حركة فتح فكر الحضارة و التقدم على طريق النصر


حركة فتح فكر الحضارة و التقدم على طريق النصر

 

        منذ بداية القرن التاسع عشر ومع أول قدم صهيونية منظمة وطأت ارض فلسطين في العام 1882م لتؤسس المستوطنة الأولى بادر الشعب الفلسطيني كجزء من الأمة العربية والإسلامية تحت الحكم العثماني حينذاك بالتنبيه للخطر الصهيوني القادم عبر مجلس (المبعوثان) العثماني. وما تلا ذلك من نضال سياسي وفكري وإعلامي تم التعبير عنه بعديد الدراسات والمقالات والكتب التي ما فتأت تتعرض لمخطط قادم لتفتيت أوصال الأمة وتجزئتها.

 النضال العنفي

       لقد تعالت وتيرة نضالات الشعب مع صدور وعد بلفور في العام 1917 لينطلق من مرحلة العمل السياسي والإعلامي الى مرحلة ترافق فيها العمل النقابي منذ تأسيس أول إطار نقابي فلسطيني في العام 1920 مع النضال العنفي ممثلا بالهبات والانتفاضات الثورية لشعبنا البطل على غرار هبات 1919 و 1921 و 1929 هبة البراق الشهيرة، ومع تنامي الوعي القومي والوطني ودخول أقطار الأمة العربية في مرحلة السعي للتحرر من الاستعمار دخل شعبنا الفلسطيني في مرحلة الثورة المزدوجة ضد الاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني معا مستخدما كافة أشكال النضال تلك السلمية منها والعنفية.

 البعد التنظيمي للنضال.

       ولم تدخل الثلاثينات من هذا القرن حتى  بدأ العمل النضالي يأخذ بعده (التنظيمي) مع أسلوب الكفاح المسلح وأساليب العصيان المدني والتي عبرت عن تراكمات النضال المتصل وممارسات مختلف القادة والتي منها الفكر التنظيمي الخلاق للقائد الفذ الشهيد عز الدين القسام الذي زرع بذرة التنظيم والجهاد والتعبئة والكفاح المسلح في نفس وفكر الأمة والشعب الفلسطيني ومن خلال قيام كافة الأطر الفلسطينية بإعلان العصيان المدني عبر إضراب الشهور الستة والذي سطر أروع ملحمة صمود ونضال لشعب يواجه عدوين آنذاك الاحتلال البريطاني والصهيوني.

 من جيل الى جيل

        ومع استمرار مشعل الثورة الفلسطينية ينتقل من جيل الى جيل  مفرزا قادة عظام مثل فرحان السعدي ويوسف أبو دره وأبو إبراهيم الصغير وموسى كاظم وعبد القادر الحسيني دخلت الأقطار العربية في الأربعينات والخمسينات  مرحلة التحرر من الاستعمار وصعود القومية العربية وظهور الأحزاب العلنية سواء القومية منها او الاشتراكية او الإسلامية الأصولية، لم يتوانى الشعب الفلسطيني عن الانخراط في معظم هذه الأحزاب او التيارات الفكرية والتي ان استطاع بعض منها ان يسهم في انتزاع استقلال عدد من الدول العربية فانه اخفق بان يقدم للقضية الفلسطينية سوى الشعارات والوعود والأمنيات.

 ولادة حركة (فتح)

        ثم كانت الولادة الحقيقية للكيانية الفلسطينية وهويتها النضالية الوطنية والقومية مع الانطلاقة المجيدة لفتية آمنوا بربهم وبوطنهم فشكلوا حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والتي ابرزت الذات الفلسطينية الوطنية تلك المتميزة والمبدعة والشخصية الثورية المستقلة ضمن الأفق القومي والبعد الحضاري العربي الإسلامي وذلك عبر سنوات فتح الطويلة والتي لم تتوانى في كافة مراحلها من التجدد والتطور واستخدام أشكال النضال المناسبة والملائمة لكل مرحلة، فكما أن العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد ترافق العمل العسكري مع الاقتصادي والإعلامي والاجتماعي والتعبوي.

 عوامل التغيير

       وفي ظل التغير العالمي الضخم وانهيار نظام المعسكرين اثر سقوط جدار برلين وتشرذم الأمة بعد حربي الخليج كان لزاما على الثورة الفلسطينية ان تسعى لتحقيق ما تستطيعه من أهدافها ولو كان خطوة بمثابة موطئ قدم نحو العمق على طريق تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فكان "اتفاق اوسلو" الذي لم نستسيغه واعتبرناه ممرا اجباريا، وشرابا مرا كان لزاما علينا تجرعه.

 فتح في مواجهة الحل النهائي

         ان حركة فتح التي قادت لاكثر من 40 عاما نضالات شعب وهب نفسه للكفاح وخلف في كل بيت إما شهيد او جريح او أسير او معتقل أصبحت الان مع نهايات مرحلة الحكم الذاتي الفلسطيني في مواجهة مصيرها، ومصير القضية برمتها، في هذه المرحلة الجديدة بكل معطياتها فأما ان تكون هي عامل التغيير واداته كما هي عامل الحفاظ على المنطلقات والغايات الأهداف الكبرى دون تفريط، وبذا تتخير من بدائل الخطط والبرامج ما يفيد تحقيق الأهداف الجديدة وبوسائل جديدة وأما ان تتكلس وتركن الى الجمود كما هو شأن  التنظيمات التي تلهث دون جدوى وراء الحدث.

        ان حركة فتح كعامل تغيير وتجدد يجب ان تسعى لإسقاط محاولات الصهاينة الرامية لتكريس المرحلة الانتقالية بحد جدار الضم والتوسع وسرقة الأراضي كمرحلة نهائية للحل -هذا بالحد الادني- ولغرض السير خطوات أوسع نحو تحقيق الدولة المستقلة ذات السيادة وتحقيق حق اللاجئين، كما يسعى لذلك العازمون على السير حتى آخر الشوط في هذه المرحلة ومنهم بالضرورة حركتنا حركة الاقدام والنضال المستمر، حركة الشعب الفلسطيني حركة فتح.

 قدرة الأفكار

        ان قوة وفعالية وقدرة الأفكار والمبادئ والأهداف الفتحوية والتي استطاعت مجموعة مثابرة من شبيبة الشعب الفلسطيني ان تحمل لواءها وتنشرها في الانطلاقة الأولى وفي الانطلاقة الثانية وفي الانتفاضة الأولى وفي الانتفاضة الثانية بحيث كسبت استقطاب مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني ومن ورائه الأمة العربية وأحرار العالم، لقادرة هذه الأفكار والأهداف ان يكون النظر لها مجددا ولطبيعة التنظيم المعبر عنها بشكل اكثر اقتصادا او اكثر ثراء وبما لا ينسى معه الجيل الجديد أصل الصراع وديمومته الدينية والتاريخية والحضارية، في ظل رؤيا ومفاهيم جديدة بناءة تتعامل بروح منطلقة وقدرة على التجديد والتغيير المنظم لا تسمح ان يدهم هذه الحركة عربة التغيير المنفلت من عقاله  والذي بدلا من ان يحقق ما نصبو إليه من استقلال وتحرر وتقدم وديمقراطية ووحدة نصبح كشعب وكأمة حال استشراء الخلاف الحزبي او التنظيمي الفلسطيني في المحيط العربي المنقسم أشلاء وشظايا عصية على التجميع.

 مشروعية الفكر

        ان قوة الأفكار ومشروعيتها تنبع من ذاتها ومن أولئك الكوادر القادرين على ابراز هذه القوة والمشروعية وحمايتها والدفاع عنها ونشرها بالتفاف الجماهير او الرأي العام حولها، وكما عبر عن ذلك رجال (الفتح) في الكرامة، وصمود الايام التسعين في بيروت، والعمل الفدائي المتواصل، والانتفاضات المباركة، ومئات المواقع المجيدة الأخرى، والعمل الديمقراطي.وكل هذا ان انحصر في المستوى الفلسطيني الإقليمي الضيق يقلص من دائرة الاهتمام وافق الدعم والتأثير الأرحب ممثلا بالعمل العربي والإسلامي والامتداد الإنساني العالمي.

       ولما كانت قضيتنا الفلسطينية وكما رأت في ذلك حركة فتح قضية الأمة العربية والأمة الإسلامية المركزية لأسباب قومية وتاريخية وجغرافية وحضارية فان استمرار الحفاظ على هذا الأفق، عوضا عن التخلي عنه والانعزال في دائرة الإقليمية، يصبح ليس فقط مهمة حركة فتح وإنما مهمة كافة القوى الوطنية والقومية والتقدمية في هذه الأمة. وفي ظل بروز نهج الانعزال عن المحيط العربي في الوسط الفلسطيني والدعوة للارتباط بتشابك الوضع في الجوار يصبح شكل النضال برفض الاندماج والذوبان في أسر مرتكزات الفكر الإسرائيلي مطلبا إنسانيا ووطنيا وحضاريا لضرورة التمايز وتصليب الارتباط

شرقا بالأمة العربية الإسلامية ووحدتها حافظة لمعتقداتنا وهويتنا الوطنية في المحيط القومي، وثقافتنا وتاريخنا العريق وتراثنا وحضارتنا الإنسانية السمحاء.

 فكر حركة فتح

       ان فكر (فتح) هو فكر التقدم الى الأمام، فكر الإبداع الذي لا يقبل التكلس ويأبى الا رفض القوالب الثابتة والصيغ  الجامدة كما يرفض الاستغلال المبرمج بإسقاط قدسية الدين على بعض التنظيمات او الأفراد الذين يُنصّبون أنفسهم وكلاء عن الله في الأرض، لان فكر فتح يمثل فكر العمل وفكر التغيير والتجدد، فكر التلاؤم مع متطلبات الجماهير، فكر استنهاض القدرات وبعث الإمكانيات الذاتية والجماعية لترسم خططا وأهدافا لا تحيد عن تلك النظرة الثاقبة والرؤيا الصائبة التي صاحبت حركتنا منذ النشأة وحتى اليوم.

      ان فكر (فتح) هو أيضا فكر المنبع الأصيل للجماهير الفلسطينية، لجماهير الأمة العربية، انه ذات فكر الأمة العربية الإسلامية التي تشكلت فنمت قدراتها، وتفاعلت فأبدعت (حضارة) اضاءت طريق الأمم الأخرى بمتانتها وعقلانيتها وروحانيتها التي كان فيها (الإسلام) نورا وانبعاثا وقوة وثورة اجتماعية ويقظة قومية  وتطورا ثقافيا وإيمانا عقائديا روحيا دافعا وحافزا لكوامن الذات الفردية والجماعية.

 النهوض مرتكز فكر فتح

       ان الفكر الوطني الذي تميزت فيه حركة (فتح) كان مرتكزه الأساسي خدمة الوطن سياسيا بالسعي وفق انسب السبل في كل مرحلة لتحرير الوطن من الاحتلال وقوميا بالجِد في بعث كوامن التحرر والتجدد، والنهوض  بالجماهير العريضة بأشكال متعددة، وذاتيا في إرساء بناء تنظيمي فعّال يمازج الديمقراطي بالمركزي ولا يتعب من السعي في طلب الاستقلالية وبث روح المبادرة، وحضاريا في التمسك بقيم وتراث وثقافة (التميز)، ثقافة الرسالة الإسلامية التي شكلت الحاضنة لقيم والمساواة والحرية والعدالة منهل الفكر الإنساني العالمي، نعم ان قيم وتراث وثقافة الرسالة والتي هي لكل أبناء الشعب الفلسطيني بكافة طوائفه وعشائره وشرائحه تعد ابرز مكونات حضارة المحيط، الحضارة العربية الإسلامية، تلك الحضارة التي نراها متجددة لا تقبل بالقليل، ولا ترفض الاستزادة، ولا تركن الى الخمول وتسعى للتواصل مع الآخر، إن فكر فتح هو فكر الوسطية والاعتدال (ولقد جعلناكم امة وسطا) في محيط بدأت تطغى عليه علائم التهاون والخِدر والتساهل او التطرف والتصلب والمغالاة.

 الانصهار في بوتقة (فتح(

       لقد اختارت (فتح) الشهادة فسطرت بدماء كوادرها وقادتها اروع الملاحم، فكان النور ينبعث من دمائهم الزكية، من احمد موسى، عبد الفتاح الحمود، ابو صبري، ابو علي اياد، سعد صايل، ابو يوسف النجار، ماجد ابو شرار، الى ابو جهاد وأبو إياد وابو الهول وخالد الحسن، وممن لحقهم في الانتفاضة الأخيرة من ثابت ثابت وحسين عبيات ورائد الكرمي وعبد المعطي السبعاوي، وآلاف الشهداء في درب المسيرة الذين اتخذوا مقعدهم في جنات الخلد، وليس آخرهم الشهيد القائد الرمز أسطورة النضال الفلسطيني والعالمي ياسر عرفات.

       لقد وضعت فتح اسم (فلسطين) أمام أعين كوادرها وأعضائها، وأبت عليهم إلا أن يخلعوا أرديتهم الحزبية، التي جرّت على أولئك المتحزبين التعصب المقيت للحزب او الجماعة او التنظيم على حساب الهدف والغاية ممثلة بالتحرير والدولة الفلسطينية المستقلة والعودة، لقد عبرت فتح عن هذا المفهوم بضرورة انصهار كل الرؤى والأفكار في (بوتقة) فتح، في )فلسطين) وبضرورة جدْلْ الجهود وضمها في وحدة جامعة أصبحت من أقوى شعاراتها وأسلحتها في وجه قوى الشقاق والتبعثر والانصياع لأفكار وأوامر قوى الخارج اولئك الذين يعيشون في عزلتهم الاختيارية وفي محيط فكرهم المنغلق، وفي حدود رؤيتهم تلك التي تتعاطى مع عوامل لم يعد لها تأثير، او زال هذا التأثير، وحلت مكانها عوامل جديدة أعطت فعلها في تغيير الأهداف والخطط والوسائل لمختلف الأمم.

 فتح اختارت التألق

       ان حركة (فتح) اختارت المستقبل، اختارت الغد، اختارت التألق وألقت وراء ظهرها بكل نفايات عهود العتمة من تخلف وتراجع واستبداد وأفكار اوحدية وظلامية او أسطورية وخرافية غير واقعية.. لقد اختارت المستقبل المتحرر من طغيان أفكار الجمود او التشظي، وسارت تتفاعل مع كل مكونات الأفكار المنتزعة من عمق الحضارة التي أرست أسس التقدم والتطور.

        لم يكن المستقبل لفتح انقطاعا عن الماضي كما قد يدرك انتقائيا من لا يريد أن يعي بشكل صحيح تلك العلاقة الوثقى بين تاريخ امتنا الإسلامية العربية وتراثها وثقافتها وبين أسس او قواعد التفكير التي تحكم رؤيا وعلاقات حركتنا ونهلها من معين هذه الأمة والتي يشكل الماضي بالنسبة لها، ذاك الماضي المجيد صانعا للحاضر الزاخر، والمسقبل الزاهر (ليكن غدُنا حاضرا معنا، وليكن حاضرا أمسنا معنا، وليكن يومنا حاضرنا) كما يقول شاعرنا الكبير محمود درويش.

بمناسبة الانطلاقة 2006

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر