حركة حماس : المواجهة والبحث عن السلطة 2


حركة حماس : المواجهة والبحث عن السلطة 2

إن تصريحات السيد الزهار والتي كانت فاتحة الغضب، والزيت الذي صب على النار ومدخل الاشتباك الداخلي لم تلق القبول حتى من قادة حماس (المعتدلين) وعلى رأسهم حسن يوسف -كما أسلفنا وكما سنفصل لاحقا- الذي قال ردا على الزهار (انه لا أحد يستطيع نزع الثقة من الرئيس أبو مازن فهو رئيس منتخب من الشعب الفلسطيني) وموجها كلامه للزهار بالضرورة انه (على الجميع احترام هذا الاختيار) – الوكالات 7/7/2005 – واضاف محاولاَ حفظ ماء وجه الزهار قائلا (إن الانسان قد لا يوفق في بعض التصريحات التي تحمل أكثر من معنى وتفسر خطأ، لذلك لا يجوز ان نحمل الموضوع اكثر من ذلك لان الجميع لديهم ثقة بالرئيس أبو مازن).

          اذن قد لا يكون الطالب أحمد أبو خليل ولا (الصواريخ) المتعددة الموديلات السبب الرئيسي فيما واجهته الساحة الفلسطينية من اشتباكات، وقد لا يكون فقط لتصريحات الزهار السبب الرئيسي في ذلك، وقد لا يكون فقط للنخر الإسرائيلي في العظم الفلسطيني السبب!!

        ربما يكون هناك اسباب أخرى مرتبطة باقتران الايديولوجية بالسياسة وصعوبة مطابقة الثابت مع المتغير وصعوبة طرح برنامج سياسي والبندقية تلمع في ضوء الشمس، وربما لكثير من الخلافات الداخلية التي قد تطفو في (حماس) على السطح حال استراحة البندقية وانخراط الفدائي في لعبة السلطة؟!

 الانخراط في لعبة السلطة

          اعلن د. محمد غزال القيادي في حركة حماس خلال مؤتمر صحفي عقد في نابلس بتاريخ 12/3/2005 ومن خلال بيان صدر عنها: ان حماس حسمت أمرها وقررت المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، ولم تمض بضع ايام لتعلن في 28/3/2005 انها اتخذت قرارا آخر بالدخول إلى منظمة التحرير الفلسطينية وذلك اثر لقاء مع الرئيس محمود عباس. وقال غزال ان قرار المشاركة جاء بعد مداولات ومشاورات مستفيضة شملت مؤسسات الحركة وهيئاتها القيادية في الداخل والخارج وأكد ان هذا القرار يأتي لتعزيز (نهج الحركة في خدمة الشعب الفلسطيني في كل المجالات والميادين ورعاية شؤونة ومصالحه... وتحقيق الاصلاح الوطني الشامل والحقيقي... ومعالجة كل جوانب الفساد...) ونفى غزال ان يكون لتزامن اعلانهم عن المشاركة السياسية علاقة بإعلان القاهرة او علاقة بخلافات حركة (فتح).

          وحول اتفاقات أوسلو أفاد ان انتفاضة الأقصى قضت على كل ما تبقى من أوسلو، وفي الحقيقة-برأينا- لتدخل حماس تحت مظلة سياسية اكثر انخفاضا أي عبر خارطة الطريق ذات السقف الأوطأ من اتفاقات أوسلو مهما كانت التبريرات، ولتكون المشاركة السياسية لحركة حماس ممثلة لنقلة جدية في فكر حماس كما قال عضو المجلس التشريعي عماد الفالوجي والقيادي السابق في حماس، ولتحقق استفادة عظمى من علاقاتها (المميزة مع جميع الفصائل بما في ذلك حركة فتح خلال سنوات الانتفاضة...) كما قال المحاضر الجامعي باسم الزبيدي والذي نتفق معه: في أن حماس نعم استتفادت من حركة (فتح) حتى في أسلوبها ومساوئها وثغراتها فهامت على وجهها تقلد هذه المثالب حتى أصبح التمييز بين مواقف التنظيمات في الحركة السياسية أمرا صعبا.

          فهل كان الطالب أحمد أبوخليل او وجبات الصواريخ المنطلقة لتصيب المدنيين الفلسطينيين (قتل منهم 8) أو لتصريحات د. الزهار النارية وغيره من قادة حماس السبب الرئيسي في اشتعال الساحة الفلسطينية والاصطفاف واستعراض القوى؟؟ ام ان لقرار حركة حماس خوض غمار العملية السياسية ان تفهم الصراع على السلطة فهما (تناطحيا) وليس فهما (تآزريا) فتقوم بافتعال الاشكالات ومختلف المصادمات والفتن بهدف إظهار ضعف السلطة ثم السيطرة على القطاع عسكريا وأمنيا . وسياسيا في شن الحملات المتتالية على رموز السلطة وحركة (فتح) .

      لقد كشفت حماس أسماء قادتها العسكريين وأعلنت عن تطوير سلاح المقاومة لديها وزفت للجماهير بشرى تشكيل جناح مسلح للنساء ؟؟ ووعد الزهار بتدريب الناس حتى يحرروا فلسطين من البحر إلى النهر.... وقالت ان سلاحها يمثل شرف المقاومة (فحماس لن ترفع سلاحا في وجه فلسطيني، ولن تنازع السلطة الفلسطينية على السلطة – موسى أبو مرزوق في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 19/8/2005) ما كذبته الأيام والحوادث حيث انطلقت الاستعراضات الصاخبة وتواصل الظهور العلني للسلاح غير المنضبط ، ولم يتوقف اطلاق الرصاص المتعمد ضد رجال الشرطة والأمن وضد كتائب شهداء الاقصى وضد كل من يقاوم المظاهر الاستعراضية لحماس...... لتذهب كلمات موسى أبو مرزوق وزملاءه أدراج الرياح. فالصراع على السلطة يحتاج إلى سلاح على ما يبدو؟؟والديمقراطية ستمارس ضمن الحديد والنار . انها السلطة اذن وانه الصراع الحقيقي الذي فتح فوهة البركان... ولننظر بالتفصيل لبعض ممارسات وسلوكيات ومواقف حركة حماس لنكون اكثر دقة قدر الإمكان واكثر اقترابا من الموضوع.

مبادئ العمل السياسي لحماس

      سنتعرض لعدد من القيم او المبادئ التي ظهرت جلية في سلوك ومواقف حركة (حماس) والتي قد تصف قرارا قياديا او تيارا في الحركة او تمثل هجمة كلية من قيادة او كوادر الحركة فلنرى.

أولا: في المصداقية

          راهنت حركة حماس نتيجة ارتباطها بالبعد الايديولوجي الإسلامي على أنها تمثل المصداقية الاسلامية ثم الوطنية وبالتالي السياسية، ولان الاسلام دين شمولي فإن الحركة حاولت استخدام الدين في إضفاء قداسة غير صحيحة ولو بالايحاء على أطرها وأشخاصها وقراراتها وسياساتها الا ان كل هذه الاستخدامات لا تثبت امكانية الاستغلال المبرمج في اضفاء المصداقية، فالكل الجماهيري مسلم والكل مؤمن والفلسطينيون بإجمالهم محافظون لذا لا يمكن اقتسام ايمان الفلسطينيين بين مؤمنين هم فقط في حماس، وغير مؤمنين من الأغيار؟! حيث ان هنالك الجهاد الاسلامي وحزب التحرير وحزب الدعوة والسلفيين وحزب الخلاص... الخ من الاحزاب التي تضع لفظة (اسلام) في اسمها أو دستورها، وهناك التنظيمات الاخرى، وعامة الناس من هم باجمالهم مؤمنون سواء سواء.

          اما المصداقية السياسية في حركة حماس فقد ضعفت كقيمة سياسية كثيرا خاصة بعد حادثة تفجير الشجاعية... التي ثبت نسبتها لحركة (حماس) ثم بعد حادثة جباليا... التي لم تصمد فيها رواية حماس أمام أدلة المدعي العام العسكري، فالشريحة الالكترونية التي عرضها القيادي في حماس نزار ريان في التلفزيون ليدلل على انها من صاروخ إسرائيلي قصف استعراض حماس العسكري المدجج بالسلاح، هي شريحة الكترونية توجد في مختلف الأجهزة ومنها الهاتف الخلوي على سبيل المثال.

          يضاف لذلك بيان لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والاسلامية والتي تضم الجهاد الاسلامي والتي أدانت (في 7/10/2005) حركة حماس وحملتها المسؤولية (عن الاحداث المؤسفة الاخيرة-على حد قول البيان) التي وقعت في مدينة غزة بين الشرطة وعناصر من حركة حماس وخاصة يوم الاحد الدامي في 2/10/2005 والذي راح ضحيته ثلاثة شهداء بيد حماس.

          ان التطبيق العملي أفقد حركة حماس مصداقيتها السياسية الميدانية فبيان لجنة المتابعة العليا الذي أكد على الالتزام بعدم حمل السلاح والكف عن الاستعراضات وان السلطة الوطنية هي الوحيدة المسموح لكوادرها بحمل السلاح والذي وافقت عليه حماس سرعان ما نقضته خاصة في الحادثة التي ظهر فيها محمد الرنتيسي ابن الشيخ الشهيد عبد العزيز ممتشقا سلاحه ومجموعة من المرافقين ليبدأ الاستعراض القتالي في يوم الأحد الدامي.

          وفي اطار فقدان المصداقية السياسية كانت حماس قد أعلنت مرارا وتكرارا ومنها في 21/8/2005 (احترام وقف النار حتى نهاية العام استجابة لطلب الرئيس محمود عباس الذي يريد ضمان الهدوء لانسحاب المستوطنين من غزة، المقرر ان ينتهي الاسبوع القادم) كما أعلن ملثم من حماس في مؤتمر صحفي في غزة، وهو ما لم يطبق؟! حيث استمر اطلاق القذائف  المسماة (صواريخ) الاستعراضية، واستمرت مواكب الثوار الممتشقين للسلاح ، هذا السلاح الذي استخدم ضد الفلسطينيين وضد الأمن الفلسطيني... بكل وضوح ما يكذب ادعاءات حماس( انها لا تعتزم الاشتباك مع قوات الامن الفلسطينية) على حد قولها.

          وفي مقابل ضعف المصداقية السياسية الميدانية فان المصداقية السياسية الإعلامية قد أصابها العطب الشديد أيضا فمن شعارات تحرير الضفة عبر غزة وان فلسطين ستحررها حماس من البحر إلى النهر إلى التراجع الكبير باعلانها الواضح بانها لن تستخدم السلاح من غزة مطلقا!!  ثم إلى إعلان د. محمد غزال (22/8/2005 - رويترز) ان (الحركة قد تعدل يوما ما ميثاقها) الذي تدعو فيها إلى تدمير إسرائيل وتجري مفاوضات مع الكيان الصهيوني، وحيث قال بالحرف (هذا الميثاق ليس قرآنا) وقال ان أي محادثات بين حماس (لاحظ وليس السلطة الرسمية!!) واسرائيل لا تزال تعتمد على انسحابها من الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية للسماح باقامة دولة مستقلة وأضاف (انه على الاسرائيلين ان يصلوا إلى تلك المرحلة التي يشعرون فيها بأنه لا بد من التفاوض معنا، وعندما يأتي هذا الوقت لا أظن انه ستكون هناك مشكلة بالتفاوض مع الإسرائيليين)؟؟؟.

          ولما ثارت ثائرة القاعدة في حركة (حماس) نفى د. غزال انه قال ما ذكرته وكالة رويترز التي سارعت لتأكيد تصريحاته وانها تحتفظ بأشرطة رسمية توثق ذلك.

ثانيا: التعامل مع الضغوط

      لا شك بان حركة (حماس) تعاملت مع الضغوط بمنطق براغماتية حركة فتح ، فقدرت الموقف وتعاطت مع الأحداث، وغيرت من مواقفها ما مثل استجابة واقعية للضغوط الداخلية والعربية والاجنبية، فلم تعد حركة حماس تنظيما عقائديا مغلقا وإنما تنظيما -او حزبا- سياسيا يؤثر ويتأثر، ويستجيب للضغوط ، فحماس الموضوعة على لائحة الارهاب العالمي ولتتخلص من هذه التهمة وافقت على وقف النار أو ما سمي بالتهدئة ثم اتبعت ذلك بسلسلة متصلة من التنازلات التي دللت على قدرة هائلة بالتخلي عما كان ثوابت فانضمت للعبة السياسية وغازلت منظمة التحرير الفلسطينية وحتى امكانية الدخول في الحكومة، بالإضافة الى إمكانية تغيير ميثاقها.

          ان حماس (كما يقول الكاتب صالح القلاب في الشرق الاوسط 18/8/2005) ليست زاهدة في الحكم كما تقول – قال الزهار في اعلان قبول دخولهم الانتخابات التشريعية انه اذا دخلنا التشريعي فلن ندخله من أجل السيارات او المرتبات بل من أجل ان نؤسس لحكومة تحارب الفساد- مضيفا أي القلاب عن حماس (بالتأكيد تعرف انها ان لم تغتنم هبوب الرياح الحالية فانها ستبقى تقضم أطراف أصابع يدها ندما وحسرة) وهي الحركة التي أوجدها تنظيم الاخوان المسلمين (لتكون بديلا لمنظمة التحرير، ولتحل محلها في المفاوضات المستقبلية ولتأخذ دورها في العملية السلمية-كما تابع القلاب) وبالتالي يضيف القلاب (لم تعد حركة حماس متمسكة بالتحرير من البحر إلى النهر كما قدمت نفسها للشعب الفلسطيني وللعرب وللعالم...). ومضيفا ان ما قامت به من عسكرة الانتفاضة – رغم ان فتح كان من بدأ وواصل العمل العسكري في الانتفاضة – كان (بهدف اقناع الإسرائيليين والامريكيين ان قرار الحرب والسلام بيدها وانها أقدر من حركة فتح ومنظمة التحرير على الوفاء بكل ما تتعهد به) وقد اعترف الاسرائيليون لحماس بأنها تلتزم بالهدنة او التهدئة وتسيطرعلى أعضائها كما أضاف القلاب، وما يثبته كلام د. غزال الواقعي جدا الذي يعترف باسرائيل والتفاوض معها، وهذا مما لا يعيب حماس-أو غيرها- لانها حركة تسعى للسلطة وللسلطة تكاليفها وبرامجها وسياساتها .

ثالثا: سلطة خارج السلطة

          قال د. محمود الزهار بصيغة تحريضية اشتهر بها انه لن يسمح بسرقة الانجازات ومنها (انجازات حركة حماس و تضحيات ابنائها وقادتها من أجل ان تتحرر هذه الأرض لتتوزع على هذا وذاك – الوكالات 5/7/2005) وقال : (ان السلطة التي تتهم نفسها ليل نهار بالفساد لا يمكن ان تطرح برنامج اصلاح في موضوع المستوطنات التي ستتم ازاحة الاحتلال عنها) وأضاف مقررا (ان حماس ستحتفظ بسلاحها وانها ستقوم بالدفاع عن أي شبر في الوطن في حال أي هجمات اسرائيلية) مؤكدا ان غزة والضفة والقدس وحدة جغرافية واحدة وان حماس لن تسكت – ولكنها سكتت بعد ذلك!! – في غزة اذا تم الهجوم على الضفة على حد قوله. وكرر مهددا انه لن يسمح بنزع سلاحه ولن يدخل احد السجن بناء على رغبة السلطة او استجابة للضغوط الإسرائيلية الامريكية.

          ماذا يعني كل هذا وغيره من التصريحات النارية ومن الأفعال على الأرض الا تكريس سلطة واقعية على الأرض مناهضة للسلطة الرسمية، بل وتتحداها بالسلاح وبكل قوة. وماذا يعني هذا غير ان المشروع السياسي لحركة حماس لدخول السلطة هو مشروع تصادمي لا يقبل الوسطية او التفاوض – على الاقل من طرف واحد متشدد فيها – وانها كما يقول الكاتب ماجد كيالي (مصرّة على العمل من خارج النظام الفلسطيني الأمر الذي يضعف مساعيها للتحكم في إدارته).

رابعا : شيء من التملص شيء من التخبط

          لقد شككت حركة (حماس) بأمكانية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة واعتبرت ان القطاع لم يتحرر ولكن المفارقة – كما يقول الكاتب ماجد كيالي – تمثلت انها عملت وبشكل أحادي منفرد على تنظيم المظاهر الاحتفالية الضخمة بتحرير غزة!؟ ولم تكتف بهذا بل ان مظاهر الاحتفال بالنصر! لم تقتصر على المهرجانات والخطابات وإنما شملت عرضا عسكريا صاخبا حصل فيه مقتل 23 شخصا في جباليا اثر انفجارات في صواريخ تحملها عربة حصل لها تصادم ما أثبتته الدلائل والشهود والمدعي العام وأنكرته حماس؟! وكأنها تريد ان تعلن-باستعراضاتها المسلحة الصاخبة- للعالم (ان الشعب الفلسطيني يمتلك جيشا وعتادا مكافئا لاسرائيل، رغم ان الفلسطينيين يجهدون لشرح معاناتهم تحت الاحتلال).

       وكان التملص وتخبط الحركة ان ظهر في تصريحات قادتها حول اتفاق القاهرة ففي حين – على سبيل المثال – أعلن الشيخ سعيد صيام (الوكالات 19/7/2005 ) ان حماس ملتزمة باتفاق القاهرة قرر ان من حق الحركة الرد -منفردة ودون الرجوع لفصائل المقاومة الاخرى- على أي عدوان، بل وتجاوز ذلك بالقول ان الاتفاق ذاته يضمن لها الرد على الاعتداءات الإسرائيلية دون اجراء مشاورات مسبقة بمعنى عدم الالتزام لا بالسلطة ولا بأي مرجعية وطنية ما يعني بوضوح محاولة للتملص من الاتفاق، وتخبطا بين تيارات الحركة او آرائها التي أدت بعد حادثة جباليا والقصف الإسرائيلي إلى اعلان حركة حماس وقف اطلاق النار نهائيا من قطاع غزة... على عكس ما أكده قادة حماس ومنهم مشير المصري (26/4/2005) من ان (أيدينا ستبقى على الزناد حتى زوال الاحتلال) من كل فلسطين.... الا اذا عنى ذلك توجيه السلاح لغير الإسرائيليين.

خامسا: وماذا عن المظاهر الاستعراضية!

      رغم التعبئة المتصلة والاتفاقات الوطنية على ان يتم الاحتفال باندحار الاحتلال من غزة تحت راية واحدة وبشكل موحد الا ان (حماس) كانت أول من نقض ذلك، رغم موافقتها وكافة التنظيمات على الراية والوحدة، ثم تبعتها التنظيمات الاخرى.

      لم يكن من السهل على تنظيم سياسي مثل حركة (حماس) قرر خوض غمار المعركة السياسية عبر انتخابات التشريعي ان يجعل فرصة زوال الاحتلال عن غزة تفوته، لذلك فلقد جيّش الناس وعناصره بطريقة استعراضية – تشبه استعراضية قذائف القسام – وانطلقوا للاحتفال في ابراز واضح للقوة العسكرية والقوة الشعبية في مقابل السلطة ومقابل كافة التنظيمات الاخرى وعلى رأسها حركة (فتح). لقد ظهرت الاستعراضية السياسية لدى حماس بأشكال عدة سنحددها بالتالي:

1-     اطلاق القذائف على (إسرائيل).

2-     المسيرات المسلحة وتحت علم غير علم فلسطين.

3-     الكشف عن أسماء وتفاصيل عمل القيادات العسكرية.

4-     افتعال الاشتباكات مع حركة (فتح) ومع قوى الأمن الفلسطينية.

      وسنترك النقطة الرابعة حيث سيرد فيها بند منفصل ونتعرض للثلاث الأول. لقد اعتبر الرئيس محمود عباس ان اطلاق القذائف (الصواريخ) من غزة (يسيء إلى القضية الفلسطينية، وليست وسيلة للهجوم ولا للدفاع لان لا تأثير لها، وأكثر من 90% من هذه الصواريخ تسقط في الأراضي الفلسطينية – الوكالات 19/7/2005) أضف إلى ذلك ان استعراضية اطلاق الصواريخ (يستحق احتفالا من اليمين الإسرائيلي، حيث أن شارون يبحث عن مبررات لاستمرار قمع الفلسطينيين وتحويل حياتهم إلى جحيم، وحركة حماس تقدم له هذه المبررات، بل تقدم قطاع غزة وسكانه المدنيين على طبق من ذهب لشارون – احمد الربعي، جريدة الشرق الاوسط 25/9/2005) مضيفا (هذه الاستعراضات العسكرية في غزة ما هي مبرراتها؟ ولماذا بدل أن يفرح الفلسطينيون بالانسحاب الإسرائيلي ويعيدون زراعة أشجارهم المقلوعة وتنظيف شوارعهم ومدارسهم وبناء مؤسساتهم المدنية، يقومون باستعراضات عسكرية كان آخر ضحاياها أكثر من عشرين روحا بريئة، وأكثر من مئة جريح فقط من أجل ان تقول حماس "نحن هنا" ومن أجل تنافس سياسي لا يستحق هذه التضحية الكبيرة بالارواح).

      و تساءل الكاتب د. احمد الربعي (إلى متى هذه الصواريخ البدائية التي تطلق على إسرائيل فلا تحدث سوى أصوات انفجار...) مضيفا هل (ان المصلحة الحزبية أصبحت أكبر من المصلحة الوطنية، وان الروح اللامسؤولة تغلبت على العقل والمنطق)؟!. وتساءل الكثيرون معه عن جدوى قذائف كانت نتيجتها التالي:

1- مقتل 8 مواطنين جراء سقوطها على منازلهم او محاولتهم اطلاقها.

2- جرح 7 وتدمير 5 منازل بالكامل.

      وذلك حسب تقرير لوزارة الداخلية أوردته الوكالات في 16/7/2005. وادت-وماتزال- لقصف متواصل للطائرات الإسرائيلية للأحياء الفلسطينية، بعد مأساة جباليا واطلاق الصواريخ من حماس للتغطية على حقيقة المأساة. وهو الاسلوب الاستعراضي الذي لم ينطلِ على أحد، والذي أجبر حماس بعده على اعلانها وقف اطلاق الصواريخ نهائيا من القطاع، ولتتخلى عن كل تصريحاتها بتحرير الضفة عبر غزة او بالرد من غزة على أي اعتداء يحصل في الضفة!!

          أماعن النقطة المتعلقة بالكشف عن القيادات العسكرية لحركة حماس وهي عملية استعراضية ميدانية أخرى، في سابقة تعد الأولى من نوعها حيث، وزعت حماس اكثر من ربع مليون نسخة؟؟! من النشرة التي أوردت فيها اسماء (مجلسها العسكري) تحت عنوان (فجر الانتصار)! مع تفاصيل عن عمليات الكتائب والمسؤولين عن تنفيذها. فلقد شكلت مفاجأة حتى لكاتب يمني معروف وهو د. عبد العزيز  المقالح الذي قال : (فوجئت كما لا بد ان يكون كثيرون مثلي قد فوجئوا – بالحديث عن توزيع شريط فيديو يروى الكثير من المعلومات عن صانع صواريخ القسام وما يضاعف من قسوة المفاجأة ان حركة حماس الفلسطينية هي التي تقوم بتوزيع هذا الشريط او انها هي التي سمحت بذلك لأسباب يراها البعض – وأنا واحد منهم – غير ذات معنى....) مضيفا (ايا كان السبب فإن الوقت – من وجهة نظر كثير من المتعاطفين مع الحركة والمؤيدين للقضية – لم يحن بعد للاحتفال المبالغ فيه بخروج الاحتلال...) انها استعراضية فاقت الحد وفاجأت حتى المتعاطفين مع القضية وحماس وكما ذكر د. عبد العزيز المقالح في مقالة في صحيفة الخليج الاماراتية في 30/9/2005.

          اما عن الاستعراضات العسكرية فحدث ولا حرج حيث الأعلام غير الفلسطينية ترفرف والميكروفونات تصدح والعربات المسلحة تسير والملثمون (يتدحدلون) والأسلحة  في كل مكان بينما تمتليء الشوارع بالقاذورات التي خلفتها الاستعراضات وينقض الناس على ما تبقى من المستوطنات في مشهد معيب حيث لم يبقوا على شيء –من الاشيء بعد الهدم- الا وانتزعوه وسرقوه ، ولحسن حظنا ان الإسرائيلين هدموا بيوتهم بأيديهم والا ظهرنا على شاشات القنوات الفضائحية كشعب من اللصوص فقط. ما يلقى باللوم الشديد على كافة التنظيمات السياسية وعلى حركة حماس من بينها التي استبدلت عمليات توعية الشعب وتعبئتة وحثه على المسلك الحضاري باستعراضات خاوية لا ينفع معها ان يخرج 200 ألف   متظاهر ليصلّوا في مكان مستوطنة او أخرى تاركين وراءهم القيم الإسلامية والوطنية الحقيقية.

      ان الإستعراضية الطاغية في الإعلام وفي السياسة وفي الميدان مسلك الضعفاء، او مسلك الساعين لإثبات الذات دون سند حقيقي أو دون قدرة على تعبئة الناس ومخاطبة عقولهم لأنه من الصعب عليك ان تقنع شخصا فكرة لفكرة، لكن من السهل ان تؤثر عليه بالصراخ والشجن والبكاء والعاطفة وبالصورة. والصورة أصبحت مدخل السياسي كما هي مدخل رجل الإعلان لترويج بضاعته، واستبدلت بذلك الأصول الدعوية او التبشيرية او الاستقطابية (بالنطنطة والطنطنة والشقلبة) وهدير الحناجر والقذائف والعربات المدرعة.

    يتبع

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر