القيادة إيمان وتجدد


القيادة إيمان وتجدد

 

       الأخ محمد أبوليل قيادي منفتح وقيادي ذو صدر رحب، والأخ محمد ناقد من الطراز الأول يتقن فن البحث عن الحقيقة . إلا أنه عندما قرأ المقال الذي كتبته بعنوان ( القيادة سلوك واعتراف ) والذي كان مليئا بالنقد لأساليب القيادة لدى القيادة(=تجاوزا أصبح يطلق على الصف الأول في هيئة القيادة قادة بغض النظر عن انطباق المصطلح عليهم أو عدم انطباقه وكأن لقيادة موقع فقط وهذا غير صحيح بالمطلق) الفلسطينية. وللحقيقة فلقد كان الأخ محمد (القائد) الحقيقي محقا فيما كتبه خاصة ملاحظته التعميم فيما كنت قد كتبت، ما لاحظته لاحقا ولم أكن أقصده. فأنا أقر مع الأخ محمد أن هناك قيادات في الصفوف المختلفة والأجيال المختلفة تعد نموذجا حقيقيا يحتذى به، ويسرنا وجودهم بيننا في المواقع المختلفة .

       ذهبنا وكنا مجموعة من الشباب الطلاب قبل ما يقارب ثمانية عشر عاما لزيارة الأخ المفكر والمجدد والقائد (القائد حقا) خالد الحسن،

وكانت الحماسة والاندفاع من سماتنا وهي من سمات الشباب عامة ومن سمات أؤلئك الذين يفكرون بروح الشباب ممن رأيناهم كذلك وهم في مرحلة الكهولة من حيث السن. جلسنا في الصالون وبعد السلام قمنا بحملة نقد شديدة ضد الإعلام  الحركي( إعلام حركة فتح الذي كان الأخ خالد الحسن قد تسلمه لفترة ولكنه للأسف لم يكمل به) الذي رأينا أنه مقصر أو غير موجود ولا يصل أبناء الحركة الضائعين بين سيل التصريحات المتناقضة من مسؤولين(قادة) في فتح.

والآن وبعد هذه السنوات استذكر أن نقدنا كان شديدا إلا أن الانفتاح ورحابة الصدر التي يتمتع بها أبوالسعيد رحمه الله كانت مذهلة جعلته ينصت(

والانصات الجيد من سمات القادة) إلى أن انتهينا من كلامنا ولم يبق لدينا ما نقول.

       لم يصرخ ولم يرفض ولم يقاطع ولم ينكمش ولم يتخذ موقفا معاديا ولم يدافع ، وإنما تعامل معنا بأسلوب المعلم والحكيم فألقى الكرة في

ملعبنا وقال قبل كل شيء أسألكم سؤالا واحدا وأريد أن تجيبوني عليه، قلنا: تفضل. قال: ما هو الإعلام؟ ولأننا لم نتوقع ولم نكن مستعدين وفينا

رهبة التناظر مع الأخ خالد الحسن صمتنا وطال الصمت، فالتقط أبو السعيد حبل الحديث وبدأ يشرح ويعرف ويضع الخطوط ويبرز الأهداف ويتحدث عن الخطة ويعدد أنواع الإعلام ما لم نكن في إطلاع عليه وما يجعل من أسئلتنا تختلف وتصاغ بمنطق أو أسلوب آخر لو امتلكنا ثقافة وعلما مسبقا.

       لقد كان خالد الحسن مؤمنا إيمانا عميقا بالفكرة والمباديْ، بالقضية والحق والعدالة ، وكان مؤمنا بالشباب ودورهم فعمل في هذا

اللقاء-ولاحقا في لقاءات عدة وندوات- معنا أو مع غيرنا عمل على نقل فكره وثقافته وتجاربه إلى الجيل الجديد بمحبة ورحابة صدر دون أنوية(أنوية هنا أي إظهار الأنا في كلامه بتعداد منجزاته ومآثره الشخصية). وفي عمق حديثه وحرصه على توصيل الفكرة والمعلومة ظهر منه إيمان لا يتزعزع وثقة عالية بضرورة التواصل والاستمرار والنصر.

      إن القيادة قدرة على اكتساب القلوب وجذب العقول ونقصد القيادة التي لها قضية، القيادة السياسية، القيادة المجتمعية، خاصة وهنا نقول  أن نماذج أو أساليب القيادة قد تتعدد أو تختلف بحسب (الموقف) أو بحسب (التفاعل مع الموقف) ما يطلق عليه النظرية الموقفية التفاعلية والتي دعمها د. أحمد صقر عاشور كثيرا وأسهب في التعامل معها ورصدها ما يمكن فيه أن يكون القائد لموقف أو فترة أو حدث ثم يتصرف في غير ذلك دون أن يتخذ أو يمارس دور القائد بالضرورة.

       إن عشرات النظريات التي حاولت فهم معنى وحقيقة وأساليب القيادة تعاملت مع نظرية الرجل العظيم ( القائد العظيم، القائد الفذ، القائد

الملهم، القائد الجهبذ...) التي لم تعد تلقى حظا وقبولا من علماء التنظيم والنفس والإدارة حاليا، رغم أن القائد الذي يلهم ويجذب ويسحر بشكل فائق للغادة أصبح يصنف في خانة الزعيم وليس القائد فقط. وهؤلاء قلة ويظهرون في فترات وحوادث وظروف محيطة ذات طابع استثنائي. أي أن الوضع الطبيعي حيث يتعامل مجموعة( مجموعات، فئات، منظمة،شعب، شعوب..) مع بعضهم ويبرز من بينهم أناس ذوي قدرات وذوي مهارات وذوي أدوار أحدها هو دور الرعاية وأيضا التوجيه والتحفيز والتجديد ودفع الآخرين لإنجاز الأهداف مما يسم القائد ويبرزه ضمن المجموعة.

      إن القيادة ضمن فريق تفترض توزع الأدوار، الإيمان بالكل، بقدراتهم.

بضروة احترام فروقاتهم وحثهم. فحيث يكون دور المفكر هاما-وهو أحد الأدوار الثمانية بحسب علماء الإدارة الممثلة لعمل الفريق- يكون دور

المنفذ هاما وحيث يكون دور المجدد هاما يكون دور الناقد هاما. وهي من الأدوار الثمانية في عمل الفريق المتكامل والمتناسق الأدوار، ما يجعل في ظل عدم توافرها أو فقدانها أن تؤدي لاستئثار أي من أصحاب الادوار بالجماعة وسوقها وفق قدرته أو دوره بمعنى أن يطغي على الجماعة دور

المفكر أو المتمم أو المجدد ولا يرى التكامل بين الأدوار جميعا ما هو دور القائد الحقيقي.

       أحيي الأخوة في قيادات حركة (فتح)، في أقاليم حركة فتح في الخارج والوطن ( وإن كنا قد نتعرض لأساليب بعضهم ومن هم في مواقع أخرى بالنقد والتشريح لاحقا بالإجمال ودون إشارات لأحد بعينه إن استطعنا، وكما فعلنا في كتابنا المعنون حركة فتح والتنظيم الذي نريد) والأخوة في قيادات الصفوف المختلفة الذين جعلوا من الفكرة إلهاما ومن خدمة الناس والكوادر والقضية مهمة ومن حمل اللواء شغلهم الشاغل ومن التجدد ضمن إيقاع العصر مهارة يتعلمونها ونتعلمها معهم ونسير.

 

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر