حركة (حماس) سيوف ومنابر !


حركة (حماس) سيوف ومنابر ! 

 

         كان لإصدار لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية بيانا تعلن فيه بتوقيع الفصائل الامتناع عن كتابة الشعارات على الجدران كان لهذا البيان وقع إيجابي في الساحة الجماهيرية الفلسطينية ، وما كان إصداره بعد عدد من حوادث الشجار والعراك والقتل إلا نتيجة إيجابية تحسب في رصيد هذه القوى الوطنية والإسلامية ، ولكن المثير في الموضوع كان رفض حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) حضور الاجتماع المخصص لهذا الموضوع ، واستتباعا رفضها التوقيع على البيان المذكور،  لا سيما أن حركة حماس أو بعض كوادرها المتهمين بالتسبب في القتل الناجم عن الشجارات المرتبطة مع الكتابة على الجدران ، وعليه كان الأجدر والأكثر منطقية أن يقوم فصيل وطني إسلامي مثل حماس بتنظيف ما أثير حول كوادره ودعم عدم تلطيخ الجدران بالشعارات التي لا تغني ولا تسمن من جوع الفلسطينيين المنكوبين الجائعين .

        وكان لنا الوقفة الثانية المتأملة مع خروج ما يقارب عشرين أو ثلاثين ألف عنصر و نصير في مهرجان استعراضي كبير بمناسبة ذكرى تأسيس حركة حماس في 14/12/1987م ،وإن كان لهذا المهرجان من ميزة فهي أن البنادق التي تجاوزت المائتين كما ذكرت الأنباء و الفضائيات التي ظهرت في المهرجان دلت دلالة قاطعة على أن حركة (حماس) تحاول القول أنها تملك السلطة الحقيقية على الأرض ، سلطة المقاومة المسلحة ، المقاومة المستمرة ، المتعانقة مع إرادة الشعب كما دأب العديد من قادة (حماس) في الداخل و الخارج على القول و الإشارة علناً أو مواربة أو غمزاً من قناة السلطة الوطنية الفلسطينية  بل ومن قناة التنظيمات الأخرى وخاصة حركة (فتح) .

        أما الوقفة الثالثة التي ساعدتنا على كثير من التفكر في ماذا يجري في حركة (حماس) ؟؟ فهو عدم الاعتراف الصارم بوجود عملاء في صفوف حركة (حماس) رغم العدد الملحوظ من عمليات الاغتيال التي طالت كوادر الحركة وبفعل أقرباء أو عناصر أو كوادر في ذات الحركة ثبت بالفعل وبتحقيقات الأجهزة الأمنية الفلسطينية ، بل وباعترافات قادة العدو الصهيوني والأشخاص أنفسهم أنهم عملاء لإسرائيل ، ثم الانتقال من عدم الاعتراف الصارم إلى الاعتراف الخجول والتهوين من شأن العملاء عبر بيانات ( حماس ) ( حيث يذكر أحد البيانات أن العميل وليد حمدية كان كادرا هامشيا في حماس – بيان حماس في 20/10/2002 ) وصولا إلى درجة الإقرار الصريح بوجود العملاء من خلال المنشور التحذيري لعناصر حماس بعدم الانجرار وراء عمليات الاستدراج الإسرائيلي لأنه إن لم يتم اتباع تعليمات البيان ، يؤدي ذلك إلى أن (  يعمل هذا الأخ المتحمس الساذج كجاسوس ومتطوع لدى العدو يبوح له بأخبار وأسرار شبابنا المجاهد ) ، ويطالب البيان في الختام من كل أخ أن يحذِّر ( كل أخ من إخوانك الطيبين تشعر أنه ضحية وقعت في يد هؤلاء المجرمين – البيان في 3/12/2002 )

       وكانت الملاحظة الرابعة متمثلة في تضارب التصريحات لقادة حركة ( حماس ) على مدى سنتين ونصف السنة من عمر الانتفاضة ، وفي مواضيع شتى تتعلق بوقف العمليات الاستشهادية ، أو إعلان الهدنة  ، أو المشاركة في الحكومة الفلسطينية أو التعاون مع السلطة الفلسطينية أو دعم تيار ما في السلطة من عدمه ... الخ من المواضيع التي كان لتعدد التصريحات حولها بل وتناقضها أحيانا دلالة إما على أن قادة (حماس) في الوطن  وفي غزة تحديدا - بعد اعتقال قادة حماس وعلى رأسهم الشيخ حسن يوسف في الضفة الفلسطينية وبعد خفوت صوت قادة حماس في الأردن - أن قادة حماس في الوطن بينهم وبعضهم وبينهم وبين قادة حركة حماس في الخارج ( خاصة في قطر ولبنان وسوريا وإيران) صعوبة شديدة  في التواصل ، أو يوزعون الأدوار بينهم ، أو يتناقضون عطفا على الصعوبة في التواصل ، حيث التيارات والمنابر والسيوف تتصارع على النفوذ السياسي والعسكري في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية ، وفي مواجهة الفصيلين المنافسين لحركة (حماس) ، وهما حركة ( فتح ) بثقلها وسطوتها  وتاريخها وقربها من السلطة ، وحركة الجهاد الإسلامي بتميزها وصفتها الإسلامية التي تباري بها (حماس) ، ( أعلنت كل من حماس والجهاد الإسلامي أكثر من 4 مرات قبول ورفض الهدنة ( عبد الجبار عدوان – الشرق الأوسط – 17/1/2002 ) وذلك قبل أن يستقر قبول الجميع امتثالا لقرار الرئيس عرفات حينه ) وفي هذه الوقفات أو الملاحظات الأربع سنحاول تسليط الضوء أكثر لنخرج باستنتاجات قد تدعم أو تنفي المظهر الأولي لرؤيتنا للأمور . 

 انتحارية أم استشهادية وقف أم استمرار ؟! 

        لقد قيل وكتب الكثير في ماهية العمليات التفجيرية ( الاستشهادية أو الانتحارية ) من الزاوية الشرعية الإسلامية ، ومن الزاوية السياسية ومدى تحقق المصلحة فالكثيرون أفتوا بجوازها وحللوها وغيرهم أفتى بتحريمها لأن فيها قتلا للنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ومنهم من ميزها عن العمليات الانتحارية التي حصلت في نيويورك وواشنطن مثبتا أن المشروعية الإسلامية تنطلق من الأهداف والغايات  والأسلوب ففي حالة المقاومة الشرعية للاحتلال كما في فلسطين تحلل هذه العمليات وفي حالة غزوة نيويورك وواشنطن تحرم لأن فيها قتلا متعمدا للمدنيين وإزهاق لأرواح بريئة ( فهدف ضرب الأبراج في أحداث أيلول غير مشروع ، كما أن الوسيلة تختلف " عن العمليات الاستشهادية في فلسطين" ... فقد اتخذت الطائرات المدنية بركابها المدنيين وسيلة قذف صاروخ موجه يضحي بهؤلاء المدنيين فهي وسيلة غير مشروعة ، كما أفتى الشيخ يوسف القرضاوي- لقاءه مع الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان في بيته بالدوحة ، الحياة الجديدة 30/10/2002 ) ومن رأي حرمة العمليات التفجيرية ( أي تلك التي يفجر الشخص فيها نفسه دون اشتباك وهجوم ) والمسماة دون سواها عند بعض الجهات استشهادية ، استند البعض في الحرمة إضافة لقتل النفس إلى أن الرسول عليه السلام حرم قتل النساء والصبيان أي المدنيين ( الحديث في صحيح مسلم ) وغيره من المستمسكات التي تصب في هذا الجانب

         ومع أن مفهوم العمليات الاستشهادية ارتبط أصلا بالعمليات الدفاعية التي بدأت فيها حركة ( فتح ) والتنظيمات الفلسطينية الأخرى في السبعينات والثمانينات بشكل رئيس من خلال شن هجوم ساحق على العدو عبر البحر أو البر أو الجو وكما حصل في عشرات العمليات التي كان محكوما أن نهايتها على الأرجح استشهاد الفدائي أو الفدائيين ، إلا أن تضييق المفهوم حديثا ليقتصر على الهجوم السلبي الذي يفجر فيه الشخص نفسه أصبح المفهوم الطاغي والخاطئ بنفس الوقت ، ورغم أنه في فترة عمل حركة ( فتح ) و منظمة ( أيلول الأسود ) المشار إليها عالميا كمقربة أو تابعة لحركة ( فتح ) يتزعمها الشهيد القائد صلاح خلف (أبوإياد) ، وعدد من تنظيمات المقاومة الأخرى بعملياتها خاصة الموجهة ضد الإسرائيليين وبالأسلوب الهجومي الإيجابي ، كانت تدان من عدد من التيارات ( الإسلامية ) في مواجهة فتوى الشيخ حسن أيوب ( وهو عالم مصري جليل كان مؤيدا للمقاومة ) الذي أفتى حينها بأن منفذيها شهداء ، إلا أننا نجد في الحالة الراهنة اتفاقا بين التيارات  المصنفة ( إسلامية ) كحركة ( حماس ) أو  الوطنية في إطار الحضارة العربية الإسلامية كحركة (فتح) ، والتيارات المصنفة علمانية كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية  اتفاقا على ( شرعية ) أو(صحة ) تنفيذ عمليات استشهادية كل من زوايا مختلفة في الأولى مرتبطة بطريقة الاجتهاد وفي الثانية مرتبطة بالخط السياسي أو البرنامج ، وفي الثالثة مرتبطة بالثأر والانتقام ما يذكرنا بشعارات حركة القوميين العرب في الخمسينيات من القرن العشرين.

        وإذا تركنا ماهية العمليات التفجيرية ( استشهادية أو انتحارية ) جانبا سواء من الزاوية الشرعية أو المصلحية وبغض النظر عن صحة اتباعها بمفهومها الضيق من حيث التخصيص ، فإن مبدأ وقف العمل الجهادي ( أو النضالي أو العسكري ) ومنه هذه العمليات قد راوح في الخطاب السياسي لحركات المقاومة  الفلسطينية ولحركة ( حماس ) تحديدا ما بين التشدد برفض وقف العمليات العسكرية أو الاستشهادية ( لأن المقاومة عمل استراتيجي كما يقول خالد مشعل ) أو ( لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد- من مذكرة حركة حماس للمجلس المركزي الفلسطيني ل(م.ت ف )- 2 يوليو 2000 ) أو بالعودة للقول بقبول الهدنة مع العدو كما يردد دوما الشيخ أحمد ياسين أو بالقبول الفعلي بل والتوقف الفعلي عن العمل العسكري ، وكما حصل من استجابة كافة التنظيمات لخطاب الرئيس عرفات المنادي بوقف  العمليات في أواخر العام 2001 والذي استمر إلى أن خرقته مرارا وتكرارا القوات الصهيونية الباغية ، وهو التوقف الحاصل للعمليات إثر أحداث 11/9/2001 في الولايات المتحدة الأمريكية حيث توقفت 45 يوما . إلى العودة المتذبذبة ما بين التشدد والعودة لرفض وقف العمليات أو وضع الشروط لوقفها مع ظهور أن حساب الحقل غير حساب البيدر وكما يقول الشيخ أحمد ياسين ( الشرق الأوسط 28/5/2002 )( إن حماس أطلقت من قبل مبادرة لوقف قتل المدنيين من الجانبين – وهي التي جاءت استجابة لخطاب الرئيس عرفات – لم يحترمها العدو الصهيوني ) مضيفا ( نحن أطلقنا مبادرة من قبل وطلبنا وقف استهداف المدنيين ولكن الاحتلال استمر في استهداف أبناء شعبنا ...) ( فإذا التزم العدو بهذا مع ضمانات دولة فلن تكون هناك مشكلة لدينا ) وحسنا أفصح الشيخ عن الفكر البراغماتي الذي يمثله تيار واسع في حركة حماس والذي ينظر للوسائل عامة ومنها العمليات الاستشهادية نظرة سياسية عملية وليس شرعية بمعنى أنه في ظل شرعيتها تبقى الوسيلة رهنا بالظرف والتقدير السياسي على عكس تشدد الآخرين في ( حماس ) ومنهم عبد العزيز الرنتيسي كما سنرى . 

العمليات وإعلان الحرب

        إذن فالعمليات الاستشهادية لدى حركة (حماس)  وسيلة ، أسلوب ، أداة متغيرة قابلة للتوقف ، على عكس الأصوات العالية التي يظن لعلوها أنها لن توقف يوما هذا العمل المقاوم الاستراتيجي ( استمرار المقاومة طالما هناك احتلال -كما يقول الرنتيسي في البيان 6 يونيو 2001 - وأن لا التزام لحماس وبين السلطة الفلسطينية بقرار وقف إطلاق النار أو العمليات الاستشهادية ضد المحتل ) وهذه  -أي التعامل مع الأداة بحقيقتها- نقطة تحسب لصالح التيار المرن والمعتدل والبراغماتي المسيس داخل  حركة (حماس)  التي تقترب شيئا فشيئا في خطابها  العام من الخطاب الوطني الإسلامي وليس الإسلامي المتشدد وهو خطاب حركة ( فتح ) بتيارها العام غير المتهاون أو المتشدد ، (وإذا كانت المصلحة تتطلب العمل العسكري فان حماس ستقوم به وإذا تطلبت التهدئة فإنها ستسعى له – الشيخ حسن يوسف 20/12/2001 الشرق الأوسط ) إلا أن الخطر في رؤية  أو خطاب حركة  (حماس) في هذا الموضوع  أو غيره ليس وجود التيارات وتعدد الآراء والمنابر وجنوح تيار نحو المرونة والاعتدال  أو آخر نحو التشدد والوأد ،  وإنما الخطر هو أن حركة (حماس) لا ترى إلا نفسها لوحدها !! حاملة للواء وباعتبار حماس فقط !! ( ترفع راية المقاومة والجهاد في فلسطين ) وإنها ( كل شئ ) كما يقول أحمد ياسين في لقاء له بمناسبة الذكرى 15 لتأسيس حركة (حماس) المنشور في موقع حركة (حماس) على الإنترنت المسمى ( المركز الفلسطيني للإعلام ) ، وهي بذلك تضع نفسها فعليا ممثلة مطلقة للشعب الذي يراها ويرى غيرها ، ومتجاوزة ( السلطة ) على ما فيها من إيجابيات ومساوئ ، ومتجاوزة القوى السياسية الأخرى ، حين لا تقر أي عمل ولا تنظر له بعين الرضا إلا متى ما كان منطلقا منها وحدها وليس اتفاقا مع أحد ( رفض قيادة حركة (حماس) اتفاق غزة  بعد أن وافقت عليه ، ومطالبة الرنتيسي بحق الفيتو حين صرح أن المطلوب لاتخاذ أي قرار الإجماع لكافة الفصائل ، ووهن لقاء القاهرة والذي في حقيقته لقاء بينها و بين المصريين والأمريكان ، وادعاء التزامها بوقف النار الذي أعلنه الرئيس وكأنه مبادرة من حماس فقط ، ولجوء الحركة المتكرر للتحقيق في حوادث جنائية منفصلة عن السلطة ( كعملية اعتداء أو قتل الخ ، ...) وهنا تكمن خطورة الانفلات الوطني حينما يظن كل فصيل أحقيته في إعلان الحرب أو وقفها أو اختيار الوسيلة وتواصلها أو وقفها دون الإقرار بالمرجعية الوطنية ، بل وبتسفيهها كما يفعل د . عبد العزيز الرنتيسي على سبيل المثال حينما يحتقر أو يقلل من شأن لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في مقالة له في موقع حركة (حماس) المنشور في 14/12/2002 بعنوان ( أحداث حي الشيخ رضوان لم تكن عابرة ) .

العمليات الاستشهادية منذ الكرامة

       في حمأة الصراع السياسي والسياسي التنظيمي بين حركة (فتح) باعتبارها مهد اليمين ومخدة الرجعية وحامية الأنظمة المتخاذلة كما كانت القوى (التقدمية) تصفها ، تناقلت مختلف التنظيمات مقولة جامدة تقول أن (الكفاح المسلح هو الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين ) ولم ندر من أين استقت تنظيمات ( اليسار ) و ( اليمين ) هذه المقولة لا سيما أن جميع الثورات التي سبقت الانطلاقة  الفلسطينية ( في العام 1965) لم تقل ذلك وهي الثورات التي عكست ظلالها على التجربة الفلسطينية من التجربة الروسية والصينية والكورية والكوبية إلى الجزائرية فالفيتنامية لأنها جميعا مازجت بين العسكري والسياسي وإن بأشكال وأنماط قد تتفق أو لا تتفق مع طبيعة النضال الفلسطيني الذي استصعبه قائد كبير بوزن ( ماوتسي تونغ ) الذي تمنى أن يرى انتصار الثورة الفلسطينية صعبة الانطلاق والتواصل.

         استمر صراع الشعار متأججا وكانت حركة( فتح ) باعتبارها قائدة النضال الفلسطيني ومفجرة الثورة تقود في مستويات محددة هذا الاتجاه ، رغم الاتجاه الآخر الذي احترف بناء العلاقات والعمل السياسي ، لتستقر مفاهيم حركة فتح على المزاوجة بين الكفاح المسلح والوسائل الأخرى باعتبارها كلها أشكالا نضالية مطلوبة ، وما تم ذلك إلا بعد صراع مرير. فالحتمية في الكفاح المسلح فكرة إن تكرست لا فكاك منها ، والوحدانية تجعل كل ما عدا القتال أمرا هامشيا بل ومرفوضا أحيانا ويتهم من يتعامل به بالاستسلامية والانتهازية بل و العمالة .

       بعد اثنين وعشرين عاما من الانطلاقة لحق الإخوان المسلمون بركب الثورة الفلسطينية فعبروا عن دخولهم المعترك الثوري في بيان 14/ 12/1987 أي بعد بدء الانتفاضة الكبرى الأولى ( 1987 – 1994 ) بأيام إذ إن الإخوان المسلمين شعروا ( أن عدم اشتراكهم الفاعل في مواجهة الاحتلال في المدة الماضية ترتب عليه خسران الساحة السياسية الفلسطينية ولمدة طويلة لصالح فصائل المقاومة ، ولهذا لم يعد من المعقول أن تبقى الجماعة خارج الأحداث ، وكان لا بد للحركة الإسلامية من الانخراط في العمل المسلح لتكريس شرعيتها السياسية - علي الجرباوي ، حماس ، مدخل الإخوان المسلمين إلى الشرعية السياسية ، مجلة الدراسات الفلسطينية ، عدد 13 شتاء 1993 ) بعد أن أن كان ( حضور عبد الناصر والمد اليساري المرافق واللاحق لم يكن ليهمش الحالة الاخوانية فقط وإنما التدين عموما في المجتمع الفلسطيني-ياسر الزعاترة ، مقال، الجزيرة نت ،4/12/2002 ) ، وخطوا ميثاقا لهم لا يختلف في مفاهيمه وأفكاره ومنهجه كثيرا عن العديد من المفاهيم والأفكار التي طورتها الثورة الفلسطينية وحركة ( فتح ) إلا فيما يتعلق بالوجه الإسلامي مما يعطي دلالة قاطعة على قدرة حركة ( حماس ) وحيويتها في الاستفادة من تجارب الآخرين دون شعور بالنقص أو ضرورة الانقطاع عن الآخرين ، ولأول مرة وبشكل صارخ تتبني حركة (حماس) مفهوم ( الإسلامية) ، ومفهوم (الوطنية) ، والثانية مما كان ينظر لها مع مفاهيم القومية والاشتراكية ككفر وخطيئة لا يجوز للحركة (الإسلامية) عموما الاقتراب منها ، وفي ذلك كما أسلفنا تطور فكري وثراء وانفتاح يشهد له .

(حماس) تدخل المقاومة

      المهم أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كما أصبحت تعرف ، لحقت بركب الثورة واستفادت الكثير ، ولكنها وكما حصل مع تنظيمات المقاومة التي سبقتها علقت في باب الكفاح المسلح ( لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد ، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية فمضيعة للوقت ، وعبث من العبث المادة 13 من ميثاق حماس 18/8/ 1988 ) ونرى بالطبع نفس المادة قد سبقتها لها وتبنتها حركات المقاومة جميعا، ثم أضطرت تحت ضغط الظروف الإقليمية والعالمية واتباع المرحلية في النضال أن تتعامل مع كافة القرارات والمبادرات  .

       وبناء عليه أصبحت الوسيلة هدفا ، وعندما تتحول الوسيلة إلى هدف فإنها تصبح ثابتا في أعراف المناضلين والثابت  مقدس بجب ألا يتغير ، فتصبح المتغيرات عبثا لا يهم ، وتقع التنظيمات في فخ الجمود العقلاني والسياسي وغياب الرؤية ، و تنفصل القيادة السياسية عن جهازها العسكري من جهة وعن جماهيرها من جهة أخرى ، ولا تستطيع أن توازن في ظل خطاب تحريضي ناري شديد ووضع إقليمي ودولي أشد ، لا تستطيع أن توازن بين خطابها التعبوي هذا للأعضاء ، وبين ضرورات التعامل مع المتغيرات واتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة الوطنية العامة.

        لقد خرجت حركة ( حماس ) من حالة السبات والكمون لتدخل في حضن المقاومة في العام 1987و لتصبح في إطار انتفاضة الأقصى والقدس والاستقلال ، وخاصة منذ عام 2002 لا ترى الآخرين ؟؟! وإنما تعتبر نفسها لوحدها من ( يرفع راية المقاومة والجهاد في فلسطين ويقودها ) ( في لقاء مع الشيخ أحمد ياسين في ديسمبر 2002 ) ولتعبر عن رفضها وقف المقاومة مهما كانت الضغوط ومهما كان الثمن وبغض النظر عن المتغيرات الداهمة لأنه وكما يقول الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ( البيان الإماراتية  6 يونيو 2001 ) ( ببساطة إن سياسية حماس هي استمرار المقاومة طالما هناك احتلال وبالتالي وقف المقاومة مع بقاء الاحتلال يتنافى مع سياسة حماس ) في كلام لا يصمد كثيرا لأننا ( أوقفنا من جانبنا العمل الجهادي الذي كان يقلب الطاولة في العالم الغربي والشرقي وهذه المبادرة لم تكن بطلب من أحد بل بمبادرتنا الشخصية ) ( كما يقول الشيخ أحمد ياسين في البيان الإماراتية بتاريخ 24/1/2002) ولأن الواقع العملي أثبت براغماتية عالية لدى بعض قيادات حركة حماس ، مما دعاهم للانخراط في حوارات وطنية في غزة ثم في مصر استجابة للضغوط الداخلية والإقليمية والدولية المختلفة ، ورغبة في وقف العمل العسكري وفق ما تقتضيه المصلحة . ( لأن العمليات والمقاومة هي بنت بيئتها وظروفها خالد مشعل في البيان 14/8/2002 ) ، ما يعني أن توقفها ضروري إذا اقتضت الظروف وكما أوقفت في مرات عدة سابقة ؟؟!

       المثير في هذا المجال أي مجال رفع شعار المقاومة أو الكفاح المسلح أو الجهاد هو أن التعبئة تكون في حدها الأقصى حتى تتحول (الوسيلة) (السياسية) إلى (وسيلة استراتيجية)أو(هدف استراتيجي) لتقترن مع  ( العقيدة ) أو ( الأيديولوجية ) فيتحول من يرفض المقاومة أو يوازن بين الوسيلة والهدف إلى خاطئ أو كافر ، وهذه المصيدة التي وقعت فيها حركة ( حماس ) . وكانت تنظيمات المقاومة الفلسطينية قبلها قد وقعت فيها ولم تخرج منها إلا بعد معارك شديدة وصعبة تركت آثارا على الصعد السياسية والعسكرية والتنظيمية بل والنفسية . 

من سافوي إلى دلال المغربي

         هذا عن العمل العسكري عموما أما عن العمليات الاستشهادية  تحديدا فإنه مما يلفت النظر أن هذه العمليات كانت سياسة متبعة لحركة ( فتح ) وتنظيمات اليسار ( أو ما يطلق البعض عليها العلمانية حاليا ) منذ السبعينات ، بل وقبل ذلك منذ معركة الكرامة عام 1968 التي استخدم  فيها الحزام الناسف لأول مرة ، حيث افتتحت حركة فتح هذه العمليات الاستشهادية بالأسلوب الإيجابي بمعنى أن تقوم مجموعة فدائية بمهاجمة موقع صهيوني محصن أو تختطف مجموعة من الإسرائيليين أو تهاجم مستوطنة في واقع تُعدّ النجاة منه شبه منعدمة ، ولكنه أسلوب استشهادي إيجابي أي لا يفجر الإنسان العبوات الناسفة في نفسه ليدمر الآخرين وإنما يدخل في اشتباك مسلح لغرض تحقيق هدف كثيرا ما كان  يتمثل في طلب إطلاق سراح السجناء كما في عملية ( سافوي –وقعت في 5/3/1975 ، وطلب الفدائيون فيها إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ) وعملية ( دلال المغربي- وقعت في 11/3/1978 وأدت لمقتل 37 إسرائيليا ، وفيها أيضا طلب إطلاق سراح الأسرى ) على سبيل المثال . أما حديثا فقد تم إسقاط المصطلح ليصبح مقصورا على العمليات الاستشهادية السلبية فقط ( أي التفجيرية ) مما أفقد المفهوم حقيقة المقاومة المطلوبة وتنوعها وحاجتها ، وتم تبادل الأدوار والاتهامات ، ففي الوقت الذي كان استشهاديو حركة ( فتح ) والجبهة الشعبية والفلسطينية والقيادة العامة والديمقراطية مدانين لأنهم يلقون بأنفسهم الى التهلكة إلا من فتوى أجاز فيها بعض العلماء وعلى رأسهم الشيخ الجليل حسن أيوب –كما أسلفنا-هذه العمليات أصبحت اليوم العمليات الاستشهادية ذات الطابع السلبي أي التفجيرية مجال التسابق بين التنظيمات الإسلامية الوطنية ( حماس والجهاد ) والوطنية الإسلامية ( فتح ) ، والوطنية ( العلمانية ) دون أن يدان أحد عقديا إلا ما اقتضته ظروف السياسة والمصلحة العامة .

         وبالتالي يرتكب أبو أحمد ممثل حركة حماس في الخرطوم خطأً تاريخيا حينما يقول متفاخرا ( نحن نملك سلاحا لا يملكونه – يقصد الإسرائيليين – وهو سلاح العمليات الاستشهادية وهذا سلاح لا يملكه إلا الإسلاميون ؟!) ( في حوار شامل مع صحيفة الخلاص 9/2001 ) دون أن يتواضع قليلا ويتخلى عن خيلائه وتعصبه و يعي تجارب من سبقوه وفضلهم عليه وعلى المقاومة  الحديثة عامة . إلا أن هذا الشكل الجديد من المقاومة اقترن في انتفاضة الأقصى انتفاضة القدس والاستقلال مع سياسة عدد من حركات مقاومة أخرى مازجت بين أشكال العمل الهجومي والتفجيري والاشتباك والإغارة لتضع المقاومة في شكل غير استعراضي أو مدمر .

         لقد أصبح العمل الاستشهادي ( التفجيري ) هدفا للكثير من الشباب لأسباب عقدية وأخرى اجتماعية واقتصادية أو حزبية ، وحثت حركات المقاومة الحديثة ومنها الجهاد ( سرايا القدس ) وحماس ( كتائب القسام ) أو فتح ( كتائب الأقصى ) والجبهة الشعبية ( كتائب الشهيد أبو علي مصطفى ) عليها حتى أصبح التفلت منها والانخراط في مفاوضات وطنية وحوارات فصائلية لدى البعض وكأنه تفريط بالمقاومة أو ضرب لها حيث أسقطت الوسيلة لتصبح هدفا وعقيدة من الصعب التحلل منها .

نرفض استشهاد (أبناؤنا )لاستثمار سياسي

        من المعلوم أن الانتفاضة المباركة بدأت بتظاهرات شعبية متواصلة كان الشهداء فيها يتساقطون أمام الإرهاب الإسرائيلي دون أن يقوم أي تنظيم باقتحام مجال المقاومة والعمليات الفدائية إلى أن أقدمت حركة فتح على قتل ( مائير كاهانا ) وزوجته قرب رام الله ليظهر اسم كتائب شهداء الأقصى مدويا في سماء العمل الوطني كأحد أردية حركة ( فتح ) وتجلياتها ، وحينها كانت التنظيمات الأخرى ما زالت لم تنخرط في آليات المواجهة لأسباب عدة أبرزها ما يتحفنا به القيادي البارز في حركة حماس إبراهيم غوشة حينما صرح قائلا ( البيان 3/1/2001 ) ( أن الحركة أحجمت عن العمليات الاستشهادية خلال الانتفاضة لمنع السلطة الفلسطينية من جني ثمار هذه الهجمات على مائدة المفاوضات ) ومضيفا ( إننا نرفض أن يستشهد أبناؤنا من أجل استثمار سياسي ) ؟! وهو ذات الرجل الذي صرح على التلفاز في خضم الانتفاضة مطالبا باستقالة الرئيس ياسر عرفات ( وهو ذات المطلب الذي جعله مجرم الحرب أرئيل شارون وعصابته شرطا مركزيا ) في خلط سياسي غريب وتفسيرات أغرب سواء لوقف العمليات أو لدعوته اللاحقة والتي صمت بعدها مؤْثِرا عودته إلى عمان ، بعد أن استعطف جلالة الملك الحسين ( بما عرف عنه-أي جلالة الملك- من سعة صدر تسع جميع أبنائه ) في رسالته ( 28/6/2001) وباعتباره أي المهندس إبراهيم غوشة أحد أبناء الملك كما هو جلي في رسالته ، ومطالبا جلالته ( أن يتفضل مشكورا لإنهاء المشكلة ) علما ( بأنني سأقوم بتجميد نشاطاتي السياسية والإعلامية والتنظيمية الخاصة بحركة حماس) وليصمت بعدها إلى الأبد  .

         ما نريد قوله في هذا المقام أن العمليات العسكرية ومنها الاستشهادية في الانتفاضة الحالية كانت صناعة غير ( حماسية ) وإنما ( فتحاوية ) مرتبطة بانطلاقة الثورة عموما ، وإذا اعتمدنا كلام إبراهيم غوشة الذي كان يتحدث بصفته الناطق باسم حركة حماس -قبل العفو الملكي عنه ورجوعه للأردن - بعين الاعتبار للاحظنا لهجة الحقد على الآخرين من جهة ، ولهجة السياسي غير الأيديولوجي  بل وغير المتزن الذي يتعامل مع المقاومة والعمل العسكري وفق المصلحة التنظيمية الحزبية الضيقة ، وليس بما يتفق مع المبادئ أو أن المقاومة استراتيجية متواصلة ، والعمل العسكري لن يتوقف كما كرر عدد من قادة حركة حماس الآخرين .

شعارات في الهواء

         في جميع الأحوال لم يكن شعار المقاومة بالنسبة لحركة حماس شعارا ثابتا مطلقا أيديولوجيا غير قابل للتغيير وإلا لتحولت الحركة إلى حركة متحجرة لا تتفاعل مع المتغيرات ، وإنما كانت حركة سياسية براغماتية شأنها شأن أي حركة سياسية أخرى في فلسطين تضع مصلحتها ومصلحة كوادرها ومصلحة الوطن وتتعامل معها في ضوء معطيات العلاقة مع الآخرين ومع السلطة ومع المتغيرات الإقليمية والدولية بما ينعكس على القرار، لذلك قررت حركة (حماس) بعد تردد وطول مماطلة وحوار داخلي وخلافات عدة قررت في ( 21/12/2002 ) وقف العمليات الاستشهادية وإطلاق قذائف الهاون وكما أشار حينها  إسماعيل أبو شنب القيادي في حركة حماس حيث ( إن وقف الهجمات كان بمبادرة من حماس أخذا بعين الاعتبار الظروف الراهنة والضغط الدولي على السلطة الفلسطينية وعلى حماس وعلى الشعب الفلسطيني – البيان 22/12/2002) ونفس الأسباب التي ذكرها أبو شنب هي وأشد منها ما دعا حركة حماس لاحقا للحوار لتصعيد المقاومة ( أو وقف العمليات ) مع حركة ( فتح ) وسائر التنظيمات في غزة لاحقا ، ثم في القاهرة شهري 11 و 12 –2002 استجابة للضغوط الأمريكية والأوربية عليها إثر لقاء حماس مع الأمريكان في بيروت ، على عكس ما ذكره أسامة حمدان ( الجزيرة 12 / 2002 ) من أن حوار القاهرة لم يخالطه ضغط على حركة ( حماس ) ما جعل أبوعلي شاهين أحد قادة حركة ( فتح ) في ذات المقابلة ينفجر ضاحكا.

        لقد ذهبت الدعوات الأيديولوجية التعبوية أدراج الرياح بأن ( لا قرارات عندنا بوقف العمليات الاستشهادية مهما كان الثمن – الشيخ ياسين البيان 10/5/1998 ، إذ إن الحركة ملتزمة بالمقاومة بكافة أشكالها ما دام الاحتلال قائما على أرض فلسطين – أبو شنب البيان 18/5/2002 أو أن وقف المقاومة مع بقاء الاحتلال يتنافى مع سياسة حماس – الرنتيسي البيان 6/7/2002 ) وأصبحت مثل هذه الشعارات سلعة للاستهلاك المحلي ، والحقيقة تتعامل مع الواقع والمتغيرات ، و البراغماتية  التنظيمية العالية لحركة حماس رغم تعدد أصواتها وتياراتها ومنابرها .

العملاء في جسد حركة ( حماس ) !!

       قال محاور أبو أحمد ممثل حركة حماس في الخرطوم من صحيفة الخلاص ( في الآونة الأخيرة طالت أجهزة الأمن الإسرائيلية قيادات بارزة من حماس واستطاعت تفكيك بعض الخلايا العسكرية لها ، هل هذا تفوق صهيوني أم أخطاء من حماس ؟) يجيب أبو أحمد ( أولا نحن لا نعفي أنفسنا من القصور فهي حالة البشر ) ونقول بارك الله فيه لأن الاعتراف بالحق وإن كان متأخرا فضيلة ، مضيفا ( إن هناك نقاط ضعف أخرى داخل شعبنا هي العملاء الذين زرعهم العدو، ولكننا نعمل جاهدين لمحاصرة هذه الظواهر إذن هي معركة . ) وهذا اعتراف محمود بذلت فيه حركة ( حماس ) جهدا نفسيا وتنظيميا وتعبويا كبيرا لتصله لأنها رأت –كما سيلي- في الاعتراف بوجود عملاء في جسدها عارا كبيرا عليها ، أو محاولة للطعن في نصاعتها و قوتها ، و لكنها سرعان ما أدركت أن في العناد السياسي و عدم الاعتراف مع توفر الأدلة لعباً بقضية خاسرة، ولا تلوث تاريخ (حماس) أصلا أن يكون مدسوسا عليها أو فيها عدد من الكوادر أو القيادات ممن باع نفسه للعدو وتعامل مع الشيطان . وعليه نظرت حركة (حماس) إلى المظاهر السلبية المختلفة التي رافقت الانتفاضة و التي نقول أن منها ظاهرة العملاء في جسد التنظيمات المختلفة و خاصة الكبيرة منها كحركة (فتح) و حركة (حماس) نظرة تأمل و مراجعة حيث يقول خالد مشعل في رسالة إلى ( طلاب و طالبات الكتل الطلابية في الجامعات الفلسطينية كافة) في 14\12\2002 ( و إن وجود بعض من المظاهر السلبية التي برزت في ظل الانتفاضة لا تدفعنا إلى وقفها ، بل إلى معالجة تلك المظاهر و الظواهر بموضوعية و توازن و اعتدال ،وهي حالة طبيعية في كل الثورات والمواجهات مع المحتلين ،و التصحيح أولا بأول مع الحفاظ على المسيرة الأساسية للنضال و المقاومة هو السبيل الصحيح ).

        إن ظاهرة العملاء ظاهرة طالما صاحبت الثورات في كل البلدان ، وطالما كانت تنم عن ضعف خلق و سلوك منحرف أو خوار ، وإرادة متهالكة ،أو فساد فكر و عقم تحليل يودي بصاحبه للارتباط مع العدو ضد شعبه و أبناء وطنه ،و كانت البداية الكبيرة في اختراق حركة حماس مترافقة مع نشأتها ، حيث سهلت لها السلطات الإسرائيلية الحركة و النشاط كمقدمة لضرب منظمة التحرير الفلسطينية و إيجاد بديل عنها و لا يعني هذا أن حركة حماس صنيعة (الشاباك = المخابرات الإسرائيلية) كما يحلو للبعض أن يخلص ذلك ، بل و يتهمها أنها تشكلت من قبل المخابرات لكنها خرجت من الوصاية الإسرائيلية و غيرت اتجاهها كليا لاحقا كما يقول (يفجيني بريماكوف في صحيفة الشرق الأوسط 14\9\2002  )

        و إنما من المعلوم أن (التسهيلات) التي قدمتها السلطات الإسرائيلية للحركة الإسلامية في المساجد التي أثمرت (حماس) لاحقا كان من ضمنها أن دست عددا غير محدد من العملاء ، الذين أدعى الإسرائيليون أنهم كانوا قبل الانتفاضة الأولى (1987-1994) ما يزيد على المائة ألف عميل بمستويات و أحجام متفاوتة ، بالضرورة – مع تحفظنا على الرقم المبالغ فيه بالطبع والذي تقدره منظمات حقوق الإنسان ب 15 ألف متعاون ( مايو 2002 ) – كان جزء كبير منهم ممن يتخفون في جسد رجل ملتحٍ أو مصلٍ  أو متدين أو منتمٍ  للحركة ( الإسلامية ) في الوطن ( حالة وليد راضي إبراهيم حمدية الذي انتمى للحركة الإسلامية قبل أن تصبح حركة حماس ، وذلك عام 1981 في إطار المجمع الإسلامي في غزة ، أو حالة العميل رفيق راضي حماد من حركة "حماس" أيضا ، وحالة العميل أحمد أبوعيشة الذي أعدمته السلطة الوطنية وهو من نابلس المقرب من "حماس" الذي أودى بحياة صلاح دروزة من قيادات (حماس) ، .... ) ، ومثلهم الكثير ممن إما هُرّبوا إلى الداخل أو خارج الوطن ، أو بقوا في مناطق السلطة الوطنية مع إلزامهم من قبل الأجهزة الأمنية بوقف نشاطاتهم ومحاسبتهم عما سيلي  ، أو ظلوا في مرحلة كمون إلى أن جاء وقتهم مع انطلاق انتفاضة الأقصى - تم إعدام عدد من هؤلاء العملاء الذين أعادوا نشاطهم بداية الانتفاضة - وبعضهم قبلها إبان فترة التسوية وبناء السلطة الوطنية الفلسطينية ليجددوا نشاطهم التخريبي التدميري الآثم .

محي الدين الشريف والاختراقات والعصابات .

       اتهمت أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية أحد قادة كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس باغتيال محيي الدين الشريف أحد المسؤولين العسكريين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في صراع داخلي على النفوذ ( الصحف والوكالات في 7/4/1998 ) . واعتبرت حركة حماس رواية السلطة الوطنية أكاذيب مشبوهة هدفها تبرئة العدو الصهيوني ومنع أي محاولة للانتقام . ورفض عبد العزيز الرنتيسي الناطق بلسان حماس في ختام لقاء مع مسؤولين في السلطة نتائج التحقيق الذي أجرته الأجهزة الأمنية للسلطة الوطنية الفلسطينية معلنا أن ( حركة حماس تجري تحقيقا ) ؟؟! وسيتكرر نفس السيناريو لاحقا في عدم ثقة حماس إلا بتحقيقاتها في كل أمر أثناء الانتفاضة المباركة ، واعتبرت حركة ( حماس) ذلك محاولة للإساءة لشهدائها وللمقاومة الباسلة ومحاولة مكشوفة لتبرير مطاردة رموز المقاومة واعتقالهم؟؟! إلا أن أجهزة الأمن الفلسطينية ألقت القبض على خمسة فلسطينيين بتهمة اغتيال محيي الدين الشريف. وكان الأمين العام للرئاسة الفلسطينية الطيب عبد الرحيم أعلن في وقت سابق ( 6/4/1998 الوكالات ) إن الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقلت قتلة الشريف وستعلن قريبا كافة المعلومات المتعلقة بهذه الجريمة. و أفادت المصادر الأمنية الفلسطينية أن عادل عوض الله ،أحد قادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الضفة الغربية، يقف وراء مقتل محيي الدين الشريف. وقالت هذه المصادر أن (صراعا حادا على النفوذ اندلع بين الشريف وعوض الله وان هذا الأخير قام بإطلاق النار) . و أشارت المصادر إلى أن أحد أعضاء حماس الذين اعتقلوا في إطار تحقيقات الأجهزة الأمنية الفلسطينية بمقتل الشريف كان شاهدا على عملية القتل وقدم اعترافات كاملة.

       وحسب هذه المصادر فان العضو في حركة حماس غسان عداسي الذي تم اعتقاله عقب اكتشاف جثة الشريف شاهد على عملية القتل. واضافت المصادر الأمنية أن (عداسي الذي صدم لما شاهده من مقتل أحد القيادات التي كان يعتبرها مثلاً أعلى له على يد أحد زملائه أصيب بأزمة ضمير وقرر الكشف عن القضية) . وبينت التحقيقات الأمنية الفلسطينية أن عداسي كان مرشحا في لائحة طلابية لحركة حماس في انتخابات جامعة بيرزيت . و أضاف أن عضوا بارزا آخر في كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس قتل الشريف بالرصاص ولا يزال هاربا. وقام عضو آخر في الكتائب بزرع المتفجرات التي نسفت السيارة ليبدو الأمر وكأنه حادث عارض.

       وقال المسؤول لرويتر إن كل المعتقلين رهن الاحتجاز حاليا لدى الأمن الوقائي الفلسطيني. وتابع أن عضو كتائب عز الدين القسام الذي تحتجزه الشرطة الفلسطينية اعترف بزرع المتفجرات التي نسفت السيارة والشريف بعد إطلاق الرصاص عليه. وصرح بان تحقيقات السلطة الفلسطينية في مقتل خبير المفرقعات كشفت عن وجود كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة في الضفة الغربية. وذكر أن الطيب عبد الرحيم رأس اللجنة التي حققت في مقتل الشريف. و أعلن عبد العزيز الرنتيسي الناطق باسم حركة حماس في ختام لقاء مع مسؤولين في السلطة الفلسطينية عقد في غزة إن (الرواية التي قدمتها السلطة الفلسطينية حول اغتيال الشريف غير مقبولة) . وكان وفد من السلطة الفلسطينية برئاسة الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة الفلسطينية وعدد من المسؤولين الأمنيين التقى الرنتيسي ومسؤولا آخر في حركة حماس هو إسماعيل أبو شنب. وصرح الرنتيسي في ختام اللقاء (أن حركة حماس تعتبر الرواية التي سمعتها من السلطة الفلسطينية غير مقبولة) ، مشيرا إلى أن (الحركة تجري عبر أجهزتها المختصة تحقيقا في الموضوع) ؟؟! . من جهته قال الطيب عبد الرحيم للصحافيين انه (تم إبلاغ قيادة حركة حماس خلال اللقاء رسالة واضحة وقوية حول نتائج التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية بخصوص مقتل الشريف وابدينا استعدادنا الكامل لوضع الحقائق أمامهم للتأكد من هذه النتائج) . واضاف ( لقد وعدوا بنقل الرسالة إلى قيادتهم والرد علينا بشكل رسمي في وقت قريب) . واشار عبد الرحيم إلى انه أوضح لقياديي حماس ان (الوضع لا يحتمل المكابرة وانما يستدعي من الحركة تدارك الموقف حتى لا يكون هناك تداعيات اكبر) . و أكد عبد الرحيم أن السلطة الفلسطينية أبلغت ممثلي حماس أنها (تريد ردا رسميا وأنها ليست على استعداد للرد على بيانات ترد عبر وسائل الإعلام) مشيرا في ذلك إلى البيان الذي أرسلته حماس إلى وكالات الأنباء ووصفت فيه (رواية) السلطة الفلسطينية بأنها (أكاذيب مشبوهة) .

         وقد رفض الدكتور محمود الزهار أحد المتحدثين باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة إعلان مسؤولين في السلطة الوطنية الفلسطينية أن مرافقين محتملين للشهيد محيي الدين الشريف أقدموا على تصفيته على خلفية نزاعات داخلية. وأضاف الدكتور الزهار (ليس هناك أي مسوغات شرعية ولا حتى تجارب سابقة تبيح اغتيالات على هذا النمط) وإن صح الكلام نقول هنا فإنه في إطار الانتفاضة المباركة ظهرت الاختراقات الواسعة في جسد حركة حماس ، مؤكدا- أي الزهار- أن ما أقدمت عليه السلطة (هو محاولة لترضية أطراف غير فلسطينية) . وقال المسؤول في حركة (حماس) أن هذه المزاعم لا تخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ولا تمت للحقيقة بصلة ، مشيرا إلى أن الحركة (تنتظر الحقيقة عندما تستكمل كتائب القسام تحقيقاتها وتعلن عن نتائجها ، فهي الجهة المسؤولة والمعنية بهذا الأمر( ؟؟!) وهي صاحبة خبرة واسعة في هذا الميدان) . مضيفا أن عائلة الشهيد (تثق في تحقيقات كتائب القسام بصورة مطلقة ولا تلتفت إلى تلك الادعاءات) .  وقال وزير التخطيط الفلسطيني والمفاوض الكبير نبيل شعث للصحفيين في رام الله بالضفة الغربية إن التحقيق الفلسطيني اظهر بشكل (حاسم) أن قاتلي الشريف جميعهم من حماس غير انه ليس واضحا إن كانت دوافع القتل سياسية أم شخصية. و أضاف إن التحقيقات كشفت عن شخصية القاتل وسلاح الجريمة وبعض شركائه الرئيسيين.

       هكذا كانت صيغة الحوار الدائر بين أقطاب من السلطة الوطنية ومن حماس حيث لا ثقة مطلقا واحتقان دائم  وهذه نقطة أخرى ، إلا أن ما أثبتته الحوادث لاحقا عبر استشهاد عدد من قيادات وكوادر حركة حماس دللت على وجود اختراقات أمنية في جسد الحركة سواء كانت هذه الاختراقات من منتمين لحركة حماس أو من أقرباء لهم ( حالة العميل علان بني عودة الذي أعدم إبان الانتفاضة ، وأمين خلف الله من خانيونس من نشطاء حركة حماس حتى عام 1998 ) ، ودلت الحوادث اللاحقة على إمكانية تقبلنا لرواية السلطة الوطنية حول صراع النفوذ الذي دللّ على وجود عصابات نامية في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتي أكدت عليها عديد التقارير ، وكما ظهرت جلية في التخريب المتعمد للممتلكات إبان الانتفاضة المباركة منذ العام 2000 ، وفيما أقدمت عليه عصابة من عائلة منتمية لحركة (حماس) يتزعمها المدعو عماد عقل عبر قتلها العميد راجح أبو لحية في غزة والتمثيل به ، وفي القتل من حركة حماس على خلفية طلاء جدار ، وفي الضرب المبرح للصحفيين الفلسطينيين على يد مرافق الزهار وكوادر من حركة (حماس) ، وماكان ما حدث مع محي الدين الشريف عام 1998 إلا إشارة تنبيه لم تفهمها (حماس)- نتيجة المكابرة ربما كما أورد الطيب عبد الرحيم- إلا أنها لضربها أو الإساءة إليها في ظل عدم الثقة والاحتقان الذي كان قائما مع السلطة الوطنية آنذاك ، ومقدمة لما حدث منذ أواخر العام 2000 فصاعدا .  

حالة العميل رفيق حماد

       نفذ المدعو رفيق حماد (31 عاما ) عملية تفجيرية قرب جامعة بارايلان في رمات غان قرب تل أبيب قتل فيها إسرائيلية وأصيب 17 بجراح ، وكان رفيق حماد قد انتسب لحركة ( فتح ) في الانتفاضة الأولى ، وعام 1988 اعتقل وحكم عليه بالسجن سنة ونصف السنة ، واشتبه به رفاقه في سجن مجدو يومها فأجرى مسئولو (فتح) في السجن تحقيقا معه اعترف خلاله بأنه عميل إسرائيلي فنقله الإسرائيليون إلى سجن آخر في النقب ، وهناك أيضا حقق معه كوادر حركة (فتح) واعترف بعمالته ووعد بالتوبة ، وعند إطلاق سراحه انزوى وانطوى على نفسه فترة طويلة ولكنه عاد وتقرب من حركة ( حماس ) فأرسلوه في عملية استشهادية (انتحارية) ( حسب مصدر أمني فلسطيني للشرق الأوسط 17/10/  200  (   . وقد يقول قائل أن الرجل ربما تاب ونظف نفسه بهذا العمل مما لا يصمد مع أسلوب وطريقة السيطرة البشعة التي يحكمها الإسرائيليون على العملاء ( راجع الملحق رقم 2 )  ، ونحيلكم لحالة الاغتيال التي تسبب بها العميل المدعو علان لقريبه من حركة ( حماس ) إبراهيم بني عودة والتي تدلل على عمق الاختراق الإسرائيلي لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس) . 

حالة العميل علان بني عودة :    

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر