حركة فتح وحزب الله وامكانيات التغيير
حركة فتح وحزب الله وامكانيات التغيير
في إطار دورة نظمناها مؤخرا عن التنظيم كفكر وإدارة عقد المشاركون فيها مقارنة ناجحة بين كل من حركتي حماس وحركة فتح من جهة والتنظيمات الفلسطينية عامة كحالة، وبين حزب الله والحزب الاشتراكي السويدي والحزب الاشتراكي الألماني وحزب المؤتمر الإفريقي من جهة أخرى وأطر أخرى توصلوا من خلالها لتعريف معنى التنظيم (أو المنظمة) الفعال القادر على التجاوز ، التجاوز للمرحلة الصعبة والصراع، والتجاوز للفكرة الخاطئة وتجاوز المشاكل.
لقد أثار المشاركون حوارا حول المقدرة الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأمريكية على التـأثير في الرأي العام هناك وعلى التأثير في القرار السياسي مستنتجين أن مردها الرئيسي هو القدرة التنظيمية لشبكة المنظمات اليهودية الأمريكية المنتشرة بقوة وحنكة وأداء متصل. وقد كان النقاش مثمرا بحيث أن المشاركين من كوادر حركة فتح قد اتفقوا على مفهوم التنظيم أو المنظمة الذي تم تأصيله عبر ما أطلق عليه مصطلح نجمة التنظيم المشكّلة من خمسة أضلع:
الضلع الأول فيها هو ضلع الأعضاء بمعنى أن لا تنظيم بلا أعضاء وتبقى الجملة ناقصة إلا إذا أضفنا لها كلمة أعضاء فاعلين، لذلك فإن هذا الضلع يحتاج للتجدد في العضوية العاملة من خلال المؤتمرات كنهج تغيير ديمقراطي، ويحتاج أيضا الى استقطاب أعضاء جدد، كما يحتاج لإزالة الخبث والأدران من على الجسد من خلال تفعيل أسس الرقابة والشفافية والمحاسبة في إطار أي تنظيم، كما قرر المشاركون ما يتفق مع الفكر التنظيمي العلمي أن العضوية الفعالة أو الحقة تحتاج لجهد من العضو ذاته من جهة بحق نفسه وتجاه تنظيمه، وبالمقابل من التنظيم تجاه العضو بمعنى التثقيف المتواصل والتدريب وبناء الذات والشخصية، ولقد أظهر المشاركون احتراما لالتزام قادة فتح في البدايات وفي مراحل لاحقة بالفكرة والمصلحة الوطنية باعتبارهم نموذجا يحتذى للعضو أو القائد الذي كان أمثال الشهداء الكبارأبوعلي إياد وأحمد موسى وعبد الفتاح حمود وخالد الحسن وكمال عدوان وأبويوسف النجار وصلاح خلف وخليل الوزير والرمز ياسر عرفات يمثل كل منهم قامة سامقة قابلة للتمثل بها عبر الإطلال علىتاريخها وسيرها بايجابياتها وسلبياتها . كما عبروا عن اعجابهم بنموذج حزب المؤتمر الإفريقي الملتزم وحزب الله كأفراد ملتزمين بقيادتهم أيضا بغض النظر عن الرؤية السياسية التي تتفق أو تختلف معهم.
أما عن الضلع الثاني وهو الفكرة الموحدة أو الجامعة والخطاب السياسي الواضح أو كما عبروا عنها بالأهداف فلقد وجد المشاركون أن الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح وحركة حماس تفتقد الى هذا النهج أو الخط السياسي الواضح وإن كانت فتح تجتهد للتعديل والتطوير والتغيير في أطرها فإن الملاحظ أن حماس تبدأ من حيث انتهت فتح أي تتجه نحو الفوضى واستخدام السلاح كأداة تغيير، كما أشاروا لمجموعة من الأمثلة السلبية التي استخدمت فيها التعبئة الأيديولوجية ضد فتح من منظور الكفر والإيمان أو من منظور الوطنية والخيانة ما قد يؤصل للحقد والفتنة في المجتمع، كما يؤدي لاستقطاب ضار يفضي الى التطرف الذي بدأت مظاهره تبرز خاصة في قطاع غزة، وتم الـتأكيد أن لا تنظيم سياسي بلا خط سياسي ولا تنظيم ثوري بلا فكر ثوري ،وفي المقابل رغم شبهة الطائفية لحزب الله اللبناني مقارنة بالأحزاب الشيعية في العراق بمعظمها تلك التي ترتكب المذابح إلا أن المشاركين أشادوا بالقدرة التنظيمية لهذا الحزب من حيث تمكنه من بلورة خط سياسي ملزم عبّر عن وضوح وانضباط سياسي وإعلامي حتى قال أحد المشاركين أنه لو كان الشيخ حسن نصر الله ليس شيعيا مرتبطا بإيران لأصبح بطلا قوميا عربيا كما هو حال جمال عبد الناصر أو ياسر عرفات.
لقد أكد المشاركون على ضرورة وضوح الأهداف والأساليب وكذلك على الضلع الثالث في نجمة التنظيم وهو ضلع الهياكل والاتصالات وتقسيم المسؤوليات حيث أن كل عضو يعرف مسؤوليته ويعرف مسؤوله دون تداخل أو تقاطع أو تنازع في المسؤوليات، ودون شذوذ ما نراه محبطا ومؤلما في الحالة الفلسطينية عامة التي تتصارع فيها كتائب الشهيد الفلاني مع كتائب الشهيد الآخر في صراع علني غريب يقدم المعلومات مجانا للعدو دون أدنى احترام للأطر او الاتصالات أو الانضباط ولو في حده الأدنى.
حتى قال أحد المشاركين أننا لم نسمع عن كتائب الشهيد على بن إبي طالب أو كتائب الحسين تنبثق عن التنظيمات الشيعية في لبنان لتقوم بهجمات ضد العدوان الإسرائيلي الدائر في لبنان، كما تفرخ نفسها كل مجموعة فلسطينية مشكلة من خمس أشخاص أو أكثر امتلكت مبلغا من المال لتشتري به قطع من القماش يغطون بها وجوههم ويخترعون راية إضافية ويشترون الأسلحة ويكدسونها بدل شراء الخبز وحاجات الناس، في تناحر يؤدي للسقوط في فوضى مسؤولية وخطوط متشابكة طالت حماس كما طالت التنظيمات الأخرى قبلها، وكما قال أبوأحمد مسؤول كتائب الشهيد عزالدين القسام في جباليا الذي اعتبر نفسه وجماعته القيادة دون قيادتة السياسية في حماس التي عزلت وانتهت بدخولها الحكومة كما أورد للنيويورك تايمز.
لقد استطاعت حلقة النقاش أن تتوصل الى الضلع الرابع من أضلع نجمة التنظيم وهو ضلع النظام والقوانين والقواعد لتتفق كافة الآراء على أن القانون والنظام هو الضابط لمجمل الحياة الداخلية للتنظيم وهو القادر على إخراج أي تنظيم من محنته إلا أن ذلك يسلزم قناعة وجدية في التطبيق إضافة الى العدالة والمساواة المرتبطة بالأسس الديمقراطية ما نراه ضمن تراث الحزب الاشتراكي السويدي والألماني، وفي آليات تطبيق حزب المؤتمر الإفريقي على سبيل المثال وخاصة من خلال مؤتمرات هذه الأحزاب وسعيها الدائب نحو التغيير والتجدد في آلية منضبطة زمنيا لا تهتم بالعمر أو الأقدمية إنما تضع الخيار الديمقراطي كمحدد لتواصل الأشخاص في الأطر المختلفة وتؤمن بالتداول لذلك قرروا أن لا تنظيم سياسي بلا قوانين ولا تنظيم سياسي بلا تجدد في الفكر والهياكل والنظم والاتصالات.
وكان الضلع الخامس هو ضلع العمل أو الانجاز أو الفعل المشترك بمعنى أن لا تنظيم يتكون فقط من انجازات وابداعات ومبادرات فردية وبناء ذاتي على أهميتها خاصة في حركة فتح وإنما يجب أن توجد حركة جامعة وموجهة ومديرة للنشاط والفعل المشترك للأعضاء تستطيع استثمار طاقات الكل في خدمة الأهداف ولمصلحة الجماهير والقضية . كما وضع المشاركون في منتصف النجمة أي نجمة التنظيم وضعوا الإدارة والقيادة بفكر التواصل وآليات المتابعة كناظم للأعضاء والعمل والعناصر الخمسة المذكورة حيث لا جسد بلا رأس ولا تنظيم بلا قيادة يتم الالتزام بها واحترامها وتغييرها ديمقراطيا دون تشويه أو إهانة أو نقد لاذع علني ما كان بارزا في مرحلة من بعض كوادر فتح وما أصبح سمة فلسطينية تهدر المنجزات عبر الميكروفونات وعند الظهور أمام الكاميرات.
لقد استذكر المشاركون مواقف عدة من السيرة العطرة تشير الى المقدرة التنظيمية لنموذج قيادي لا ينازع ، مثّله القائد الأول والأعظم والأكثر قدرة على استشراف المستقبل وغرس المفاهيم الإيمانية وإعطاء الحوافز و وإدماج الناس في الفعل والعطاء غير المحدود، وصاحب النظرة الحية واللمسة المؤثرة ومصباح التغيير الأكبر المستمد من آيات الله سبحانه وتعالى والمرتبط بالجهد الذاتي للتفكير والإدارة والقيادة ممثلة بنموذج النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم.
لقد استطاعت الكادرات في إطار الورشة أن ترسم الصورة المطلوبة للتنظيم الفعال ذلك الذي يستخدم كافة امكانياته لتحقيق المنجزات دون هدر للطاقة، فكانت الشخصيات و الأحزاب المذكورة مثالا قابلا للاقتداء في كثير من الجوانب، وكانت التنظيمات الفلسطينية عامة تقع في نطاق الهدر ، ورغم الإشارة من كادر الحركة الى أن مقدرة حركة فتح على التجدد عالية جدا ما أثبته التاريخ والتجارب خاصة أن كادرها بغالبه شاب مؤمن وفاعل ويحقق الفوز والتقدم دوما في مختلف الجامعات والكليات ،إلا أنهم أبدوا حذرا في الفترة المطلوبة أو المسافة المتوجب قطعها لإحداث التغيير المطلوب ما نتفق معهم به وما يحتاج من الجميع لتكريس الإيمان بالتغيير ضمن معادلة تفعيل نهج الالتزام والعمل في رؤية سياسية وتنظيمية واضحة.