زوار المقال 764

كفار قريش في غزة!
قصة قصيرة –
أيام السلطة كان الناس يعملون... ويأكلون ويتزاورون، وان شاب حياتهم بعض من فوضى أمنية لم تصل إلى حد الإعدامات والقتل الدموي والتهديد الذي يعيشونه اليوم .
في عهد السلطة سمعوا .... عن الفساد وسمعوا عن السرقات وسمعوا عن تداخلات الأجهزة، ولكن ما لنا وذلك... فنحن نعيش ونتنفس وقوت عيالنا في مأمن ..........فما لنا وما يقولون وليكن حيلهم بينهم كما يقول المثل .
هذه الأيام يمشى الفرد دون جماعة في الشارع ويخشى كل شيء بدءا من الخشية على نفسه انتهاء بالخشية من تفتيش مليشيات القوة التنفيذية في دماغه وفي دفتر يومياته بل وفي أحلامه. 
عندما جرّوا أسعد من ساقيه أمام العامة في السوق، وانهال عليه سدنة المعبد الرباني ضربا بالهراوات الضخمة كسروا ساقه اليمنى وهو يصرخ .... كما لم اسمع بحياتي من قبل، والمصيبة أن هؤلاء الساديين كانوا يجبرون الأطفال على النظر لمشهد التعذيب ، ليتعلموا كما يقولون !!
لم يكتفِ الساديون بكسر ساق أسعد اليمنى...  فانهالوا بالهراوات على يسراه وأمام الملأ والأطفال... وكاميرات الجوالات صورت الحدث فموضعت الفيلم إلى جانب مئات الأفلام المقززة الأخرى في مواقع اليوتيوب والفيس بوك على شبكة الانترنت .
في المدينة الكبيرة ، في غزة ، من الأسلم لك ألا تمشى في الشارع لأنه محظور إلا على المنافقين أو أدعياء المقاومة أو مدعي الإسلام من القتلة والساديين أو من الجهلة أنصاف المتعلمين... هكذا قال لي أبو الباسم من تجار الخضار في المدينة المتعبة، وتابع معي روايته .
داوود لم يأبه بحركة فتح عندما كانت في السلطة في غزة... فهو عامل بسيط يلتقط قوت يومه دون أن يعير أهمية لمتغيرات السياسة الفاسدة كما يراها، أو نفحات الإيمان الخادع وادعاءات الدولة الإسلامية أو الديمقراطية من هذا الطرف السياسي أو ذاك.... وذاك هنا هو طرف حماس .
بل وصل الأمر بداود انه لم يفرق كثيرا في معيشته بين المراحل كلها منذ الاحتلال الصهيوني. وعندما جاء الانقلابيون ودخلوا بيته وفتشوه ودمروا ما فيه ، وسرقوا ما سرقوا تحت بند ( الغنائم ) لم يفهم... ما يحصل، وظنهم من الجيش الإسرائيلي؟! ولما علم بحقيقة الأمر رفض أن يصدق ما سمع... حتى بعد أن شتموا زوجته وضربوا بناته وحطموا الشبابيك .
داوود اعتبر ما حصل له من باب الخطأ فهو لم ينتمي في حياته لتنظيم سياسي ، وهو من أتباع ( الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه وأستريح ) وامش الحيط الحيط... فلا تحزب لديه ولا يحزنون ، وجُلّ ما قد يربطه بالسياسة أن أذنيه وغصبا عنه تستمع أحيانا للمذياع أو لشيخ الجامع ذو الصوت الغاضب دوما وهو يشتم الكفار والمرتدين... وان عرف الكفار بكفار قريش ، فهو لم يفهم كيف لهم أن يظلوا أحياء في غزة منذ عهد الرسول عليه السلام إلى اليوم!! كما انه لم يفهم معنى المرتدين وكان يعتقد بفهمه المتواضع أنهم ( المرددين ) أي الجوقة الغنائية وراء المطرب فكان لا يستمع بناء على ذلك للأغاني التي يصاحبها المرددين أبدا لأنهم وكفار قريش في غزة سواء كما كان يقول شيخ الجامع .
 سار داود في الشارع ... بحثا عن عمله أو أي عمل ، فرغم العدوان الإسرائيلي الذي حرق الأخضر واليابس وتحقق النصر! إلا أن أولاده يحتاجون للطعام فخرج من داره بحثا عن الخبز .
أثناء العدوان وعندما تراك العنان لأذنيه سمع الكثير عن التهديدات للإسرائيليين من أبي القعقاع وأبي الصناديد وأبي الحديد.... ولكن عندما وصلوا إلى باب  بيته وسط غزة أدرك بحسه الفطري أن  أولئك المتحدثين كذابون.... لا سيما بعد أن سمع أنهم خرجوا على الفضائيات ينشدون نشيد ما أسموه النصر الرباني، وهو طوال العدوان لم يرى أحدا منهم .
سار داوود في الشارع وهو غارق في خيالاته... في رغباته، لا يسيطر على عقله الا البحث عن الخبز لأولاده ، كان الجو باردا وهو يلبس من الملابس القليل ........وفي فترة ما بعد المغرب إلى أين يذهب؟ لم يكن يعلم بالتحديد، ولما يمر على انتهاء العدوان عشرة أيام، قضاها في خيمة مع أكوام اللحم الجائعة فاضطر للخروج كالفأر من بيت البخلاء .
داهمته دورية أمنية وأوقفته بتهمة انتهاك حظر التجول ما لم يسمع به إلا في عهد الاحتلال فافترض ثانية أنهم اليهود والعتب على الفهم وربما النظر أيضا ..........داوود سار ليلا لأنه زهق من الجلوس في الخيمة بلا عمل ، وملّ من رؤية أولاده يتضورون جوعا فألقت به مليشيات التنفيذية من القتلة الساديين-كما يسميهم أبو الباسم محدثي- في سجن المشتل بعد أن أوسعوه ضربا وشتما واتهامات لم يفهم منها شيئا ، والشئ الوحيد الذي أدركه بحسه البطئ أنهم سمعوه يفكر؟!  
بعد عشرين يوما من التعذيب لم يصلوا مع داوود لنتيجة وربما اكتشفوا انه رجل أبله ... ولا يدعى ذلك، لكن داود متيقن أنهم سمعوه يفكر!! وأدرك ان  الكلام والتعبير والتفكير في ظل هيمنة هؤلاء ممنوع بل محرم نصا ، ورغم انه لم يفهم العلاقة بين الإسلام والاستبداد إلا انه رآه فيهم مباشرة .
أراد داوود أن يحافظ على عائلته وهو الذي حافظ عليها في كل المراحل... ولما كان الخطر كما اعتقد كامن في رأسه حيث أنهم سمعوه يفكر، ويتساءل... وذلك في عرف المستبدين أدعياء الإسلام ممنوع لا بد أن يقوم بعمل ما وإلا ربما سلطوا عليه كفار قريش الذين يعيشون في غزة وأولئك المرتدين فيحولون حياة عائلته إلى جحيم مقيم .
ماذا  لو امتنعت عن السير في الشوارع أولا فلا يستطيعون رؤيتي وبالتالي لا ينظرون للكلام يخرج من رأسي ولا يسمعون مني ما أقول!!
 فكان هذا قراره الأول، ثم عزم أن يمنع رأسه من التفكير كليا بأن يغمره في الماء... فنحن لا نسمع السمك لأنه في الماء-كما اعتقد- وما ينطبق على السمك ينطبق علينا... وكلنا خلق الله .
في اليوم الثالث لخروجه من سجن المشتل الفظيع ... وجد الناس جثة داوود على شاطئ بحر غزة حيث انقطع عن دماغه سيل الأفكار... فلا يستطع أحد من الظلاميين القتلة -كما يسميهم أبوالباسم- أن يرى أو يسمع أفكاره... لقد مات شهيدا... فداء لأسرته .