موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

فتحي والمطر


 

كان الجو ماطرًا وكنت أسرع بالدخول الى البناية التي يتموضع فيها مكتبي، إلا أنني مع الدرجة الثالثة صعودا على السلم غيرت رأيي وعدت لمتجر فتحي النجار في واجهة البناية وبعد التحية الصباحية و ابتسامة فتحي المختومة بالحزن، استأذنت بالجلوس فهز رأسه وهو منشغل بتفقد خزانة.

جلس بقربي وصب لي كوبًا من الشاي وتابع حديث الأمس حول مخزن الأفكار والذكريات وكأنه كان ينتظر حضوري.

ولما كان توقفه الفجائي عن تعداد أسطر سعادته في دفتر السعادة الصغير قد انقطع بالبكاء فإنه تجاوز الأمر وطفق يتحدث ونظره نحو البعيد وأنا ما بين مستمتع بالمطر المتساقط بخفة والسيارات تعبر الشارع المطلّ على متجر فتحي مبللة بالماء الذي يكاد يطرق الواجهة الزجاجية.

قال فتحي توفي والدي منذ سنوات قصيرة

قلت: الله يرحمه.

أجاب: تعيش. واستطرد: وبعد وفاته اقتسمنا الإرث نحن أبناؤه الأربعة وعدد من الأخوات وكان نصيبي قطعة من الأرض مجاورة لنصيب أخي الأكبر الذي استحوذ على البيت العتيق وعلى محلات الوالد وهي محلات في أكثر من مدينة متخصصة بالأثاث وصناعته وبيعه وهي للحق أقول التي كانت تجعل من عيون الجميع تضرب بحُسّادها لما آلت اليه حالنا من نعيم في حضرة الوالد رحمه الله، الا أن أخي الكبير ونتيجة لعمله المباشر مع والدي اكتشفنا أنه أقنعه بتسجيل الشركة بكافة محلاتها باسمه ما لم نكن نتوقعه وإن بدت عليه علائم الجشع منذ وقت مبكر.

المهم أننا تقاسمنا الأرض فقط، حسب الشرع والقانون، فالأموال مرتبطة بالشركة وهي جزء منها ورغم الجدال العريض الذي نشأ بيننا نحن الأخوة الأربعة والأخوات حول حقنا في مال أبينا في المصارف والشركة الا أن الأوراق الرسمية قد وقفت حائلا بيننا وبينه، فهو المتحكم وهو المالك الرسمي للشركة والحسابات.

امتد نظر عبدالسلام وهو اسم أخونا الأكبر الى ما كان لنا من حق، فحاول أن يشتري الأرض منّا بتراب المصاري (المال) ولكن أمام إصرارنا تقبل الأمر على مضض، ولم يسكن أبدا فلم يكف عن مضايقتنا المرة تلو المرة وبطرق متعددة.

في أحد أشد المرات مضاضة كانت حين طفق يبني سورًا بيننا وبينه أي بين أراضينا وبين قطعة أرضه في عمق أراضينا نحن اخوته دون اهتمام بما نقوله.

فكانت الجرافة تحفر في المطر، وكاد الحائط يبنى لولا أن وسّطنا المختار وطبيب العيادة الصحية وصاحب محل الدجاج المجاور لأرضنا، ولولا تدخل المحافظ ووجوه العشائر والعائلات والا لكنا اليوم لا نحتكم على أقل من الربع من أراضينا، ودعني أقول من أرضي لأن اخوتي الآخرين تضامنوا لاحقًا معه.

قلت: هذا وضع كثيرا ما يتكرر في أكثر من مكان.

قال: نعم، ألا يؤلم!

قلت: بالطبع يؤلم.

قال: وأكثر من ذلك فهو عندما بنى السور الذي يحيط ببيته جعله أعلى من قامة الرجل بارتفاع يزيد على مترين كي لا يرانا ولا نراه، ولربما رغب بالوصول للسحاب واحتكار المطر.

قلت: المطر لنا جميعا، ولكن السور واقٍ لك من رؤيته هو.

قال: كنت أود إدامة النظر للبيت العتيق الذي سلبه منّا.

قلت: الله المستعان.

#بكر_أبوبكر

قصة أدبية قصيرة

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر