المساحات الرحبة وسيادة الرئيس

13-06-2014

المساحات الرحبة وسيادة الرئيس

 

 

       يقول الكاتب عبدالكريم العامري في شبكة النبأ: إن الازدحام الشديد بين المجموعة البشرية يخلف آثارا مذهلة ونتائج بالغة الخطورة، منها تحطم وانحلال الحياة الاجتماعية (فما بالك التنظيمية)، أما العادات والتقاليد العامة والرادع الديني اللذان يتحكمان في ضبط النفس والسيطرة على عدم استعمال العنف، فتطرحان جانبا دون اكتراث أو مبالاة

      ثم يعلق بالقول: ليس علينا إلا أن نفهم من أن ما يحيط بالإنسان من فراغات ومساحات تباعدت أوتقاربت انما هي نتيجة لإحساساته من لمس، شم، شعور، رؤيا، إن هذه الفراغات هي ليست مجرد حيز من الفراغ أو الهواء فحسب، بل هي وسيلة الإنسان لاتصاله بالعالم الخارجي وما يحيط به وهي في عين الوقت تحميه منه. أما زيادة الضغط على هذه الفراغات الحيوية والضرورية لبقاء الإنسان على نحو يرضيه فقد تسبب له متاعب وأمراضا لا حصر لها ولا دواء.

       إن توسيع مساحات التفاهم والحوار والعمل تعنى أن كل عضو أو شخص لديه الفرصة المتاحة ليطرح رأيه، أو يعبر عن ذاته أو يقدم مقترحه، ولأن يقوم بجهد أو مبادرة أو نشاط أو عمل ويشاركها الآخرين ، فلا يستأثر رئيس الجماعة (الوحدة التنظيمية مهما علت) وكأنه صاحب الأمر وليس للأعضاء سوى التنفيذ.

 

-       إن توسيع مساحات التفاهم تعطى للمياه (التنظيمية) قدرة إن تنقي نفسها، ونشربها في النتيجة شفافة نقية.

 

-       إن توسيع مساحات التفاهم يعني كسر عقل الاحتكار وعقل الاستبداد وعقل السيطرة وعقل الأنا والعقل القمعي الكامن لصالح الرحابة والانفتاح والتسامح والجماعية.

 

 مساحات التفاهم (وهذه المساحات وإن كانت معنوية، داخل العقل أو داخل النفس أو في أسلوب التعامل، فهي باتساعها تماما كالمساحات المادية من حيث هي ساحات عامة وفضاءات تجلب الانشراح والشعور بالانطلاق والرحابة لدى الإنسان) ومساحات أو أدوات التعبير من خلال الاجتماعات أو اللقاءات أو إتاحة الفرصة ذات قدر كبير من الأهمية بما تقلل من  الاحساس بالقهر أو النبذ و من عوامل الاضطراب والحنق والضغط الشديد الذي قد يعاني منه الشخص.

 

التبادلية والاجتماع وسيادة النظام

 

          أما التبادلية: كأحد شروط التفاعل المكتمل في صلب التنظيم فإنها تفترض أولا أن حقوق الأعضاء واحدة ومصانة، فلا يتقدم أحدهم الصفوف ليقول معترضا: أهي هكذا فعلا ؟ مضيفا: نحن نعلم أنها هكذا حسب ما هو مكتوب بالنظام، ولكن على الأرض أهناك حقوق للعضوية متساوية ؟ بمعنى هل يستطيع أي عضو أن يرفع شكوى أو اقتراح  أو سؤال كما يريد ضمن التسلسل؟ أم هل يستطيع مساءلة أومقاضاة مسئوله أمام الجهة الأعلى؟ أم هل تراه يستطيع أن يعارض – في إطاره – دون خشية من عقاب ما ؟ أم هل يشعر بالرحابة والمساواة والندية الممزوجة بالمحبة حين يتحدث أو يعترض أو ينتقد ؟ وكلّها أسئلة مشروعة.

 

       إن هذا ما يجب أن نراه عمليا في مسألة مساواة الحقوق للأعضاء، كشرط أساس لتحقيق التبادلية، فكيف اقتنع أن هناك (تبادلية) تفترض تحقق: المساواة والندية والحرية، وأنا لا أعترف أصلا أو استهين بحقوق الآخرين ؟ لنقول نحن : إن الرد على هذا الجدل يستدعي منا العمل معا على تحصين النظام، كيف ذلك؟ نقول: بأن نقوم بتطبيقه. وفي إطار التبادلية يأتي الحوار والالتزام كقانون محدد لتسليس تدفق مجاري المياه الديمقراطية.

 

       يقول الرسول ( صلّى الله عليه وسلم ) : ( لا تكن إمّعة تقول أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحسنت ، وإن أساءوا أسأت ، بل وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس تحسنوا ، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم) وفي الحديث النبوي على توطين النفس بالإحسان إشارة واضحة لضرورة الحوار والرفض والنقد، فكما يجب تحقيق الانضباط والالتزام والطاعة فإن التبادلية هنا في الحديث الشريف اقتضت أن يمتلك الشخص إرادة الإحسان بألا يكون تابعا جهولا مسيئا، ما ينطبق مع كافة العلاقات والتفاعلات الإنسانية السوية.

 

           يجب أن تتسع المساحة الداخلية للحوار، من خلال الاجتماعات التنظيمية الدورية ، و إلا أصبحت صفحات الشابكة (الانترنت) والمقاهي، وربما وسائل الإعلام الأخرى هي مساحة التنفس المستهدفة.

 

          إن دورية عقد الاجتماعات تدخل في صلب العمل التنظيمي، إذ لا يمكن بناء الخطط والمشاريع وتوزيع التكليفات بالعمل، وتقييم ومتابعة مسار العمل، وتقديم التوصيات، وممارسة النقد والنقد الذاتي إلا من خلال الاجتماع. كما لا يمكن تحقيق الصِّلة الصحيحة بين الأطر المختلفة وبين القيادات إلا عبر الاجتماع الذي يرفع التوصيات ويقدم المقترحات، وفي المقابل (من أعلى إلى أسفل) يتلقى التوجيهات كما يتلقى مفردات وتحليلات الوضع السياسي والتثقيفي لعرضه داخل الاجتماع.

 

          إن الاجتماع التنظيمي الدوري محطة لازمة للحوار لا غنى عنها مطلقا، وتوزيع العمل والمتابعة واتخاذ القرار فيما هو من شأن الإطار (الوحدة التنظيمية) والنقد والتخطيط ، ما يعنى أنه كلما اتسعت هذه المساحة كان المردود ايجابيا على العضو، بحيث يشعر بكيانه ودوره وإنسانيته، وأنه يمارس فعليا حقه التنظيمي ، وإلا فإن التفلّت واللجوء لوسائل تعبير أخرى يصبح لديه أكثر قبولا، لاسيما في ظل سيل المعلوماتية الذي يتدفق ليل نهار في أذنيه وأمام بصره، في كل آن ولحظة، ويدعوه للكلام واثبات الذات ، والصراخ وأحيانا البكاء والعويل.

          سيادة النظام : في طرفة تُذكر أثناء خطاب جماهيري لرئيس نظام قمعي عربي ، همس الأول من الجالسين المستمعين في أذن الثاني: أأنت مع سيادة القانون أم مع سيادة الرئيس ؟ رد عليه الثاني باسما : هل بإمكاني اختيار الاثنين معا ؟ الأول وقد رمقه حراس المستبد بنظرة حادة تعنى أن أغلق فمك فالزعيم يتكلم، وإلا! فابتعد عن زميله جازعا، وقال في نفسه : عرفت الجواب .

          إن سيادة النظام لا سيادة المسؤول يجب أن تكون الحَكَم ، وهذا لا يعني فرط عقد الالتزام مطلقا ، وإنما تأتي معادلة الالتزام بمقدار الالتزام بالنظام الداخلي، والصلاحيات المحددة والقيم والأهداف بالجامعة.

          وكما (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فلا طاعة لمسؤول في معصية القانون أو النظام ، ولكن الرد بوسائل النظام، أي معالجة خرق القانون بتفعيله، لا خرقه، وهنا تظهر معادلة الالتزام وتحقيق سيادة النظام.

          معادلة باتجاهين : إذ لا يمكن تحقيق التبادلية والعضو مطلوب منه دوما (الانصياع) للأوامر والالتزام بالقرارات والتنفيذ للأعمال والتصفيق للانجازات والإشادة حتى بالإساءات ، فهذا في حقيقته ممارسة استبدادية تحت ستار (التزام الأطر الدنيا بأوامر الأطر العليا) ما يجب أن يصح فقط على قاعدة النظام / القانون أولا والالتزام بالقيم ثانيا والتبادلية في اتجاهين بحيث يُمكّن العضو من الحديث والحوار والنقد والمبادرة ورعاية منجزاته ضمن الجماعة وإبداء الرأي والدفاع عنه.

 

          لا نفترض التزاما حقيقيا أن بخسنا حق العضو في أن يفتح فمه أو في أن يقترح أو في أن يتم شكره والإشادة بما أنجز، وعليه فإن مبدأ الاتجاهين تعني الحقوق والواجبات وتعني صعودا ونزولا في الهرم التنظيمي وتعني مسار متقدم وراجع هي (الاتصالات) الإنسانية المكتملة، وتعنى إرسال  واستقبال ، ولا تعني مطلقا تكميم الأفواه وفرض حُراس على الكلمات داخل الاطار التنظيمي.

          إن التفاعل المكتمل يتحقق في الوحدة (الإطار) التنظيمية في أي منظمة أو تنظيم سياسي أواجتماعي في الانسيابية وفي التبادلية وفي الساحات الواسعة .

 

إقرأ أيضا

الحقوق محفوظة © 2017- موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر