القائد ذو العباءة الخضراء
القائد ذو العباءة الخضراء
كنا قد تحدثنا في ورقة سابقة عن عباءات القيادة الخمس، وأشرنا إلى أنها مسارات أو أساليب أو أدوار قابلة للتقمص بحسب الشخص أو والمرؤوسين والموقف، بمعنى أن (القائد) قد يرتدي (العباءة الحمراء) وهي عباءة القسوة مع مرؤوسيه (أتباعه) تبعا لطبيعة الموقف واحتياجاته، وقد يرتدي (عباءة القبول) البيضاء اللون، وقد يرتدي (عباءة الاستنكناف) الصفراء حينما يريد أن يظهر تبرما بموقف أو بشخص وهكذا.
اللافت في فكرة العباءات الخمس هو امتلاك القائد لمقدرة التدثر بأي من العباءات مما يستطيع معه أن يخفي لو أراد حقيقة مشاعره أو حقيقة موقفه، واتقانه التنقل بين العباءات الملونة تمثل قدرة قد لا تكون
متيسرة لدى قادة آخرين يحكمهم هواهم أو نفسيتهم، أو يحكمهم عوامل مؤثرة أخرى ناتجة عن الموقف: المكان والزمان والجمهور.
إن القائد القادر على لبس أي من العباءات الخمس باتقان شديد، ما يجعله ذلك يضبط تصرفاته و يصيغ استجاباته اللغوية والجسدية، هو القائد ذو العباءة السادسة وهي (العباءة الخضراء)، هكذا أسميناها
انطلاقا من أن اللون الأخضر يريح العين والأعصاب بحسب العلماء المختصين.
أكاد أشير إلى الزعيم الثوري العربي جمال عبد الناصر بالأصبع السبابة لأقول أنه من هذا النوع من القادة الذين يتقنون انتقاء العباءة المناسبة في الموقف المناسب وليس في ذلك ما يشابه صاحب الوجهين أو الوجوه المتعددة، لماذا؟! لأن ذاك كذاب أشر ومنافق واضح فيما القيادة بالاختيار بين الصيغ أو المسارات أو الاستجابات المناسبة هي القدرة على التعامل مع الشخصيات المختلفة والمتناقضة كل بحسب ميزاتها وبحسب الموقف أيضاً. لأن القائد الذي لا يجعل من انفعالاته تتحكم في ردود أفعاله يستطيع أن يدير معركة متسعة الجبهة، ويستطيع أن يتعامل مع فئات متنوعة من الشخوص، ويستطيع أن يتعامل مع مواقف دقيقة عديدة.
استطاع القائد (الزعيم) جمال عبد الناصر أن يستخدم قدراته القيادية في الوصول إلى السلطة، ثم في التخلص من المعارضين، ثم في بناء نظام اشتراكي ، وحزب=تنظيم (هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي، ثم التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي) مستندا لميزات " زعامة " في شخصيته ولقدرات امتلكها وطورها.فعلى سبيل المثال قام جمال عبد الناصر بتحييد حزب" جماعة" الاخوان المسلمين عندما أعلن حل الأحزاب عام 1954 لأنهم ظهروا كقوة ( أدعت مشاركتها له الثورة أو أن لها دورا أساسيا فيها)فلم يشملهم بالحل وخيرهم بين أن يكونوا حزبا سياسيا أو جماعة دينية أو خيرية.
ولمزيد من القبض على مجريات الأمور لبس العباءة السوداء وهي عباءة الحزم وأدخل الجماعة في امتحان السلطة حين عرض عليها الدخول في الحكومة ثم اختار الشيخ الباقوري لمنصب في الحكومة وهو من الجماعة التي رفضت أن تقبل دخوله الحكومة وقامت بفصله في تحد واضح، ليبدأ الرئيس عبد الناصر صفحة جديدة من العلاقة معهم" بالعباءة الحمراء" هذه المرة حيث القسوة والقطيعة، وخاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر التي اتهم بها حزب الإخوان المسلمين.
لم يستسغ جمال عبد الناصر تصرفات عضو مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين ذو التوجهات اليسارية خاصة بعد أن كان له دور في تمرد سلاح الفرسان في الجيش، ولكنه كزميل ومؤسس كان وما زال واقعا ضمن منطقة القبول-وضمن حسابات عدة- في عقل الرئيس جمال عبد الناصر، فقام بإبعاده سفيرا في الخارج ، تماما كما فعل الرئيس محمد أنور السادات لاحقا مع الفريق سعد الدين الشاذلي ، أو كما فعل الرئيس حافظ الأسد مع أخيه رفعت الأسد.
إن الرئيس ياسر عرفات شخصية معقدة التصنيف برأيي فهو يتمتع بسمات وصفات تفوق محليته حيث أصبحت شخصيته عالمية ذات" كاريزما" وذات " سمعة، وذات " وزن" وذات" قدرات" لا يمكن القفز عنها أو تجاوزها أو المرور عنها بسهولة لم تنفع معها عشرات الحصارات ومحاولات الاغتيال أو التهميش أو المنطق الشاروني الإرهابي باعتباره ليس ذو صلة.
وشخصية الرئيس عرفات" ذو العباءة الخضراء" شخصية كتبت عنها عشرات الكتب التي لا نريد التعرض لها هنا إلا من زاوية واحدة هي قدرتها على التنقل بين المسافات والمساحات والشخوص والمواقف بخفة وإدراك لأبعاد العقل_ ربما لا يشاركه فيه الآخرون. فعلى سبيل المثال وقف الرئيس عرفات أو القائد العام " قبل أن يصبح رئيساً" مواقف صلابة وشدة حاسمة في إعلان انطلاقة الثورة عام 1965 ولم يلتفت لآراء المعارضين، في أدائة. وحتى قبل أن يعلن ناطقا رسمياباسم حركة (فتح) ، ورفض الانشقاق منذ أطل برأسه خجولا عام 1983 حتى الأحتراب، وفي إصراره على الصمود في بيروت عام 1982، وفي رفضه التنازل مهما كلفه الثمن في (كامب ديفد) عام 2000 أمام رئيس أقوى دولة في العالم ما أشعل انتفاضة عارمة متواصلة.
هو سيد الألوان وسيد العباءات وان كنا في مجمل الإشارات لعدد من قيادات الثورة أو السلطة قد أوضحنا وجود قيادات باهتة وفاسدة ومفسدة " خرلمبو" وغيرها من عصابات الانتهازيين ومافيات السرقة. فإن من مزايا الشعب الفلسطيني قدرته الفذة على كشف أمثال هؤلاء ووضع ثلاثة خطوط تحت أسمائهم. وهو في نفس الوقت الذي يشير فيه لبعض الأخطاء التي يرتكبها أو ارتكبها الرئيس عرفات ومنها احتضان مثل هؤلاء، والتي اعترف بها على المنبر في آخر خطاب له من موقع حصاره في المقاطعة في رام الله، في المجلس التشريعي عام 2004 على سبيل المثال.
ما زال هذا الشعب يشعر بالكثير من القبول والاعتراف بهذا الزعيم ذو العباءة الخضراء الذي يعود له الفضل الكبير في التمسك بالأهداف الوطنية وعدم كسر حلقة الصمود، وتواصل الثبات النفسي الوطني.