القيادة في المعتقلات
القيادة في المعتقلات
خاض المناضلون الفلسطينيون صراعاً طويلاً ومعاناة بلا حد،ونفذوا عددا من الإضرابات طوّروا فيها من احتياجاتهم ومن تحسين لظروف الحد الأدنى لمعيشتهم وذلك في المعتقلات الإسرائيلية
فاستطاعوا الحصول على حقوق أفضل في الأكل والحركة والدراسة والإطلالة على المحيط الخارجي، والاتصالات في إدارة شؤونهم بأنفسهم وبناء تراتب هيكلي هرمي في الزنازين وخيم الاعتقال والمعتقلات عامة.
ورغم أن مجمل المكتسبات ما هي إلا ظروف الحد الأدنى كما أسلفنا ألا أن ميزات عدة في المعتقلين وقياداتهم استطاعت أن تحققها رغم الألم والخوف والتعذيب والإرهاب والبطش وهذه الميزات هي:
1. صلابة المعتقلين: وعدم انحنائهم وتوارثهم لقيم الثبات والوقوف في وجه السجان بأنفة وشموخ، وإصرارهم على مطالبهم ذات الطابع الإنساني البحت.
2. وحدة إرادة المعتقلين: حيث لم يتركوا للانتماءات التنظيمية المتعددة في السجون أن تفتح عليهم باب الخلافات العميقة إلى حد الاشتباك والاقتتال، أو التناقض والتناحر والتباعد، رغم مرورهم بفترات صراعات تنظيمية أخذت طابع الفكر وآليات العمل وأحياناً الاشتباكات المحدودة، ولم يتركوا لقسوة المعتقل أن تهد من عزيمتهم أو توهن إرادتهم المشتركة.
3. وضوح الهدف: كان المعتقلون- ومازالوا – يمثلون ضمير الحركة الوطنية وقلبها النابض، كما مثلوا" ميزان الحرارة" ومقياس التطور أو التقدم، التقارب أو التباعد في المواقف بين أقطاب وتيارات الثورة في أحلك الظروف التي مرت فيها المسيرة مثل حصار بيروت (عام 1982) والانشقاق في حركة فتح (1983عام)، ومرحلة أسلو(عام 1993)، وهكذا. فظل الهدف ممثلا بالتحرير والعودة والدولة غاية كبرى، ومثلت مطالبهم في الصراع مع إدارة السجون عامل تجمع وعامل توحد ونسيج رابط للغالبية العظمى إن لم يكن الجميع في المراحل المتعددة من مسيرة المعتقلين.
4. الالتزام: لا يستطيع أن ينمو الحس الوطني ويتطور ثقافة وتطبيقاً الا متى وقع الإيمان بالفكرة إلى حد إمكانية التضحية بالجهد والوقت و" المال " والنفس في واقع التزام يأخذ بالاعتبار:
• الانضباط لأوامر القيادة في المعتقل وفي الخارج.
• التعبير الموحد عن المواقف استنادا لخطاب جامع وبرنامج سياسي وخطة عمل مشتركة.
• هرمية أو تراتبية معترف بها حيث اللجنة المركزية للمعتقلات (وهي قيادة المعتقلات) وأطر الفعل التي ماثلت الأطر الحركية خارج المعتقلات.
• الاحترام المتبادل، واحترام الأغلبية لرأي الأقلية واحترام المخالفين ما جعل التعددية الفكرية مثالا يحتذى.
• تطبيق قانون صارم للعقوبات خاصة مع أولئك الذين خرجوا عن الصف الوطني، أو ادخلوا للسجون من قبل الإسرائيليين لغرض تحطيم القواعد والكوادر أو تدمير التنظيم.
5. الهدوء النفسي: حيث البناء المتماسك -إلى حد معقول- للشخصية وعناصرها من التفاعل والصبر والتواصل والتنمية للقدرات والتغلب على التوترات والقلق والاحباطات بالعمل والتنفيس الفردي والجماعي وبالبناء الروحي.
وكانت مثل هذه المميزات في المعتقلين عامة بالطبع مع تفاوت درجاتها من شخص إلى أخر ومن تنظيم إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى، حيث كانت الحالات المرضية أو الأخلاقية أو الخارجة عن الصف الوطني استثناء يشار له، وحيث كانت الوحدة والالتزام والتكامل تظهر بحدها الأعلى حين يحتدم الصراع أو وقتما تتخذ قيادات المعتقلات قرارات حازمة، أو حينما يكون الإضراب حلا لازما وضرورياً.
لقد شكلت المعتقلات بالفعل" مدارس ثورية" أتاحت الفرصة لمن يرغب أو يلتزم ببناء الجسد والنفس والفكر والروح عبر سلسلة متصلة من الدورات الفكرية والسياسية والتثقيفية واللغوية والرياضية ، وأغنت فترات الوجود القسري في أبشع المعتقلات وبين أيدي جلادي القرن العشرين والواحد والعشرين.
لقد كان للمعتقلين والمعتقلات بالطبع دوراً لا يضاهيه دور، ففي مقابل كتل الصبر التي كانوا يستمطرونها على أرواحهم تجاه التعذيب والإرهاب فأنهم طوروا تجربة غنية وصنعوا قيادة حفزت وحثت وشغّلت الكوادر وانتجت منها رجالاً شجعاناً ونفوساً عالية قهرت اليأس وتعاملت مع البعد والفقد والغياب والذكريات والأهل بشفافية وتأمل، بوعي وإدراك ذاتي يعالج ويرطب ويخفف ويجعل من الأيام الطويلة مساحة لإنشاء العنفوان ورسم المستقبل.
استطاعت المعتقلات أن تنتج شخصيات نضالية بالميزان الذي ذكرناه " منضبطة، تحترم نفسها والآخر، صارمة، ذات إرادة وقيادة موحدة، تمتلك أهدافا واضحة، تتمتع بالهدوء النفسي". وأنتجت أيضاً مجموعة من القيادات التي بزت الكثير من القيادات الوطنية في الخارج وتفوقت عليها، حيث نرى اليوم الكثير من المواقع المتقدمة -في التنظيمات الفلسطينية وعلى رأسها حركة (فتح) وفي أطر السلطة الوطنية- يشغلها قيادات المعتقلات ومفكريها ورجالها الأشداء.
ومما استفدنا من المعتقل السابق والقائد محمد روحي (أبوسلاح) نقول على لسانه: لقد دأبت قيادة حركة (فتح) عبر معظم مراحلها أن تطير أجمل تعبيرات الحفاوة والتبجيل، لتوصيف دور الأسرى التاريخي في رفد صفوف الثورة الفلسطينية بكوادر متماسكة مهيأة تتوثب للانخراط الفوري في العمل السري. فكانت هذه القيادة ممثلة بالرئيس الرمز ومازالت تعتبر معتقلات الاحتلال الإسرائيلي بمثابة (قواعد متقدمة في قلب العدو وأسرانا خلايا ثورية مبثوثة خلف خطوط النار). أو هم (الأسرى) على الأقل. هكذا كانوا ومازالوا يعتبرون دورهم ويؤمنون به ويصرون عليه حتى لو أنكر عليهم هذا الدور من البعض وقزم، ومن باب العتب والغضب على قيادتهم خارج المعتقلات في بعض المحطات النضالية أطلق الأسرى على أنفسهم نعت (المنسيين) وللأمانة والتاريخ فالأسرى رغم رسائل العتاب الأبوية عبر السنين الطوال يعرفون ويدركون أن قائد الثورة الأخ أبوعمار يكاد أن يكون الوحيد الذي ما تبدل ولا تغير نحوهم، أما آخرين بعينهم (فلغبائهم الثوري) اعتبروا الأسرى كما مهملا لا حول له ولا قوة وأثبتت لهم المواقف والأيام عكس ذلك.
وإضافة للميزات الآنفة الذكر فالأسرى والمعتقلين:
6- لم يعتقدوا أنهم عالة وعبئا ثقيلا على الثورة علما أن ثمة من ضاق بهم ذرعا وعدّهم كذلك كونهم المنتجون بامتياز، إذ ضخوا لتنظيماتهم أجيالا من الشباب المؤمن الصلب والقيادات رغم الاستخفاف بهم والتنكر لهم وتناسيهم.
7- سقوفهم الوطنية ما كانت واطئة في يوم من الأيام، فديدنهم على الدوام حث قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على رفع السقف السياسي.
8- دشنوا في معتقلاتهم مجتمعا ثوريا مثاليا أغاظ العدو ووصفه مرارا بدولة داخل الدولة، وإن تآكل هذا المجتمع بفعل وتأثير الهزات السياسية إياها.
9-بعد حالات الجزر المعروفة التي مرت بها ثورتنا فرّخوا الخلايا التنظيمية خارج الأسوار وبلغ الأمر أن تغلغلوا-وكانوا القيادات- بين صفوف الطلبة والعمال وفي الجامعات والمعاهد والمدارس والنقابات والاتحادات المختلفة، فشكلوا الأطر، ونظموا وسيروا الصدامات والمظاهرات العارمة وفق خطط وبرامج كتبت داخل الأسوار، خاصة تلك الهبات الجماهيرية اللاهبة المتلاحقة التي انطلقت في أرضنا المحتلة بعد الخروج للثورة من بيروت وظلت متقدة حتى اتفاقية أوسلو.
10- والأسرى –وبدعم وتوجيه القيادة التي على رأسها خليل الوزير(أبوجهاد) (1935-1988)- هم الذين فجروا الانتفاضة المجيدة الأولى، فكوادرها وقيادتها الوطنية هم خريجو سجون.
ونضيف لنخلص القول أنه: أضحت تجربة المعتقلات بيئة ثرية لصنع الرجال، وبيئة ثرية لصنع القيادات من منظور اكتساب سمات الشجاعة والصلابة والثبات والصراع والتفاوض والسياسة والتحدي من جهة، والتفهم والتقبل والمرونة والتعلم والتثقف والتنظير والتنظيم والاستقطاب والبناء الذاتي من جهة أخرى.