حركة حماس : المواجهة والبحث عن السلطة 1
حركة حماس : المواجهة والبحث عن السلطة 1
من أين ننطلق في تحليل المواجهات التي حصلت بين حركة حماس وبين السلطة الوطنية الفلسطينية بأجهزتها الأمنية؟ ومن أين كانت البداية في سلسلة المواجهات التي حصلت بين حركة حماس وحركة فتح؟ والتي أسست أو أظهرت سلوكا عاما يتسم بالتردد والتذبذب والتراجع والتقدم، رغبات ودعوات صادقة مقابل أفعال مناقضة وتحريض مخالف ، و ما قد يكون يشير بقوة لخلافات متفجرة على السطح أو تحت السطح في التنظيمات الفلسطينية والسلطة وفي حركة حماس ، بين تيارات أبرزها تيارين أحدهما تصعيدي متشدد، وآخر واقعي معتدل يتفهم المرحلية وينظّر لها داخل هذا التنظيم أو المؤسسة أو ذاك، ومنه في حركة حماس... من أين كانت البداية في المواجهة أو المواجهات؟ وكيف هو الأمر على حقيقته؟! وماذا يمكن ان نستنتج في السلوك والمواقف والسياسات والنتائج؟ لحركة حماس تحديدا وتخصيصا في ورقتنا هذه التي نحاول فيها الإطلال على ما نعتقده يقدم مساهمة متواضعة في دفع المسيرة وتحقيق الفهم والرؤية والمصلحة الوطنية.
هل البداية من عملية نتانيا؟
قتل ثلاثة اشخاص واستشهادي وجرح حوالي 40 آخرين في عملية تفجيرية نفذها فلسطيني يوم 12/7/2005 في مركز تجاري في منتجع نتانيا قرب تل أبيب – حسب وكالات الأنباء – وتبنت حركة الجهاد الإسلامي العملية ما آثار غضب الإسرائيليين على السلطة الفلسطينية، فأوقف المسؤولون الإسرائيليون جميع لقاءاتهم مع نظرائهم الفلسطينيين عقب العملية.
هل كان للطالب في الثانوية العامة من منطقة طولكرم وهو أحمد سامي أبو خليل البالغ من العمر 18 عاما، هل كان السبب في اشتعال المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة؟! وبين الفلسطينيين وبعضهم من جهة أخرى؟ لقد خرج الطالب أحمد متحزما بحزام ناسف، وبعلم أسرته أنه ذهب لمعرفة نتيجته في امتحانات الثانوية العامة. ولكنه كان قد وصل إلى مركز تجاري في نتانيا المواجهة لمدينة طولكرم بعد جدار الضم وسرقة الأراضي، وحاول عدد من الإسرائيليين منعه من الدخول فقام بتفجير نفسه في مدخل المركز.
وقتها عبرت رئيسة بلدية نتانيا (مريم فايربرغ) التي كانت في مكان الانفجار عن خوفها قائلة (رأيت رجلا ينفجر على بعد أمتار مني، انه أمر مرعب) هكذا قالت... ولم يكن ليرعبها دهس مستوطن إرهابي لتسعة فلسطينيين قبل أيام على سبيل المثال، ولم يرعبها سقوط الصواريخ الإسرائيلية على بيوت الآمنين مترافقا مع رصاص الحقد بين جنود العبث واللهو الإسرائيلي بدم الفلسطينيين جهارا نهارا في كل يوم بل في كل ساعة... ولما لم يكن هذا مسار حديثنا ولكننا استطردنا في الاتجاه الوطني... نعود للموضوع الرئيسي لنتساءل هل تفجير أحمد أبو خليل لجسده كان سبب المواجهة الجديدة الإسرائيلية الفلسطينية، والتي تلتها أيضا الفلسطينية – الفلسطينية؟!
في السرد الذي يشير له عدد من الكتاب الفلسطينيين والعرب يعتبرون هذه العملية بداية سلسلة متصلة لاحقة من المواجهات الفلسطينية الداخلية لا سيما والعملية جاءت مفاجئة بعد الاتفاق الملزم في القاهرة بين كافة فصائل المقاومة الفلسطينية على وقف إطلاق النار ضد إسرائيل أو ما سمي (التهدئة) ما حقق به الرئيس محمود عباس (أبو مازن) مكسبا وطنيا مهد لإعادة البناء والانسحاب الإسرائيلي اللاحق من قطاع غزة.
ولقد فتحت هذه العملية الباب واسعا أمام العنصرية الإسرائيلية للبروز والظهور بقوة وفق تصريحات معظم قادتها، ومنهم وزير الزراعة (إسرائيل كاتس) الذي طالب بتجديد سياسة الاغتيالات ضد الناشطين الفلسطينيين- كالعادة- وفتحت الباب أمام ضغوط جديدة لتمارس ضد السلطة الفلسطينية من مثل ما قاله (سلفان شالوم) وزير الخارجية الاسرائيلي بأنه يجب (ممارسة الضغوط على السلطة الفلسطينية لتنفذ واجبها وتحارب الإرهاب)، ودعا وقتها (خافيير سولانا) السلطة الفلسطينية إلى اعتقال المسؤولين عن الهجوم واحالتهم إلى القضاء وقامت الدنيا ولم تقعد بالادانات المختلفة.
كانت الساحة الفلسطينية قد خرجت من صراع مرير حول استمرار المقاومة من عدمها وشكلها وتوقيتها ووحدتها، ولا نريد الخوض في هذا المجال لأننا لا نختلف على أن الاحتلال الإسرائيلي وبطشه وقوته وعلاقاته الدولية كانت الأرجح وان المقاومة استطاعت – رغم التفاوت- أن تفهم المعادلة مع كثير من الألم والإحباط وعدم اليقين والتشكك وتنخرط في المسيرة السلمية وتقبل بالتهدئة لذلك لا نعود لمحاكمة كل ممارسة إسرائيلية بمنطق ما قبل الاتفاق على وقف النار وعلى خوض العملية السياسية التي يستدعى السير فيها تفهم للمرحلية والمتغيرات واستخدام أدوات جديدة ليس من بينها العنف الفلسطيني رغم أنه عنف مشروع.
هل كان جسد الطالب أحمد سامي أبوخليل سبب الأحداث المؤلمة التي تمثلت بإطلاق الصواريخ بحضور الرئيس أبو مازن إلى غزة نقضا للاتفاقات الفلسطينية؟! ثم الاشتباكات الطاحنة بين مقاتلي وأطفال حركة حماس – أطفال بالفعل وليس شتما- مع الشرطة ثم التفجيرات والاستعدادات والانتشارات والاستعراضات والتحريضات ... الخ هل كانت كل هذه النتائج لسبب تفجير نتانيا وما أحدثه في الماء الراكد؟ أم انه هناك أو سبق ذلك أسباب أخرى؟!.
إطلاق (صواريخ) على (سديروت)
أعلنت عدة أجنحة عسكرية تابعة لفصائل المقاومة الفلسطينية مسؤوليتها عن إطلاق عدد من (الصواريخ=القذائف) باتجاه مستوطنة (كفار داروم) وباتجاه (سديروت) وغيرها حيث أعلنت كتائب القسام التابعة لحركة حماس أنها في صباح 6/7/2005 قصفت (كفار داروم) بأربعة صواريخ – في الحقيقة لم تحدث أثرا كما هي الحال مع معظم هذه القذائف بدائية الصنع – ثم اتبعتها بأربعة أخرى، كما أعلنت كتائب أبوعلي مصطفى التابعة للجبهة الشعبية إطلاق صواريخ المصطفى على (سديروت), ولم تسكت سرايا القدس التابعة للجهاد الاسلامي فأطلقت أيضا ثلاثة (صواريخ) – لم تصب أحدا كالعادة – من طراز قدس على مستوطنة (سديروت)، وأعلنت ألوية صلاح الدين اطلاق صاروخ ناصر 3 على تجمع للمستوطنين في مستوطنة (غوش قطيف) ومستوطنة أخرى ونهضت كتائب الشهيد أبو الريش لتقصف (نفيه دكاليم) بصاروخين من طراز صمود 1 ردا على الجرائم الإسرائيلية.... وكل هذه (الصواريخ) وهذه (الموديلات) من القسام وناصر وقدس والمصطفى وصمود بالمسميات الضخمة التي تعطي انطباعا بحرب جهنمية تشن على (الضحية الإسرائيلي) ما كانت إلا مواسير وشحنات غير مؤذية بغالبها ولكن صوتها في الإعلام الغربي بمنطق التصور بأنها (صواريخ) ما تتيح للقارئ أو السامع أو المشاهد أن يتصورها كصواريخ (سكود) أو (الحسين) أو (كروز) فنخسر دوليا في كل يوم وفي كل ساعة ولا نحقق هدفا...
المهم، إذا لم نعتبر عملية نتانيا هي السبب في بدايات (الفتنة) الفلسطينية الداخلية فهل نعتبر الموديلات المتعددة من الصواريخ المنطلقة من غزة السبب؟! أم هل نعتبر الإصرار العجيب على تكرار نفس الأخطاء بل والخطايا باستخدام أساليب ثبت فشلها وطنيا، وثبت ضررها خارجيا هو السبب؟! الافتراق الحاصل بين رؤيتين؟... رؤية ترى التهدئة مرتبطة برأس واحد وقرار واحد وسلاح واحد وعلم واحد، ورؤية ترى أن من حقها الرد منفردة بلا رأس وبتعدد ألوية، وبأسلحة يلوح بها ضد العدو والصديق وكأننا نزحف زحفا باتجاه تل أبيب أو حيفا ونقصفها بـ (كروز) و (سكود) ؟!
أن الرؤية توحدت في القاهرة ولكنها عادت لتفترق في التطبيق على الأرض لتعيش الساحة الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة ألم اقتتال الأشقاء وألم الاستعداء وألم التضليل وألم الاتهام للسلطة والشرطة أو الاتهام لحماس أو فتح ككل فيما حصل ؟! فهل كانت هذه (الصواريخ مجازا) غير المنضبطة ومن ورائها السبب؟ّ أم ان هناك سببا آخر يسبقها او سببا آخر غير واضح المعالم؟!.
رغبات وتوتير
لا أحد ينكر مطلقا الدور الإسرائيلي في توتير الأجواء الفلسطينية وتسميم العلاقات الوطنية الفلسطينية، والكثير يتحدثون ويحللون ويقولون أن هناك خطوطا داخلية في هذا التنظيم أو المؤسسة أو تلك يثيرون الضغائن والاحتراب ويسعون للتدمير الوطني بنقض الوفاق والدعوة لبتر هذا الطرف أو ذاك... نعم لا أرى من ينكر ذلك، فالدور الإسرائيلي يعبث بالحياة الفلسطينية من كوب الماء حتى حبة الزيتون إلى طريقة الحركة فنسمة الهواء... ولكن هذا الدور وأطرافه داخل أجسادنا لا يجعلنا معصوبي الأعين عن أدوار أخرى ربما لقصر النظر، وربما لرغبة في الاستيلاء على السلطة، وربما لتخفيف ضغط وربما لإنفاذ مشروع مقابل مشروع أو ربما لعدم قدرة على السيطرة على الموقف او الأعضاء، فينجرف او يخطط او يسير أصحاب هذه الأدوار باتجاه أدى لبدايات او بذور فتنة فلسطينية نراها مرعبة.... بالإضافة لما سبق بالصراع على الخطاب السياسي والصراع على السلطة والصراع على الجماهير وما يستدعيه ذلك من توتير للأجواء وتحشيد للقوى وتضليل للرأي العام واستغلال كافة الإمكانيات للتحريض ما يحقق هدف هذا الفصيل او ذاك على حساب الكل.
هذا ما مارسته آلية الصراع الفلسطيني وخاصة في الاشكالات الكبيرة التي حصلت بين حركتي (فتح) و(حماس) او بين حركة (حماس) والسلطة الوطنية وبالتالي قد لا يكون الطالب أحمد أبو خليل الملام الرئيس في ذلك وقد لا تكون الصواريخ بموديلاتها المختلفة السبب في ذلك!!
هل التحريض هو السبب؟
وجّه القيادي في حركة حماس د.محمود الزهار هجوما حادا ضد السلطة الفلسطينية وضد حركة (فتح) وضد الرئيس محمود عباس وحذر في ذات الوقت – وذلك يوم 5/7/2005 ، وكالات الانباء – حذر السلطة من مواجهة حركة (حماس)؟! كما شن هجوما على دعوة اللجنة المركزية لحركة (فتح) لإدخال (حماس) في تركيبة وحدة وطنية ؟موضحاً انه لن يكون( جزءاً من حل المشاكل الداخلية وتجاوز صراعات داخلية في داخل الحكومة الحالية)؟! رغم أن ما أسماها بالمشاكل حلت بسلاسة.
وفي نفس الخطاب هاجم الزهار الرئيس محمود عباس وطريقة تعامله مشددا على ان حماس (فقدت الثقة فيه) لعدم تطبيقه ما تم الإتفاق عليه مع الحركة والفصائل وبكلماته:( ان ما اتفقنا عليه لم يتم تحقيقه، فاتفقنا على المرجعية الوطنية ولم يتم تنفيذها وعلى الجولة الثالثة من الإنتخابات المحلية ولم يتم تنفيذها )، ولكن للعلم تم تنفيذ المرحلة الثالثة من الانتخابات والرابعة في الطريق، ولا تلتزم حماس بالمرجعية الوطنية.
ونحن نتساءل هنا بدورنا هل فقدان الثقة هذا كان السبب في استقبال الرئيس عباس القادم إلى غزة عقب عملية نتانيا بموجة تصعيدية من (صواريخ) القسام ؟! ونعود لكلام الزهار الذي جاء في وقت كانت فيه حركة (فتح) تتقارب مع حركة (حماس) فيأتي كلامه بشكل تصعيدي غريب!! ما جعل زميله في حركته الشيخ حسن يوسف يرد عليه مستنكراً .
استطرد الزهار بصوته الجهوري انه لن يسمح بسرقة انجازات الشارع الفلسطيني (وانجازات حركة حماس وتضحيات ابنائها وقادتها من أجل ان تتحرر هذه الأرض لتتوزع على هذا او ذاك) ؟! ومن ثم انطلق مهددا ومتوعدا السلطة وحركة " فتح" " قائلا (يجب ان يعلموا ان الذي يفعلونه الآن هو اللعب بالنار وخطر، ونحن نحذر، وحذرنا وقلنا ذلك للسيد محمود عباس)؟؟ .
ثم أكد - ما تنازل عنه لا حقاً كالعادة – ( ان حماس تحتفظ بسلاحها وانها ستقوم بالدفاع عن أي شبر من الوطن في حال حدوث أي هجمات اسرائيلية) مؤكداً (ان غزة والضفة والقدس وحدة جغرافية واحدة، و لن تسكت حماس في غزة اذا تم الهجوم على الضفة) ، ومشددا ان القضية الوطنية ليست مرتبطة لا بالضفة ولا بغزة ولا بالقدس( وإنما قضيتنا في حماس مرتبطة بفلسطين كل فلسطين).
تردد وتقلب واتهام
هل هذا الكم الهائل من التحريض والإتهام-والذي سنتعرض له لاحقا بتوسع- هو السبب الحقيقي وراء ما حصل في الأشهر اللاحقة من احتراب فلسطيني؟ وهل حركة حماس واقعة تحت ضغوطات التيارات العسكرية والتيار السياسي وتيار المتشددين وتيار المعتدلين؟! وتحت ضغط وصراع التعامل مع قراراها الإنخراط في العملية السياسية وربما مكرهة؟ ام ان قرار دخول حماس-القرار بذاته- في اللعبة السياسية هو السبب؟!
لقد أخطأ الزهار خطأ كبيراً في تهجماته وتحريضاته السابقة واللاحقة، لماذا؟ لأن مواقفه ومواقف حركة (حماس) المتقلبة ، في ر فض الهدنة او وقف النار ثم قبولها لاحقا ، وفي رفض العمل السياسي ثم المشاركة به، وفي الموافقة على قرار وقف المظاهر المسلحة ثم ممارستها هذه المواقف المتقلبة و المتسمة بالتردد في ذات الوقت هل هي براغماتية كما يراها البعض أم مؤشر لصراع داخلي كبير؟؟ في جميع الأحوال فإنها قد أضعفت صدقية (حماس) كما يقول الكاتب ماجد كيالي لأنها في سعيها -مستطرداً- لتأكيد وجودها في الساحة الفلسطينية خلقت واقعاً سلبياً من ازدواجية السلطة، وفي نفس الوقت الذي تحاول إدارة النظام الفلسطيني تمتنع عن الانخراط في هذا النظام مما يضعف من قدرتها هذه فتنفجر مواقفها بالتصريحات النارية وباطلاق النار باتجاه الاشقاء.
أم هل يشعر الزهار وتيار في حركة حماس ، وكما قالت حنان عشراوي في 16/7/2005 متسائلة هل (انها فوق القانون او "تنظيم" يستطيع فرض مواقفه على الجميع او يحرض على السلطة)؟؟ مضيفة اننا (يجب ان نحترم ان لنا سلطة واحدة وقانون ومؤسسات واحدة ومنها المؤسسة الأمنية وهي للشعب).
ان هجوم د. محمود الزهار لم يلق قبولا في الشارع السياسي الفلسطيني فوصفه الكاتب عدلي صادق في زاويته في الحياة الجديدة من هنا وهناك (بالخطأ السياسي) واعتبر ان (ما شهدته الأسابيع الاخيرة من تطورات ايجابية في العلاقة بين فتح وحماس جعل تصريح د. الزهار مفاجئا سيما وان مجرد الدعوة إلى التشارك الفعلي في تحمل المسؤولية، تمثل نقلة نوعية في العلاقة قابلتها حماس بنقلة نوعية ايجابية لمجرد اعلانها عن دراسة الموضوع).
- 1908-2007الملف الحركي رقم 47
- 0608-2007الملف الحركي 46
- 1607-2007الملف الحركي 45
- 1607-2007الملف الحركي 43
- 1607-2007ملفات الكادر الحركي من 1 - 42