المناخ القيادي


المناخ القيادي

      إن القائد قدرة على التأثير، وقدرة على التحفيز، وقدرة على استثمار طاقات الآخرين وتوجيهها، وقدرة على حث الآخرين،على تحقيق الأهداف بفعالية،بكفاءة،بأقصى طاقة.

والقائد بهذا التعريف من الممكن أن نراه في مستويات ادراية أو تنظيمية متعددة، فقد نجده في موقع رئيس القسم أو في موقع الملازم وقد نجده عند شيخ القبيلة، أو عند رئيس العصابة، أو عند كبير النجارين أو عند مهندس المشروع وقد نجده عند طالب في الصف الأعدادي أو عند الطالبة في المرحلة الجامعية، وما دام " القائد" يتفاعل بالضرورة مع آخرين ضمن مواقف متعددة ومتصلة فإنه من الممكن أن نقول إن للقائد قدرة على صنع المناخ.

       إن المناخ القيادي هو الجو النفسي العصبي الذي ينشره القائد حوله أو في مكان عمله وتأثيره، وفي نطاق  المرؤوسين  أو " الأتباع" أو الكوادر أو الأشخاص  تحت قيادته، ويجعل  منه أساس  الالتفاف  حول آرائه أو فكرة  أو سياساته أو عمله ما يتفاعل مع حاجات  وأفكار  جمهوره.

       قد يكون المناخ القيادي ايجابياً ومحفزاً، وقد يكون أيضاً سلبياً ومحفزاً وفي جميع الأحوال هو مرتبط بأسلوب أو " نمط" القيادة من الديمقراطي إلى الاستبدادي إلى المتساهل لغيرها من الأساليب تلك المرتبطة بالنظريات المختلفة " راجع نظريات فدلر، عاشور، ريدن" وبناء عليه قد يكون المناخ المسيطر على فكر وأداء الأتباع هو مناخ التوتر الدائم والقلق، أو مناخ الخوف والرعب، أو مناخ التشكك والاتهامات، أو مناخ الحذر والريبة. وربما مناخ السرية والحيطة الدائم، وقد يكون مناخ الترصد للآخرين. وهذه المناخات رغم سلبياتها فإنها  قد تكون محفزة ،مؤثرة،وذات قوة خاصة متى  ما ارتبط  الموقع " القيادي" بالسلطة  السياسية أو الإدارية أو  المالية أو العشائرية  أو الأبوية  أو التنظيمية  أو العسكرية.

      وقد يكون  المناخ المشاع مناخ  محبة ومودة، أو مناخ طرافة وضحك، أو مناخ  تغلب  و تساهل ،أو مناخ احترام  انتماء وانضباط، أو مناخ صداقة وتقارب أو مناخ  احترام  وهيبة  أو غيرها من المناخات  الموصوفة  بالإيجابية.

      هناك ارتباط واضح بين شخصية القائد وبين أسلوب قيادته وبين شكل التنظيم (الهيكل التنظيمي) المتبع من قبله بعلاقته مع الأعضاء (المرؤوسين/الأنصار/الأتباع) وبين المناخ   الذي يشيعه، وبين  الأعضاء  ومدى تقبلهم.

      والشكل التنظيمي (الهيكلية) قد يأخذ نماذج عدة مثل : الهيكل  التنظيمي الهرمي ( وهو الهيكل البيروقراطي التقليدي المتسلسل من أعلى إلى أسفل بأدوار وواجبات ومسؤوليات وتراتب محترم)، وهيكل النجمة ( ذو المسافات المفتوحة والمعلومات المتاحة ) ، والهيكل الأفقي، وهيكل العجلة (الكل كأسلاك العجلة مرتبط لوحده بالقائد المستبد حيث الأحلاف والتكتلات والمنبوذين والمحظيين يحيطون به، يتكتلون ويتحاربون ومرجعهم القائد ورضا القائد فقط).

       في أحد الأقاليم (الإقليم يمثل فرع الحركة في دولة من الدول، وفي الوطن فرع الحركة في المحافظة التابعة لحركة "فتح" ) التي زرتها  لم يكن المسؤول الأول  موجوداً  إلا  أن  تأثيره كان قوياً ظهر في طريقة  تعامل الأعضاء تحت مسؤوليته، فكل واحد منهم يتهم الآخر بالضعف والقصور وكل منهم يشكك بكفاءة الآخر وقدراته ويحاول أن يظهر نفسه القادر  الوحيد والمتمكن الأشوس  وان كان جميعهم يرتبط بالقائد الأول ويعترف به إلا أن كل منهم  في واد خاص به يهيم. اقترب مني أحدهم وكنت قد أسميته " توم " ليشكو الآخر -وأسميته "جيري" تشبيها لهما بشخصيتي الرسوم المتحركة المتعاديتين دوما وهما القط والفار (توم وجيري)- واخذ يصب في أذني كلاماً جارحا بحق " جيري" في عمله وبيته وأدائه بعظائم الأمور وصغائرها، رغم زمالتهما لأكثر من عشرين عاماً. وأسوأ ما رآه في اللحظة أن يتصل به جيري دون غيره ليبلغه بهذا الاجتماع معهم.... حتى أفلتت الجلسة من يدي  وزميلي لأن الحضور وكانوا خمسة عشر انشغلوا في تأييد أو رفض أو فض الاشتباك بين توم وجيري وأيضاً ضمن عقلية  التشكيك والاتهام وإلقاء اللوم.

       وفي حالة أخرى كان التأثير القيادي أيضاً واضحاً بحيث أن مناخ الكادر كان مرتبطاً بالنظام واللوائح إلى حد أن كل أفعالهم اعتبروها شرعية فقط متى ما كانت نظامية أم لا. ولم يكن في ذلك عجب إذ علمنا أن المسؤول الأول " قائد= أمين الإقليم" كان من رجال القانون ومن الحركيين الملتزمين المعروفين،فكان أن سادت رؤيته أو شظايا روحه الملتزمة ليلتقطها الأعضاء بمحبة ومودة ارتبطت بشخصيته، ونوعية الكوادر أيضاً التي كانت في جلّها من المثقفين أو الراغبين في التعلم.

      أما مناخ الشدة والقسوة أو محاولة فرض الرأي والهيبة بالقوة فقد نراها بوضوح في النمط الاستبدادي من الشخصية أو في النمط الذي يصل موقعه مداورة وتسلقاً وهذا النوع من القادة" أي القائد نتيجة الموقع لا الكفاءة والقدرات" مضطر لإثبات ذاته استنادا لموقعه إما  بالرحابة وسعة الصدر وخدمة الأعضاء وتلبية احتياجاتهم أو بالأسلوب الأخر أو بشيء من الاثنين إن كان  قادر على تحقيق التوازن. وفي حالة أخرى في الوطن وفي أحد المواقع التنظيمية كانت الروح العشائرية (والمناخ العشائري) ذات سطوة بحيث أن المتكلم من عشيرة ما كان يتم تأييده على الحق والباطل داخل الاجتماع بغض النظر عن وجاهة الرأي الآخر القادم من العشيرة أو العائلة الأخرى في الموقع، ما جعل الاجتماع أو الأطر عامة غير فاعلة ولا تستجيب للتحديات إلا ضمن توافق عشائري.

      إن المناخ طاقة مغناطيسية كهربية تحيط بالشخص ضمن الجماعة ،وتحيط بالجماعة، فلقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يتكلم والصحابة من حوله كأن على رؤوسهم الطير-على سبيل المثال، والمناخ هالة أو حزام تحسه وتسمعه وتشمه وتراه في عبارات وجمل وطريقة كلام الأعضاء، تراه في عيونهم وانبساط أو انقباض وجوههم، في حضور القائد أو غيابه، وتراه في تعبيرات أيديهم كما تراه في تقاريرهم أو شكل اجتماعاتهم كما تراه بنسبة التزامهم ونسبة تآلفهم ونسبة أداءهم لأعمالهم. إن المناخ رعود وأمطار وقد يكون سحابة مارة أو غيم ثقيل، وقد يكون سماء صافية وعصافير تغرد. وفي جميع الحالات كان نفس وحضور وروح ومناخ الرجل الأول غالب وظاهر ويلقي بعباءته على الجمع

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر