفكر السياسي الفلسطيني

        إن جذور الفكر السياسي الفلسطيني منذ الأربعينات من القرن العشرين هي جذور (لا وطنية) أي غير فلسطينية، وهذا ليس سُبة أو عارا بقدر ما شكل تعبيرا عن الرغبات الفلسطينية والانفتاح للعقل الفلسطيني على الأفق القومي والإسلامي والعالمي، فجميع الأحزاب والتنظيمات السياسية الفلسطينية التي سادت حتى بداية الستينات وانطلاقة الثورة الفلسطينية الحديثة، كانت خارجية المنشأ سواء من حيث الأفكار أو المؤسسين أو الامتداد التنظيمي مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الشيوعي الفلسطيني، جماعة الإخوان المسلمين، حركة القوميين العرب.

        لقد اتسم هذا الفكر ضمن سمات عدة في مناهج أو أنماط التفكير التي سادت آنذاك والتي تراوحت في طريقة التعبير عن طروحاتها الفكرية ما بين (النمط التاريخي) الذي يستمد العون والمدد من المخزون التاريخي العظيم، ومن أصول الحضارة العربية الإسلامية، ولا ينشط ذهنه إلا عبر عقد المقارنات بين الماضي الزاهر والواقع المتردي.

        والنمط الثاني وهو (النمط الفلسفي) الذي يحاول دوما أن يرى الأمور في محيطها الفكري الفلسفي وبنظرة شمولية تتعفف عن التعاطي مع الجزئيات والمتغيرات، ويستخدم القوالب الجامدة المحددة للتعبير عن الواقع. واما النمط الثالث فهو (النمط القضائي) الذي يتعامل مع الأشياء والحوادث والمواقف عبر (الحُكم) عليها من حيث أنها صواب أو خطا بشكل قطعي، ويوزع الاتهامات يمينا وشمالا.

        أما النمط أو بالأصح هنا (النهج الواقعي) (13) فكان مُغفَلا ومُستَبعدا لان الكل يتحدث عن (الثوابت) والثوابت (مقدسات)، والتعاطي مع الواقع المتغير بالضرورة خرق لهذه الثوابت وضرب لهذه المقدسات إلى أن جاءت انطلاقة حركة (فتح) عام 1965 لتصنع من الفرادة والتميز وروح المبادرة والإبداع والصقل عبر التجارب منهجا تتعاطى من خلاله مع إبداعاتها الفكرية بروح الحرص على المنجزات وتطويرها وقياس الأهداف بمقدار النتائج، فكانت إدارة الصراع خاضعة بالضرورة للفهم المتفتح ولعوامل القوى ومقدرة التأثير فيها في منهج علمي واقعي سارت عليه الحركة دون  سائر التنظيمات المذكورة، تلك التي كان لها سبق الوجود خاصة كما أسلفنا في فترة الأربعينات والخمسينات.

فكر حركة (حماس)

        لم تظهر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في صورة الأحداث إلا عندما أعلنت عن نفسها بعد بدء الانتفاضة المباركة التي مهد السبيل لها أول الرصاص أول الحجارة الشهيد القائد البطل خليل الوزير (ابو جهاد) ورفاقه من قيادات حركة (فتح). أي أن (حماس) ظهرت في البيان الذي وزعته في 14/12/1987 ولأنها أعلنت عن نفسها بشكل صادق بعد ذلك بأنها جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين فحركة حماس تعتبر جزء من التنظيم الفلسطيني، لحركة الإخوان المسلمين تلك الحركة التي أنشأها الشيخ حسن البنا عام 1928 في مصر، وبدأ يتنقل فيها من النظرة الإسلامية للمجتمع إلى العمل في السياسة منذ العام 1939 كما يقول الكاتب الإسلامي المعروف فتحي يكن (14). وليفتتح أول فرع لهم في فلسطين في القدس عام 1945. وبعد مشاركة الإخوان المسلمين - التنظيم الفلسطيني شأنه شأن التنظيمات الفلسطينية الأخرى (فروع لأحزاب أو أطر قومية، أو منظمات محلية) في حرب 1948 عاشت الجماعة - التنظيم الفلسطيني مرحلة من (السكون) التي افترضت بهم الابتعاد عن مجريات الفعل والتأثير بالأحداث والركون لاجترار الماضي والترقب والانتظار منذ العام 1957 حتى العام 1987، أي انهم لم يكونوا طوال هذه الفترة - وهي فترة صعود نجم المقاومة الفلسطينية المسلحة وعلى رأسها حركة (فتح) - إلا في دائرة الظل والتي استطاعت جماعة الإخوان المسلمين - التنظيم الفلسطيني أن تنتهز بعد أن تعلمت الكثير من (فترة السكون) التي امتدت لثلاثين عاما على الأقل، أن تنتهز فرصة حدث بدا عظيما وهو كذلك كانتفاضة الشعب الفلسطيني المباركة لتعلن عن ظهورها (جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين) (15).

        وبالتالي فانه من المفترض أن يكون فكر حركة (حماس) هو ذات فكر التنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين وذات الفكر لجماعة الإخوان المسلمين بمقرها العام في مصر.

مرحلة السكون (التنظيمي)

        إن (السكون) أو حالة الكمون في الفكر، وفي التجربة والعمل، هي الحالة التي يُقذف فيها بالشخص أو التنظيم أو الفكر أو المجتمع خارج دائرة الحدث، وبعيدا في زوايا الظلمة والنسيان، مما يؤدي لفقدان التأثير في الفعل التاريخي. إنها حالة أو مرحلة عاشتها عديد من التنظيمات التي نشأت في هذا القرن ومنها جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة التنظيم الفلسطيني فيها.

        أن تعيش مرحلة من السكون يعني انك لا تشعر بمرور الزمن وحوادث هذا الزمن من حولك،  ولا تشعر إلا بثقلها وبطئها وقسوتها عليك، أو أن إحساسك بها - ربما لعدم وجودك ضمن حركيتها وفعاليتها - يكون في حده الأدنى الذي يجعل من موقفك ضد الصيرورة والتواصل لحوادث التاريخ موقفا سلبيا نابعا من عقلية الترقب والانتظار أو الخوف والفزع أو التشاؤم والسوداوية والانعزال.

        أن ذاك الذي يعيش مرحلة السكون هذه لا يُقدِّر مجريات الأحداث وتطورات الأمور بشكلها الصحيح، فهو يسبغ عليها جزء من شعوره السلبي الساكن فلا يقيمها كما هي بإيجابياتها وسلبياتها ومقدماتها ونتائجها. ولأنه لا يتفاعل معها فهي لا تساوي شيئا لديه، وقد لا يدرك أن وضعه الحالي قد جاء نتيجة التغيرات المختلفة من حوله وفيه أيضا، لان انتقاله من موقع إلى آخر أو من طور إلى آخر لا يجري إلا عبر (وسيلة) تماما كما هو الحال في انتقال شخص من مدينة إلى أخرى يتم عبر التغيير الجغرافي الذي تم بتفاعل الزمن مع وسيلة النقل، هو نفس الوضع الذي قد يجد نفسه فيه شخص في الحاضر ولا يمتلك زمام الحركة أو الفعل فيسقط من فكره كل عوامل التطور التي أوصلته لموقعه الحالي، أو قد يتعهد نتيجة (العوج) أو (الضلال) أن يصور المرحلة السابقة كمرحلة فعل وإعداد وتهيئة، هو نفسه ذاك الساكن من قام بها؟!، رغم سلبيته وسكونه وهامشيته آنذاك؟!. وهذا بالضبط ما يحاول التنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين وآخر إفرازاته (حركة المقاومة الإسلامية - حماس) أن يوهم الآخرين به. فعلى مدى اكثر من ثلاثين عاما من السكون والهامشية لا بل والسلبية المفرطة يعود هذا التنظيم محاولا صناعة تاريخ لم يكن في الحقيقة له فيه أي دور فاعل أو أساسي. ونخالف في ذلك د. عبد الستار قاسم الذي اعتبر أن البناء الفكري لحركة (حماس) مر أولا (بمرحلة البناء الهادئ وتمتين الدعائم (1967-1976) (16) والتي هي في حقيقتها بسنوات  سبقتها وأخرى لحقتها كانت (مرحلة السكون) بالخروج عن التأثير في الأحداث كما أسلفنا وكانت مرحلة تعج بعوامل الإحباط واليأس والشقاق والانشقاق لدى هذا التنظيم وخير من كتب عن هذه المرحلة هو مسؤول التنظيم الفلسطيني آنذاك د. عبد الله ابو عزة. ثم يضيف د. عبد الستار في مرحلته لفكر (حماس) لمرحلة ثانية ثم ثالثة ورابعة انتهت بالإعلان عن (حماس) وبشكل يحاول أن يصنع به تاريخا عبر اجتزاء الأحداث وإسباغ أهمية عليها لا تستحقها كما هو الحال فيما اسماه (معسكرات الشيوخ) على سبيل المثال والتي سنتعرض لها لاحقا ومن شهادات قيادات التنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين أنفسهم.

        إن التفسير المجتزأ - للتاريخ الذي أهمل الهوامش في مرحلة السكون- يستدعي بالضرورة إعطاء أهمية قصوى لمعطيات مع إغفال الأكثر أهمية منها بشكل متعمد. وكما هو شأن السيد محمد نزال الذي اعتبر الإرهاصات للتوجه العسكري للتنظيم الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين ابتدأت مع (إشعال انتفاضات المساجد في سنوات 82،83 والتي كانت تتمثل في مظاهرات عارمة كانت تخرج من المساجد تعلن غضبها عقب قرار الحركة في صائفة 1985 - يقصد حركة الإخوان المسلمين هنا - باعتماد سياسة تثو ير الجماهير وترتيب الفرصة الملائمة وانتهازها للقيام بعملية نهوض جماعي جماهيري لرفض الاحتلال). (17) وفي ذلك ادعاء لم تصدقه الأحداث لقيادة فعل لأطر لم تكن موجودة بالفاعلية المطلوبة وهذا ما يدخل ضمن أمور أخرى في مفهوم القراءة المجتزأة، أو صناعة الأوهام كما يسميها د. عبد الله النفيسي، او بالاحرى يدخل في باب (التضليل) ولا سيما وكما هو معلوم إن عملية الإعداد والتهيئة الدءوبة فكريا وتنظيميا وماليا وعسكريا كانت الشغل الشاغل للعقل المدبر (للنهوض الجماعي الجماهيري) أي الانتفاضة المباركة وهو عقل القائد الشهيد ابو جهاد أول الرصاص أول الحجارة واخوته وابنائه من قيادات الداخل.

        لم يتحدث السيد نزال إلا بقراءة انقطاعية للأحداث وجد نفسه فيها محورا وعتمت الصورة عما حولها فحاول أن يوهم الآخرين بأنه من كان يمهد الأرض منذ سنوات لما اسماه (النهوض الجماعي الجماهيري لرفض الاحتلال) في نفس الوقت الذي يشير فيــــه د. إبراهيم اليازوري من قياديي (حماس) في القطاع إلى أن الاجتماع في منزل الشيخ ياسين بعد يوم من الحادثة الشهيرة التي فجرت الانتفاضة عام 1987 دار النقاش فيه (حول ضرورة استثمار هذه الحادثة وكيفية الإفادة منها عملا مساعدا لإثارة المشاعر الدينية والوطنية والقيام باحتجاجات جماهيرية) (18). (؟!)

القراءة الأولى في فكر التنظيم

        كنت قد قرأت قبل سنوات ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والذي اصدر في أغسطس 1988، وكان اكثر ما أثار انتباهي وشدني فيه، هو التغيير الكبير الحاصل في الخطاب الذي بدأت جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين تستخدمه انطلاقا من النظر في هذا الميثاق وبيانات التنظيم. فمن صيغ القوالب الجامدة والتشدد والتصلب المعهودة في التنظيمات الأيديولوجية عامة ومنها التنظيمات الدينية، إلى صيغ ومفاهيم على مطاطيتها فهي توحي بالواقعية (البراغماتية) (19) والمرونة، انه بدلا من استخدام عبارات المطلق والتعميم والوعظ في أجزاء من الميثاق والبيانات والتصريحات بدأ خطاب التنظيم يكتسب تساهلا ومرونة على حساب الأهداف الكبرى التي يطرحونها. يقول على سبيل المثال د. محمد عثمان شبير في رأيه حول الصلح مع اليهود (انه يجب على المسلمين أن ينظموا أنفسهم تحت قيادة إسلامية مؤمنه واعية تعمل على إضعاف قوة اليهود بقتل مقاتليهم وتخريب مصالحهم الاقتصادية إلى أن يتم التحرير الكامل لأرض فلسطين الإسلامية. وإلا فسيعذبهم الله ويجعل بأسهم بينهم شديدا) (20) فأي مسلمين يقصد؟ وكيف ينظمون أنفسهم؟ ومن هي القيادة الإسلامية؟ وما معنى الوعي؟ وما المقصود بالقتل والتخريب... الخ من الأسئلة التي تبرز  والتي تحتاج حين الحديث عنها لأهداف وغايات وسياسات واستراتيجيات وخطط كلها لا تقبل مثل هذا التعميم المخل والإطلاق غير المفيد، كما تحتاجه رسالة تنظيم (حماس) إلى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الـ 19 في 15/11/1988 والتي أكدوا فيها على ضرورة (ربط القضية الفلسطينية بعمقها الإسلامي، والعمل على حشد طاقات الأمة الإسلامية وإمكاناتها الهائلة (؟!) لمعركة تحرير المسجد الأقصى (؟!) وذلك عبر خطة واضحة المعالم محددة المراحل (؟!) (21)

        أقول أنني لاحظت - على عكس المثالين السابقين وغيرهما الكثير - في الفكر الجديد لجماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين ما يقربهم مما يقوله المفكر الاخواني (نسبة لجماعة الإخوان المسلمين) فتحي يكن حين يقول (إن نظرية الإسلام جسدت في مبادئه النظرة الواقعية) فكانت تعبيرات (حركة) (حماس) توفيقية وقريبة من الواقعية التي تزايدت وتغيرت وتطورت بعيدا عن الثوابت وفق ما افرزه الواقع وأدركه العقل المسير لكوادر حركة (حماس).

        إن النظرة الأولى للميثاق والبيانات تعطي الانطباع بالاستفادة الواضحة - والتي أشرنا سابقا أنها لا بد حصلت في مرحلة (السكون التنظيمي) للجماعة - من تجارب وأفكار التنظيمات المنضوية تحت لواء (م.ت.ف)، وخاصة حركة (فتح) التي قال فيها القائد الاخواني د. عبد الله ابو عزة أنها (اكتسبت سمعة كبيرة في خيال الجماهير العربية والإسلامية، وحقا أنها أصبحت في المركز القيادي الأول للشعب الفلسطيني) (22) ومضيفا إلى ذلك أن (فتح أخطأت وهي تبادر وتعمل، وإذا كانت أخفقت في الوصول إلى الهدف "تحرير كامل فلسطين"  فقد حققت عددا من الإنجازات تحسب لها بالتقدير والثناء. وذلك من حيث القدرة على التنظيم، والقدرة على التحرك وسط الظروف المعقدة كذلك يحتسب لفتح تمكنها من تعبئة قوى الشعب الفلسطيني، وإنشاء العديد من المؤسسات التي أعادت للشعب الفلسطيني إحساسه بذاته، وفرضت قدرا من إحساس الآخرين بهذه الذاتية الفلسطينية. (23).)

        إن النظرة الأولى لميثاق حركة (حماس) تعطي الانطباع بالاستفادة ولو المحدودة لواضعيه من تجربة حركة (فتح) كما عبر عنها أحد قيادات الإخوان المسلمين الفلسطينيين د. عبد الله ابو عزة، فالواقعية والانفتاح والمرونة والتجدد واستيعاب الآخرين، والتجريبية كلها في اعتقادي مما وسمت به حركة (فتح) وجعلها لاكثر من ثلاثين عاما وحتى الآن قائدة لنضالات الشعب الفلسطيني. فلم تخرج عدد من نصوص ميثاق حماس وطريقة الطرح في بياناتها أثناء الانتفاضة المباركة عما طرحته (فتح) في ادبياتها المكتوبة أو تلك الممارسة على الأرض حتى في طرق التعبير والصياغة والمخاطبة.

        انه لمن المفرح أن تحدث مثل هذه الاستفادة، وهذه الاقتباسات وعمليات (التمثُّل) لأفكار وتجارب الآخرين، وتُشَكِّل بالنتيجة الخلفية الثقافية الفكرية لكوادر الإخوان المسلمين الفلسطينيين (تلك التي أسميناها عند الحديث عن الفكر التصورات الأولية وفي بعض الأحيان الثانوية) على مدار أعوام طوال تفاعلوا فيها (فكريا) على ما يبدو- رغم بعدهم عن دائرة الفعل - في مرحلة (السكون التنظيمي) مع الفكر (المتنفذ) والتجربة المعلم والتنظيم (المتنفذ) كما تحب حركة (حماس) وتنظيمات اليسار الفلسطيني قبلها أن تصف بها حركة (فتح).

حركة الجماهير الفلسطينية

        لقد طرحت (فتح) مفاهيما، وخاضت تجاربا، ووضعت فكرا قادت بها جميعا الشارع الفلسطيني وكذلك مختلف المنظمات الفلسطينية ومنها الجهاد الإسلامي وحركة  حماس، فطرحت أنها حركة تحرير وطني فلسطيني، وأنها حركة الشعب الفلسطيني فهي ليست حزبا ولا جبهة وبذا فهي تصنع فكرا ولا تتبنى أيديولوجية (حزبية)، وهذا ما رددته حركة (حماس) لاحقا بأنها حركة الجماهير الفلسطينية مسلميهم ومسيحييهم دون تمييز (24) مستعيرة نفس طروحات حركة (فتح). رغم أن طرح (حماس) الآنف الذكر في ظني انه زلة في غمرة الانفعال أثناء الانتفاضة المباركة لان جماعة الإخوان المسلمين تشترط مواصفات محددة للأعضاء المنتمين لها، وبالتالي لا تقبل انتماء أصحاب الديانات الأخرى (تراجع المادة 4 من النظام العام للإخوان المسلمين) (25).

        ولا نريد هنا أن نتعرض لمجمل الأفكار المتضمنة في ميثاق وبيانات وتصريحان حركة (حماس) وانما نود أن نشير إشارات تحدد (الاستفادة) من تجارب الآخرين من جهة رغم (إن هذا الميثاق لا يمثل برنامجا أيديولوجيا أو سياسيا متماسكا أو متكاملا بالمقارنة مع برامج الأحزاب والحركات السياسية الأخرى وكذلك برامج فصائل م.ت.ف) (26) ولنحدد مدى (البراغماتية) اللاحقة على فكر الميثاق.

        ان كل من شهد بالشهادتين فهو مسلم بغض النظر عن مستوى إسلامه ولأنه مسلم فهو من يرفع بذلك راية الإسلام كسواه من الأفراد والجماعات والمنظمات وليست فقط حركة حماس التي رأت بنفسها  أنها (تعمل على رفع راية الله على كل شبر من فلسطين) (27) لذا (يجب أن يقدر قدرها، ويعترف بدورها، ومن غمطها حقها، وضرب صفحا عن مناصرتها أو عميت بصيرته فاجتهد في طمس دورها فهو كمن يجادل القدر... والسابقة لمن سبق) (28) وعلى ما تتضمن هذه العبارات من رائحة الكبرياء الممزوجة بالتهديد الضمني فإنها ضمن صياغات شعرية أخرى تدخل في باب الجمود ومحاولات احتكار الصواب التي تميز كثير من التنظيمات الدينية ومنها (الاسلاموية) على تعددها واختلافها والتي (تصور المشكل السياسي "مع قيادات الحكومة والأجهزة الحكومية" على انه حق وباطل في صراع دائم وان الخلاص السياسي لا يكون إلا على "أيديهم".)  (29) كما يشير لذلك المفكر الإسلامي عبد الله النفيسي.

        ان الصياغات المختلفة الواردة في ميثاق حركة (حماس) من رفض للمبادرات السلمية، والمؤتمرات الدولية، وتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، واعتماد الجهاد (الكفاح المسلح)، وتقسيم الدوائر المحيطة بالقضية الفلسطينية لثلاثة دوائر فلسطينية وعربية واسلامية... الخ كلها من خلاصة أفكار وتجارب وتفاعلات فصائل (م.ت.ف) عموما ولا فضل لجديد في ذلك على قديم. ولكن الملفت للنظر في ذلك أن سنوات طوال وصراعات شديدة في جسد حركة (فتح) وفصائل (م.ت.ف) لتقبل التعاطي مع الحلول السياسية احتاجت من حركة حماس في المقابل لبضع سنوات فقط؟! وكأن تأثير السجون لبعضهم من جهة والتعليم في المنافي والغرب خاصة على قيادات الحركة قد أعطاهم عمقا في تقبل النفعية عبر النتائج على حساب الغايات بما يسمى بالواقعية أو البراغماتية من خلال قبولهم بنفس ما قبلت به حركة (فتح) سابقا وهو المرحلية في النضال. حيث يقول السيد محمد نزال في ذلك (نحن مع أي حل مرحلي ولكن دون الاعتراف بالعدو الإسرائيلي...، بمعنى أننا لا نعارض أي انسحاب إسرائيلي من أي جزء من فلسطين شريطة عدم الاعتراف بإسرائيل) (30) وفي قبوله للحل المرحلي صدق ثم عاد السيد نزال ليناقض نفسه ويتعاطى مع الأوهام لان لا انسحاب في التاريخ تم دون ثمن أو اعتراف بالآخر، بينما يصبح الشيخ احمد ياسين اكثر وضوحا في طرحه (البراغماتي) واكثر بعدا عن (ثوابت) الميثاق حين يقول انه لا يجد مانعا من توقيع اتفاق هدنه مع إسرائيل "وهنا يعترف بالطرف الآخر بالضرورة وآلا سيوقع مع مَن؟!" لمدة عشرة سنين أو عشرين سنة بشرط أن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة أي إلى حدود 1967 بدون شروط، ويترك للشعب الفلسطيني حريته الكاملة في تقرير مصيره ومستقبله. (31).

التغيير في فكر الإخوان المسلمين - التنظيم الفلسطيني

        إن القراءة الأولى لفكر (حماس) يستدل منها على تغيير واضح في الفكر من حيث قدرته على التلون، وتفاعله مع الضغوطات واستفادته كما أشرنا من تجارب حركة (فتح) ومسيرة (م.ت.ف) وبما يشكل افتراقا في جوانب منه مع ثوابت (الإخوان المسلمين) وحتى ثوابت (ميثاق) حركة (حماس).

        إننا من الممكن أن نرجع أهم أسباب تغير الفكر لدى حركة الإخوان المسلمين الفلسطينيين والذي دعاهم في مرحلة متأخرة من تاريخ الثورة الفلسطينية أن ينضموا لركب الثورة، هو انتفاضة عدد من كادراتهم الشابة على جو (السكون) والبكاء والسلبية والترقب الذي تميزت به جماعة الإخوان المسلمين عامة والتنظيم الفلسطيني فيها خاصة منذ ما بعد العام 1948 وحتى ظهور حركة الجهاد الإسلامي أولا والتي عابت على جماعة الإخوان المسلمين - التنظيم الفلسطيني عدم ممارسته للكفاح المسلح (في مقابلة مع الشيخ عبد العزيز عودة، زعيم الجهاد الإسلامي في غزة 24/4/1987م) (32) ثم ظهورهم كحركة كفاح مسلح تحت اسم (حماس) عام 1987م. وفي تشخيصنا لهذا المناخ المحبط والساكن من الممكن أن نستفيد مما يقوله د. عبد الله ابو عزة مسؤول التنظيم الفلسطيني السابق في جماعة الإخوان المسلمين والذي شخص موقف الإخوان بأحد جوانبه بأنه كان موقف (سكون وسلبية وترقب ارتباطا بسكون وسلبية حركة الإخوان المسلمين العامة على مستوى العالم العربي) (33) مضيفا (ولا ريب أن هذا السكون كان منسجما مع قناعة الإخوان الفلسطينيين بان حركة الإخوان المسلمين العامة تملك مفتاح تحرير فلسطين (؟!) أما وقد تكشف لهم - خلال ربع قرن من الانتظار - عجز الحركة عن إحراز أي تقدم عن وضعها الذي وصلته سنة 1951، وانه لا الدولة الإسلامية قامت ولا فلسطين تحررت ولا الشعوب صارت اكثر تأييدا للإخوان، فقد كان عليهم أن يبحثوا عن طريق جديد يوصلهم إلى أهداف الإسلام، والى فلسطين على السواء. ولكنهم فضلوا النوم في ظلال الوهم وغالطوا أنفسهم فاقنعوها بان مجرد انتسابهم للاخوان يجعلهم معفون من أية مسؤولية. أما النتائج المرة فيبررون استسلامهم الخامل لها بأنها إرادة الله، وان لله من ورائها حكمة وكفى الله المؤمنين القتال) (34) إذا فلقد كانت الجماعة حقيقة تعيش في سكون ووهم ومغالطات ونوم وموات ولم تكن في مرحلة إعداد وتهيئة، ومع ذلك فإننا نرى أن انتفاضة عدد من كادرات (الإخوان) المتعلمين جعلتهم يحاولون تجاوز هذا المناخ ولو جزئيا ويفكرون في التغيير في أنماط التفكير، وفي الفكر ذاته ولكنهم مع ذلك لم يستغنوا على ما يبدو عن أنماط صناعة الأوهام وتقديس التنظيم من منطلق تقديس الفكرة، ورفض الخوض في نقدهم، ولجوئهم إلى التضليل والقراءات الانقطاعية والتفسير المجتزأ الذي عبرنا عنه في عدد من الأمثلة السابقة.

التفسير المجتزأ والقراءة الانقطاعية

        تقول المادة السابعة من ميثاق حركة (حماس): (إن حركة المقاومة الإسلامية حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزوة الصهيونية تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عز الدين القسام وإخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين عام 1936، وتمضي لترتبط بحلقة أخرى تضم جهاد الفلسطينيين والإخوان المسلمين وجهودهم عام 1948، والعمليات الجهادية للاخوان المسلمين عام 1968، ما بعده) (35)؟!!

        هذا ما تقوله المادة 7 من ميثاق حركة (حماس) والتي سنرى أن اقل ما يمكن أن تتسم به هو (التضليل) والتفسير المجتزأ للتاريخ بالقراءة الانقطاعية! لماذا كل ذلك؟ سنعود لقراءة هذه المادة (النموذج) لنمط التفكير المضلِل في قراءة ثانية، حيث قد تفهم العلاقات المقصودة في المادة بأنها علاقات (فعلية) تمثل امتدادا فكريا أو تنظيميا عضويا، ومنها ما قد يفهم امتدادا (معنويا) وفي الحالتين هناك مساحة كبيرة للتضليل المقصود أو الخداع.

        أن تكون (حماس) حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزوة الصهيونية فهذا ما يقولونه عن أنفسهم، أما أن هذه الحلقة (تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عز الدين القسام) فعلى هذه العبارة، المضلِلة والتي  قد توحي أو تقصد ارتباطهم كإخوان مسلمين بالشهيد القائد عز الدين القسام سنتوقف لتفنيد ذلك، كما لن نمرر عبارة (وإخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين) و (عام 1936) حيث تقصد أو توحي العبارة أن جماعة القسام (عصبة القسام) من الإخوان المسلمين (؟‍‍!) وان لهم دورا في الثورة الكبرى عام 1936 (؟!).

        ولن نترك أيضا المجال للتضليل والقراءة الانقطاعية أن تعطي مفعولها في العبارة اللاحقة التي تقول (.... جهاد الفلسطينيين والإخوان المسلمين وجهودهم عام 1948) (؟!) وأيضا فلا حق لهم إطلاقا بالتنقل بين السنوات يختارون ما يشاءون من الحوادث والمواقف ويضعونها وكأنها المحرك الأساسي للتاريخ، حيث سنوضح أيضا كيف لم يكن للتنظيم الفلسطيني للاخوان المسلمين أي دور فيما أسموه (العمليات الجهادية للاخوان المسلمين عام 1968) (؟!) أما (وما بعده) فهو تلخيص مخل لدرجة الإسفاف لنضالات الثورة الفلسطينية الحديثة بإنجازاتها التي لم ينكرها العالم بأسره ومن ضمنه قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، ومرحلة نشأة ونمو وتطور الثورة الفلسطينية (وما بعده) لن نتعرض لها. واما إذا أسقطت السنوات من 1968 - 1987 والتاريخ الثاني تاريخ نشوء حركة (حماس) مفجرة الانتفاضة كما يدعون (؟!)  فيكفينا أن نورد مقطعا من تقرير الأخ القائد الشهيد ابو جهاد (أول الرصاص أول الحجارة) المقدم للمجلس المركزي لـ (م.ت.ف) حيث يقول في أحد فقراته (وعودة إلى وقائع الأربعة عشر شهرا الماضية والتي تشير إلى انه منذ شهر أكتوبر 1986 وحتى هذه اللحظة تعيش فلسطين حالة غليان جماهيري واسع، ولنعد بذاكرتنا إلى ذلك التاريخ من خريف عام 1986، حيث تفجرت الانتفاضة على قاعدة محاربة برنامج محاولة خلق وإقامة قيادة بديلة لمنظمة التحرير، ويوم سقط أربعة شهداء في جامعة بيرزيت، ومخيم بلاطة. وظل شعبنا يمارس ويصنع مختلف أشكال النضال الجماهيري على مدى الشهور التالية.... ولنتذكر أن 39 شهيدا و 48 جريحا سقطوا برصاص جيش الاحتلال ضد المتظاهرين من أبناء شعبنا، وذلك قبل بداية الانتفاضة الأخيرة) (36) مضيفا (إن الانتفاضة جاءت تتويجا لمجمل النضال الوطني المتواصل في الداخل بكل تراكماته النضالية ودروسه وعبره وتجاربه) (37) ومضيفا انه (لم تكن حركة الشعب هذه مقطوعة أو منفصلة عن مجمل المسيرة النضالية الطويلة لهذا الشعب، بل جاءت نتاجا طبيعيا لهذه المسيرة التي تقودها م.ت.ف) (38) هكذا تكون القراءة المتكاملة وليس كما يتضح من أنماط تفكير وعمل حركة (حماس)... وعلى التساؤلات المحددة التي طرحناها حول المادة السابعة من ميثاق حركة (حماس) والتي سنتخذها هنا مثلا على (التضليل) نقول التالي:

أولا: لا رابط إطلاقا بين جماعة الإخوان المسلمين وحركة (الجهادية) أو (عصبة القسام) التي أسسها الشيخ الجليل عز الدين القسام (39) منذ وصوله إلى مدينة حيفا في 5/2/1922 لماذا ؟ نقول لماذا؟ لقد ولد الشيخ القسام عام 1871م في جبلة من مدن سوريا وخاض نضالا قوميا ضد المستعمر الفرنسي في ثورة صالح العلي والشواف، وعندما حكم عليه بالاعدام في سوريا  انتقل لمقارعة الانجليز والصهاينة من حيفا حيث اصبح إماما  لمسجد الاستقلال هناك ومسؤولا لجمعية الشبان المسلمين.  أما الشيخ حسن البنا (40) (المولود في المحمودية عام 1906 في مصر) فكان لم يزل يدرس في المدرسة الإعدادية، وما أن أعلن قيام جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 وكان في الـ 22 من عمره، كان الشيخ القسام في فلسطين ينقل تجربته الثورية الغنية من سوريا لفلسطين مبتدءا بالتعبئة والتحريض ورص الصفوف حيث تمكن من تشكيل أول تنظيم ثوري فلسطيني متكامل التجهيز والهيكلية والاتصالات، فيه أيضا جسد وحدة الطوائف والجنسيات فكان السوري والمصري والفلسطيني أي انه في عام إعلان الفتى حسن البنا عن جماعته في مصر كان القسام يكمل إعداده لمخططه وهو في الـ 57 من عمره آنذاك.

        ثانيا: قطعا لم يحدث أي اتصال بحسب أي مصدر بين الفتى في الـ 22 من عمره والمقيم في مصر حسن البنا والشيخ الجليل المقيم في فلسطين وعمره 57 عاما (عز الدين القسام) لا سيما وان انتقال البنا للقاهرة كان عام 1932 ولم يكن له حتى العام 1939 الا أنشطة التعريف بالجماعة

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر