العلاقة بين التنظيم السياسي والنقابي
12-03-2015العلاقة
بين التنظيم السياسي والنقابي
العمل التنظيمي السياسي السري، أو العلني، أو
ذاك شبه العلني ومهما اختلفت أهدافه السياسية، فان من أولى تطلعاته، الوصول إلى
الجماهير ليتسنى له تعبئتها وقيادتها واستقطابها تنظيمياً، فتصبح أداته القوية في
الوصول إلى أهدافه، وما أن يقوم (التنظيم/المنظمة)[1]
بإعداد أنويته الأولى، إلا ويبدأ بالتطلع إلى العمل النقابي، فيعمد إلى دخول
النقابات[2]
الموجودة، أوالعمل على خلق نقابات جديدة.
فإن
كان التنظيم سرياً، فإنه يتستر وراء العمل النقابي للوصول إلى الجماهير، وكذلك إن
كان علنيا، فإنه يصل للجماهير من باب النقابات المتسع دوماً.
وتبرز
أهمية العمل النقابي من انه يعطي الفرصة للعمل التنظيمي السياسي محدودية أعضائه
قياساً للمجتمع، أن تقود شرائح كاملة من المجتمع وربما المجتمع بأكمله، من خلال
النقابات.
إذاً فأهداف أي تنظيم سياسي من العمل النقابي
تتلخص في:-
1 – طرح أفكاره على المجتمع.
2 – تعبئة الجماهير حول هذه الأفكار.
3 – استقطاب الجماهير للتنظيم.
4 – قيادة المجتمع من خلال قيادته للعمل
النقابي، وإبراز التفاف الجماهير نحوه.
5 – الوصول للأهداف السياسية من خلال قوة
الجماهير وتنظيمها.
آلية
عمل التنظيم السياسي في الوصول إلى النقابات:
يقوم
التنظيم السياسي بفرز عدد من أعضائه، أو بعض الأصدقاء أحيانا حسب الظروف الأمنية،
ويُطلب منهم الترشيح لعمل نقابي معين ويقوم هذا التنظيم من خلال أعضائه المنتشرين
في المجتمع، بالدعاية اللازمة، حول مرشحيهم، كما يقوم بإجراء التحالفات اللازمة مع
آخرين، إن وجدوا، لإنجاح أعضائه المفرزين للعمل النقابي،[3]
وعندما ينجح التنظيم السياسي بإيصال أعضائه للنقابات، يبدأ بوضع خططه لكيفية الاستفادة
من النقابات في خدمة أهدافه السياسية إضافة إلى واجبه النقابي في تحسين ظروف
العمال أو المهنيين ممن ينتمون إلى النقابة.
فإن
كان القادة السياسيين هم أنفسهم المفرزين للعمل النقابي، تسير الأمور على خير وجه
غالبا.
أما
عندما يكون آخرين هم المفرزين، فإننا نضع الأعضاء في مرحلة جديدة من حياتهم
النضالية، بل نضع انتماءهم التنظيمي في تجربة خطرة، حيث يمكن أن يخسر النقابي
تنظيمه ونقابته أيضاً، إذا لم يحسن التصرف والموازنة الدقيقة بين العمل السياسي
والنقابي.
ويحدث
هذا، عندما يتغلب الطابع النقابي على السياسي في داخل نفسية العضو، أو عندما تتولد
أطماع في النفس، لم تكن لتولد، لولا "المكانة"[4]
الجديدة التي وصل لها، ناسياً من الذي أوصله إليها، ألا وهو التنظيم.
ولكن
النقابي الناجح هو السياسي الناجح الذي لاينسى أن وجوده في العمل النقابي، هو مهمة
محددة مكلف بها من قبل تنظيمه، من أجل أهداف أشمل وأعم، ألا وهي الأهداف السياسية
التي يمثلها تنظيمه بفكره وأهدافه وممارسته، إضافة إلى أن التنظيم لايتوقف دوره
عند دفع أعضائه للأطر النقابية، فهو يستمر في حثهم على العمل ودعمهم بكل إمكاناته
المادية والبشرية، لأن النقابة تكون وسيلته الأهم في الوصول إلى الجماهير و إلى أهدافه
الكبرى والعامة، إضافة إلى أن العمل النقابي الناجح يعطي البعد السياسي قوة إضافية.
إن
نجاح التنظيم (السياسي) يقاس بنجاح العمل النقابي (والجماهيري)[5].
من
الطبيعي أن يكون العضو المنظم والمخلص أكثر حرصاً على النجاح من الفرد النزق أو
ضعيف الانتماء، لذلك فالذي يحافظ على دعم تنظيمه، يكون أقدر على النجاح من المساوي
له في الإخلاص والوعي ولكن بدون تنظيم يدعمه.
وبداية
وجود ابن التنظيم في العمل النقابي يمثل النقطة الحرجة في حياته، وهي التي
نريد تناولها في هذا السياق، بالبحث والتفصيل ونقسم البحث إلى قسمين:-
أ –
الحالات النفسية السلبية:
المقصود
بها تلك التي يعيشها العضو النقابي ابن التنظيم السياسي، والتي تشكل أخطارا على
العمل النقابي والسياسي في حالة الوقوع في براثنها مثل:-
1) الشعور بالموازاة (أنا مقابل التنظيم).
2) الشعور بالقوة (أنا أقوى من التنظيم).
3) الشعور بعدم الحرية (التنظيم لا أنا).
4) الشعور بتفوق الانتماء النقابي (أنا لا
التنظيم).
1- الحالة الأولى : الشعور بالموازاة
وصول
عضو التنظيم إلى قمة هرم النقابة (قيادتها) يجعله يقف وينظر حوله فيرى نفسه أنه
يمثل مجموع الشريحة المهنية بكافة انتماءاتها السياسية وينظر إلى تنظيمه السياسي
(بأطره وهياكله مثل الإقليم والمنطقة...الخ) فيجده يمثل نسبة معينة لنقل 5% أو51%
…الخ من هذه الشريحة، ولكنه هو الآن يمثل الجميع. إذاً هو الآن يشعر بالموازاة مع
تنظيمه، بل وربما يشعر أنه أكبر منه وأهم ، هذا الإحساس إذا انتقل إلى الممارسة
العلنية، يعني ببساطة أنه قرر التخلي عن ناخبيه.. عن داعميه.. عن حُماته.. ومن
يتخلى عن ناخبيه، يتخلون هم أيضا عنه. وربما يكسب قوى سياسية أُخرى تدعمه في فترة
وجوده النقابي، أما عند الإنتخابات الجديدة، فلن يكسب أحدا لأن القوى السياسية
الأخرى سواء التي تبنته أوغيرها، سيكون لها مرشحين غيره في الانتخابات الجديدة،
ولكن ما حجم الصراع الذي حدث بين ذلك النقابي، وتنظيمه، حتى الوصول إلى الانتخابات
الجديدة.. كم أعاق ذلك الصراع المسيرة النقابية ذاتها ومسيرة التنظيم نفسه؟؟
بالتأكيد .. الكثير الكثير..
2- الحالة الثانية: الشعور بالقوة.
عندما
يصل ابن التنظيم إلى كرسي النقابة، يفهم تماماً، أن تنظيمه لايستطيع أن يسحبه منها
بحكم النظام (الدستور)، إذا ما غضب عليه لسبب ما، حيث أن دستور النقابة يحميه،
وسيزداد الوضع سوءًا، إذا دُعم من بعض القوى السياسية الأخرى، المشاركة في
النقابة، مستغلة مابينه وبين تنظيمه من تناقض.
وهنا
سيستغل مركزه إلى أبعد مدى، مناكفا تنظيمه، مفتعلاً أو مستغلاً أبسط التناقضات
التي تبرز خلال المسيرة، محاولا الاحتفاظ بمركزه النقابي إلى أبعد مدى ممكن، أو
مبتزاً تنظيمه للحصول على مكاسب ذاتية سريعة أو بعيدة المدى، وربما للحصول على
مواقع متقدمة جديدة، وهنا، سيصطدم بمفهوم الانتماء من جهة[6]
والانضباط التنظيمي من جهة أخرى، الذي يجعل أي تنظيم يرفض التعامل مع الأعضاء غير
المنضبطين، أوالذين يمارسون الابتزاز، والنتيجة خلافات ومشاكل تجر على التنظيمين
السياسي والنقابي، الكثير من الويلات المعيقة لعمل كلاهما.
3- الحالة الثالثة : الشعور بعدم الحرية.
سيجد
النقابي ابن التنظيم، أنه مطالب بتنفيذ السياسة النقابية التي يخطها التنظيم.. وأحيانا
يجد أن بعض القضايا الإدارية البسيطة مثلا، تتعارض ومصلحة التنظيم. وكذلك سيجد
نفسه يأخذ تعليماته من التنظيم، ليذهب إلى النقابة فيطرح أفكارا هي ليست أفكاره
أحياناً، ومطلوب منه أن يدافع عنها.. ويقرها نقابياً.
ويحدث
أثناء الاجتماع النقابي أن تطرح هنا وهناك، وبمشاركة في النقاش قد تُقر قرارات
معينة أو نشاط ما، فعندما يذهب إلى التنظيم، يجد من يقول له، لماذا لم تشاورنا،
لماذا لم تأخذ التعليمات، لماذا لم تؤجل القرار..وهكذا.
إن
مثل هذه القضايا تبرز في الممارسة ولكن بالوعي والصبر والحرص على التشاور مع
التنظيم[7]،
لن تكون هناك مشكلة.
4- الحالة الرابعة: الشعور بتفوق الانتماء
النقابي.لاشك أن الموقع النقابي له بريق خاص.. وهو بريق جميل،خلاب يدفع إلى
الحرص عليه والتمسك به بالأيدي والأسنان، ومن هنا قد يتعمق الانتماء النقابي
قياساً بالانتماء التنظيمي، فتنعكس الأولويات لديه، من التنظيم السياسي إلى
النقابة، وهذا يفتح بابا آخر للخلل.. ولكنه باب واسع وهذا يعتبر من أخطر الأمراض
التي يمكن أن تصيب النقابي ابن التنظيم الذي قد يضحي بانتمائه التنظيمي لصالح
الموقع، أو يستعين (بعصبته) للتفوق على قرار التنظيم.
ب – الأخطاء التنظيمية في العمل النقابي
مثل:-
1 – عدم المتابعة التنظيمية.
2- إنكار جهد الآخرين.
3- الممكن وغير الممكن.
4- الترشيح للعمل النقابي دون قرار من
التنظيم.
وعليه
سوف نقوم بشرح النقاط التالية:
1- عدم المتابعة التنظيمية:-
هذا الوضع، يخلق انفصالا بين النقابي
والتنظيمي، يؤدي إلى التباعد بالتدريج بين التنظيمين، السياسي والنقابي فيبدأ
التنظيم باتهام النقابي بعدم الانضباط، والنقابي يتهم مسؤوليه التنظيميين بعدم
الجدية والقدرة على تحمل المسؤولية، للوصول إلى تولد طموحات غير مشروعة عند
النقابي، ناهيك لما يولده عدم المتابعة من ضعف للنشاط النقابي وبروز مسلكيات خاطئة
لدى النقابيين أبسطها الفردية (الأنانية المفرطة أو الشخصانية) أوتجاوز أبناء
التنظيم الذين يشاركونه العمل النقابي وخاصة إذا كانوا أقل مرتبة تنظيمية أو
نقابية.
2- إنكار جهد الآخرين:-
العمل
النقابي[8]
الناجح، يجعل النقابيين يبرزون في المجتمع كقادة جماهيريين، ويجعل الجماهير تلتف
حول القادة النقابيين، متجاوزين قيادتهم التنظيمية، مما يجعل أعضاء هذه القيادة
يشعرون بالغُبن، فقط لأن هذا القائد النقابي يعمل من خلالهم، بل أيضاً لأنهم
يقومون بعمل أكثر دقة وأكثر خطورة، ناهيك عن تقدمهم عنه في التنظيم مراتبياً.. أليسوا
قادته؟ ، وهنا يأتي حُسن تصرف القائد النقابي، الذي عليه أن يظهر دائماً احتراما كبيرا
للقادة التنظيميين، مؤكداً لهم حسن انضباطه وولائه، بل حتى أمام الجماهير وأن لم
يكن هناك أخطار أمنية عليه ان يُظهر هذا الاحترام بالشكل اللائق، مثال: عندما يقوم
الإتحاد بنشاط ما، ويكون هذا النشاط مبرمجاً كاملاً من خلال التنظيم (المقصود
بالتنظيم في الإقليم أو المكتب الحركي، حسب النظام...)، عليه أن يتواضع قليلاً وهو
يتحدث عن بطولاته في نجاح هذا النشاط، وخاصة أمام إطاره التنظيمي الأعلى.
إعطاء كل ذي جهد حقه يطور العمل ويكبّر النقابي
في عيون سامعيه، فيشعر الجميع أن لاأحد يأكل جهدهم وعرقهم، فيزداد نشاطهم وعطائهم
في النشاطات القادمة، وبالمقابل على الأطر التنظيمية وهي ترفع تقاريرها للأطر
الأعلى أن تظهر جهد النقابيين ونشاطهم على حقيقته بأن لا تجيّره لذاتها.
3- الممكن وغير الممكن:-
لاشك أن التنظيم السياسي، من خلال اندفاعه
لإبراز نفسه جماهيرياً سيطالب النقابة والنقابيين بالكثير من النشاط وأيضا يمكن أن
يطالبهم بخطط تنسجم مع متطلباته، أكثر مما تنسجم مع استعداد النقابة للمواجهة
أوالتنفيذ، فيخلق نوعا جديدا من المشاكل من الاتهام بالعجز والتقصير النقابي،أو
إتهام التنظيم بالتدخل أكثر من اللازم في العمل النقابي.
ولا
شك أن متطلبات العمل السياسي الكفاحي تختلف بشكل أو بآخر عن متطلبات وقدرات العمل
النقابي.
لذلك
لابد من التروي والهدوء والنقاش الدائم والوعي للوصول إلى ما هو ممكن إنجازه أو
غير ممكن.
4- الترشح للعمل النقابي دون قرار
تنظيمي:-
وهناك حالتان: الأولى، يقوم بها فرد أو أكثر،
فيترشح للعمل النقابي دون قرار تنظيمي، وربما يقف في مواجهة قائمة التنظيم،
والحالة الثانية، أن يقوم تيار أو مراكز قوى داخل التنظيم بمحاولة السيطرة على
العمل النقابي في منطقة ما لأسباب عديدة منها:
1) إثبات عجز القيادة التنظيمية أمام قيادة أعلى
أو للجماهير.