في تاريخية القيادة


في تاريخية القيادة

 

     كانت الطريقة التي يتم من خلالها تنفيذ الأعمال وتلبية الاحتياجات الإنسانية موضع أخذ ورد، ففي حين كان الإنسان يلتقط الثمار ويحاول أن يحمي ذاته من الأخطار خاصة من الحيوانات الشرسة كان يتحرك في مجموعات ويقيم في مجموعات طلبا للأمان والراحة ورغبة في تحقيق الاحتياجات وتلبية متطلبات الحياة وعلى رأسها المأكل والمشرب ، ولذلك توصل الأفراد لضرورة التجمع للاتحاد معا لتجاوز صعوبات العيش وتذليل العقبات ، فكان الغزو والصيد يتم من خلال الجماعات.

     إن الإحساس الداخلي لدى الإنسان والذي وجهه لضرورة حفظ حياته قاده في ظل اختلاف قدرات البشر لأن يسلس قيادته لمن هو قادر على ذلك ، وبلا شك فلقد كان القائد للمجموعة البشرية في بداياتها هو القائد القادر على توفير الحماية أساسا للناس أو القبيلة فمجّد الأقدمون الرجل القوي الفتيّ الشجاع المقدام وولوه عليهم. فقاد الممالك والإمبراطوريات الكبرى رجال صناديد لا يخشون المخاطر ويضحون في سبيل الجماعة وأمنها ومعاشها أو يضحون في سبيل وطنهم وأحيانا كثيرة لصنع المجد الشخصي أيضا.

    إذن ارتبط المفهوم الأول للقيادة بالشخص ذو العناصر الجسدية والفكرية وبالقدرات التي تمكنه من التأثير في الجماعة وضمان طاعتها في مقابل تحقيقه لمعيشتها وأمنها واستقرارها، لذلك بقي القائد ضمن هذا النموذج مطالبا بإظهار تميزه وتفوقه على الآخرين فكانت الغزوات والفتوحات دلالة على الشجاعة والقوة والمنعة والتي لولاها كان الصعود للإمارة والقيادة من حق أي مطالب أو قوي. وكما هو شأن الصراعات الإمبراطورية التي كانت تعيب على السلطان أو الملك الخوار والضعف أو الابتعاد عن الغزو والفتوحات التي مثلت في معظم مراحل التاريخ مبرر تواصل الحكم ومبرر تثبيت الحكم الوراثي.

     لقد اتخذ الحكم الملكي الوراثي الإمبراطوري عناصر قوته-ضمن عوامل أخرى- من قدرات ومناقب القائد وخاصة أمام الأعداء فهو البطل المغوار في الحرب وهو السيد المقاتل وهو المرهوب الجانب.

    وفي عصور القيادات الارستقراطية أي تلك التي استمدت قدراتها من الإرث المرتبط بالعائلة الملكية أو بتقسيم وضعها وفقا للدين أو العرف كما هو الحال في الحضارة المصرية أو الهندية أو البيزنطية أو الإسلامية في عصور الخلافة الملكية فلقد خرج من عطف هذه الممالك من ينادي فكريا بالملك والسلطان بارتباط الطلب بالخروج شاهرا سيفه طالبا الملك أو الإمارة استنادا للمقدرة على الحرب وطلبا للعدل والحق، وليس فقط هنا على الإرث الديني أو العائلي.

     في الإمبراطوريات الكبرى الفارسية والرومانية وغيرها حكم عدد من الأباطرة الضعاف ولكنهم في إطار القوانين أو الأعراف والإرث العائلي تم الاعتراف بهم وتواصل حكمهم لآماد محددة ، ولكن لم يستطع أحد أن يمنع النزوع للملك لكل من امتلك القوة أو القدرة التي ارتبطت في مراحل لاحقة بالأفكار والقيم ، بمعنى أن مبررات طلب القيادة أو الملك أصبح فيها المبرر الديني والقومي  هاما كمبرر يخاطب فيه الناس ويجيشون وراء طالب الخلافة أو الملك.

     القائد هو القوي وهو المهاب وهو الشجاع وهو المهتم بالرعية ليصبح القائد الحاكم هو المعبر عن إرادة الجمهور ضمن المفاهيم الديمقراطية، ثم كان القائد هو الخطيب المفوه القادر على استثارة

الجماهير وتوجيههم وفرض انصياعهم، تطور المفهوم من السمات الجسدية لقوية إلى النفسية والصفات السلوكية، ثم ليعود ثانية منذ القرن العشرين ليتخذ شكلا ارتبط بقدرات جديدة ليس من ضمنها القوة الجسدية أو إشهار السيف أو العظمة الارستقراطية القومية أو الدينية، وإنما قدرات الأفكار والتأثير في الناس بالبرنامج والدعاية والصورة المرئية والشكل، يقول (كريستوفر ماثيوس) مؤلف كتاب (كنيدي ونيكسون) أنه (عندما قدم هوارد سميث كلا الناخبين على شاشة التلفزة بدا ريتشارد نيكسون رجلا في متوسط العمر غير حليق اللحية، وكأنما قد عوفي أخيرا من مرض خطير ، أما جاك كنيدي فقد بدا على النقيض متألقا في حلة قاتمة أظهرته متمتعا بكامل عافيته) حتى صرخ مدير حملة نيكسون إثر المقابلة أنه قد سقط وهذا ما حصل.

    إن مفهوم القيادة تطور عبر الزمن، وكلما أصبح المجتمع أكثر استقرارا و أصبحت القوانين هي الحاكمة و كانت الجماعة العرقية أكثر انسجاما و تعددت الاحتياجات من البسيط إلى المعقد كلما ظهرت مفاهيم جديدة للقيادة لم تعد ترتبط فقط بالحكم من جهة ولم تعد ترتبط بالمتطلبات الأساسية من حماية ومعاش بل تطورت المفاهيم والقيادة للجماعات لتطال مختلف مناحي الحياة.

    لقد أصبح التعدد والتنوع سمة الحياة خاصة منذ الثورة الصناعية في القرن السادس عشر فكان للتباين والتنوع في احتياجات الناس أن نشأت المنظمات المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية ثم لاحقا تلك المرتبطة بحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية وهي كلها أطر لجماعات تحتاج لأدوار مختلفة من العمل كما تحتاج لقيادات.

     لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أول من أثار في الأمة مفهوم القيادة بمنطق الرعاية والحرص والتأثير، وأول من أشار لأهمية القائد ضمن جماعته في كثير من أحاديثه ، وفي نفس الوقت جعل من كافة الأعضاء في المجتمع في مسألة ما أو عمل ما، هو راع له وقائد له وللأعضاء المندرجين

في إطاره، فحمّل المسؤولية لكافة الأمة ولم يجعل من مفهوم القيادة كما هو في بعض النظريات البائدة مرتبطا بالسمات الجسدية أو بالرجل العظيم أو ببعض الصفات العقلية دون الآخرين. وإنما القيادة للآخرين هي للكل الذين يتحملون مسؤولية آخرين قلوا أم كثروا، لذلك جاءت مختلف الأحاديث تحض على بناء الذات وتنقية النفس تحقيقا للفائدة الخاصة والعامة، أي للشخص ذاته ولأهل بيته ومحيطه وتجارته وعمله وغيرها من المجالات التي إما يكون فيها سائسا أو مساسا.

    إن القيادة كمفهوم اختلفت فيه الثقافات واختلفت عبر العصور وتعددت تعريفاتها وكان لها في الحضارة العربية الإسلامية نصيب هام وإن ارتبط بالتطبيق الفعلي بشكل رئيس بالقوة والجيش و بالملك والسلطان والإمارة .

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر